الحراك الجزائري في عين المؤسسات البحثية الصهيونية

ككل حدث سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي يخص قطرًا من الأقطار فإنه -حتمًا- غير منقطع عن الواقع الإقليمي والدولي، نتاج ترابط المصالح والاستراتجيات لدى العديد من الدول في المناطق الجغرافية الواحدة، ليس الوطن جغرافية منغلقة في معزل عن التغيرات شديدة التسارع في الساحة الدولية، بل لا بد أن تُفهم أن هذه التغيُّرات تحدث في ظل متغيرات إقليمية، وكذلك هو الأمر بالنسبة لحراكنا الشعبي الذي لا يشذُّ عن هذه القاعدة الجيوسياسية.

قد نفهم السيكولوجية المرسخة لدى الشعب الجزائري وحساسيته المفرطة لأي تدخل أجنبي، وقد عانى عبر التاريخ من أنواع شتى من الاحتلال أوصله لهذه القناعة. لكن مع ذلك لا ينبغي أن تدفعه هذه الفضيلة إلى السقوط في حفرة (الجهل بتركيبة المحيط الدولي والإقليمي) ورؤية الفواعل الكبرى لحراكه الحضاري، خاصة الأعداء الأبديين منهم.

تحاول كل القوى الدولية تحوير الحراك لخدمة أجندتها ومصالحها، أو على الأقل الحفاظ على المكتسب منها، وعلى رأس أولئك الأعداء المتربصين بل القلب منهم، الكيان الصهيوني -الحاقد على الجزائريين-.

رغم فشل المحاولات المتتالية للكيان الصيهوني التغلغل في الشأن الجزائري، فإنه ما يزال يترقب اللحظة الذهبية التي بها يحيّد هذه القلعة العصية على الاختراق.

يعتمد الكيان الصهيوني على الدبابات الفكرية (مراكز البحوث والدراسات) لرسم سياساته الاستراتيجية، ونحت خططه، خاصة تلك الموجهة نحو الدول الإسلامية، وعلى أخص الخصوص الرافضة للتطبيع معها، غير أنها ترسم تلك الرؤى عبر باحثين موثوق فيهم عندها، مفرغين لمتابعة الواقع السياسي، الاجتماعي، الثقافي، الاقتصادي، الأمني …إلخ، وكتابة أوراق بحثية وتقديرات استراتيجية لكل بلد.

الجزائر في عين الدول التي تهتم هذه الدبابات بمتابعتها ودراسة واقعها، واستشراف مستقبلها، وقد زاد هذا الاهتمام أكثر بعد الحراك الحضاري ورسائله السياسية الموجهة للداخل والخارج على السواء.

يعد معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة (تل أبيب) من أهم تلك الدبابات الفكرية التي أسسها بُعيْدَ فشله في التنبؤ بحرب 1973.

أصدر هذا الأخير ورقتين بحثيتين كتبتهما الباحثة الصهيونية سارة فويير بعنوان «التحريض في شمال أفريقيا.. ماذا ينذر الحراك والاحتجاجات بالجزائر؟ [1] في 14 مارس 2019»، وآخر في 16 افريل بعنوان «شمال أفريقيا.. رؤى تنافسية لبلورة نظام ما بعد الريع العربي»[2] قدمت فيها لصانع القرار في الكيان تقدير موقف حول التعامل مع الحركية الحادثة في شمال أفريقيا والجزائر خاصة.

تعرف سارة فويير نفسها أنها باحثة صهيوأمريكية متخصصة في الشأن السياسي والديني في شمال أفريقيا، تعمل سارة فويير مع الواشنطن أنستيتيوت (معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط) المسيطر عليه من اللوبي الصهيوني الأيباك.

لا يعد البحث المنشور لدى مركز دراسات الأمن القومي الأول من نوعه، بل سبقته دراسة من 10 صفحات أُرسلت للرئيس ترامب نشرتها هذه الباحثة مع زميلها روبرت ستالوف[3] في السابع من فيفري سنة 2017 بعنوان «النظام الجزائري مهدد بالانهيار»[4] وأكدت على ذلك خلال استضافتهما في المغرب من طرف المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية، خلال ورشة نقاش بعنوان «ترامب والمغرب والشرق الأوسط.. الفرص والتحديات»[5].

1- الحراك الجزائري بعيون صهيونية

في مقال للباحث الأردني د. وليد عبد الحي بعنوان «الرؤية الإسرائيلية للحراك الجزائري»[6]، محللاً الورقة البحثية لسارة فويير. لخص الباحث الرؤية الإسرائيلية في خمسة جوانب تدفع إلى عدم الاستقرار في الجزائر الذي يعد تحديًا أمنيًّا، لكنه يمنح فرصة حقيقية للكيان الصهيوني في المنطقة:

1- الأزمة السياسية وصراع الأقطاب: يعمل الكيان الصهيوني على تغذية الصراع بين الأقطاب، وابتزاز أحد الأطراف بشروط (وكان ذلك قبل حسم المؤسسة العسكرية الصراع)، إذ يسعى الآن عبر الإمارات في محاولة دعم المؤسسة العسكرية لمحاولة إعادة إنتاج التجربتين المصرية والليبية عبر السيسي وحفتر، متناسيًا أن المؤسسة العسكرية في الجزائر ليست مؤسسة وظيفية كما يراد لها أن تكون، بل مؤسسة وطنية حامية للعقيدة الثورية وللمصالح الوطنية، مع ذلك يبقى التخوف باقيًا من إقناع المؤسسة العسكرية بالسيطرة على السلكة والحيلولة دون تحقيق دولة مدنية، ومنع حدوث انتقال ديمقراطي يسرع بصعود الإسلام السياسي إلى الحكم على شاكلة تونس والمغرب، وهو الرُهاب العظيم الذي يُخوِف به التيار العلماني، وقبله جزء من النظام السياسي المعزول، القوى الدولية.

2- استمرار الأزمة الاقتصادية: يرى الكيان الصهيوني عبر دراسة فويير في بحوث سابقة، أن الأزمة الاقتصادية كانت ستعجل بسقوط نظام بوتفليقة، النظام الذي كان يعتمد على شراء السلم الاجتماعي في عقد اجتماعي قائم على الخدمات مقابل الخضوع للنظام السياسي. ويعمل الآن الكيان الصهيوني والولايات المتحدة على إعادة ترتيب الخريطة الاقتصادية في المنطقة عبر جمع رؤوس أموال لتحقيق تطبيع اقتصادي مع الكيان الصهيوني، وفرض واقع اقتصادي كولونيالي جديد بين داعم لورشة البحرين التطبيعية ومخرجاتها المسرعة لتنفيذ صفقة القرن، وبين دول رافضة مهددة بالخنق الاقتصادي، والجزائر أهم تلك الدول التي ستبتزها الدول العربية المطبعة والولايات المتحدة راعية مصالح الكيان الصهيوني.

3- الإسلام السياسي وإمكانية وصوله للحكم: وتعرفه الرؤية الصهيونية بأنه التخوف من تمكن داعمي القضية الفلسطينية من مقاليد السلطة، وتسويق نموذج ناجح يمسح الإخفاقات في الأقطار الأخرى. خاصة أن الحركات الإسلامية، رغم الضربة الموجعة للإخوان في مصر، تعد القوة الثالثة في الجزائر بعد حزبي السلطة الذي جرتهما الحشود الشعبية وطالبت بحلهما، ووصول الحركات الإسلامية في كل من تونس والمغرب البلدين الجارين.

4- الحركات المسلحة في الساحل وليبيا: الخوف من عودة تهريب السلاح للمقاومة عبر سيناء إلى غزة، ومنع ذلك عبر تحركات حفتر، ورفع مستوى التنسيق مع النظام المصري، مع تقوية العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والخيرية مع دول الساحل، خاصة التشاد والنيجر، كأداة لمحاصرة الجزائر وتقوية الوجود الاستخباراتي للصهاينة في هذه المنطقة، التي تهدد الأمن القومي الجزائري.

5- تنامي الدور الروسي في المنطقة: وكانت الباحثة نفسها قد أصدرت رفقة أنا بروشفسكايا بحثًا بعنوان «روسيا تشق لنفسها طريقًا في شمال أفريقيا» [7].

ترى الورقة أنه على العكس من المعتقد بأن مجال التعاون في الجانب الطاقوي، فإنه في الجانب العسكري الذي بدأ بتوقيع الطرفان إعلان الشراكة الاستراتيجية سنة 2001، واتفاق أسلحة بقيمة 7.5 مليار دولار – وهو أكبر عملية بيع للأسلحة الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي– شمل برنامجًا لتحديث الجيش الجزائري وتدريبه، إلى جانب إلغاء دين مستحق لموسكو منذ الحقبة السوفيتية بقيمة 4.7 مليار دولار. وقد ساهمت مبيعات الأسلحة في الأعوام 2010 و2012 و2013 و2015 في تزويد الجزائر بمعدات عسكرية إضافية، شملت طائرات هليكوبتر، ودبابات، وغواصات. وفي عام 2016، بدأت الجزائر وروسيا تتبادلان المعلومات الاستخباراتية حول تحركات الجماعات الإرهابية في جميع أنحاء شمال أفريقيا. وذلك هو مصدر التخوف الصهيوني من تنامي القوة العسكرية للجيش الجزائري عدة وعتادًا، وتطور المنظومة الاستخباراتية العسكرية الجزائرية.

2- استراتيجيات الكيان الصهيوني اتجاه الحراك الجزائري:

تعتمد الآلة الصهيونية على عدة استراتيجيات في مجالات عدة، أهمها:

1- المعلومات الاستخبارية حول القوى الداعمة للمقاومة الفلسطينية في كل دولة مغاربية، والعمل على تحجيمها وتشويهها إعلاميًّا. الهدف من ذلك: استكمال تجفيف منابع دعم المقاومة والشعب الفلسطيني، الصامدة في شمال أفريقيا والمغرب العربي.

2- المساندة في الولايات المتحدة من خلال اللوبي اليهودي لطرف من أطراف الصراع الداخلي في الجزائر، مقابل انفتاح هذا الطرف تدريجيًّا على إسرائيل، على غرار ما جرى مع دول مجلس التعاون الخليجي.

3- محاولة تحريك بعض الأقليات أو المذاهب، ونرى ذلك من خلال استهداف منطقة القبائل بهدف دفعها للانعزال بمطالبها عن المطالب السياسية المشتركة بين كل الشعب الجزائري، وخلق واقع متنافر يعتمد على الجهوية أو العرقية، وذاك ما تفطن له الشعب الجزائري الواعي وأفشله وأفشل معه كل دعاوى التحريض أو الجهوية، بل رسم صورًا بديعة من الوحدة الوطنية.

4- خلق شقاق داخل المؤسسات العسكرية من خلال توظيف التحالفات الدولية مع الأطراف الداخلية، وهو ما تحاول بعض الأطرف الضعيفة شعبيًّا والمتنافرة أيديولوجيًّا مع المؤسسة العسكرية تحقيقه، بهدف السيطرة على قيادة الأركان وإعادة تشكيل الساحة السياسية دون العودة للإرادة الشعبية.

في الأخير نؤكد أن الجزائر وشعبها أفشلوا محاولات الكيان الصهيوني التغلل في أرضه الطيبة الشريفة المسقية بدماء الشهداء، وأعطى رسالة واضحة كاملة باقية من خلال رفعه علم فلسطين في المسيرات، ألا وهي أننا لن نرضى أن نعيش كرماء أحرار في وطن نعيش فيه، إلا باستعادة مسجدنا الأقصى في وطن يعيش فينا فلسطين.


[1] https://www.inss.org.il/publication/rumblings-north-africa-algerian-protests-discontent-neighboring-areas-may-portend/

[2] https://www.inss.org.il/publication/north-african-unrest-competing-visions-post-arab-spring-order/

[3] رئيس مركز الواشنطن انستيتيوت

[4] https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/strengthening-stability-in-northwest-africa

[5] http://www.cmes.ma/index.php/rencontres-et-debats/journees-d-etude/la-situation-securitaire-en-afrique-du-nord-2

[6] https://al-omah.com/الرؤية-الإسرائيلية-للحراك-الجزائري/

[7] https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/russia-makes-inroads-in-north-africa

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد