لا ريب في أن ما حققته الموجة الثورية في الجزائر (البلد الشقيق) في الثلث الأخير من فبراير (شباط) الماضي، لحدث جلل يتخطى صداه وتأثيره ومدلوله الجغرافي، والتي احتضنته، بل ينسحب هذا التأثير على كامل المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج، فهو بمثابة انتعاش، وبعث جديد لحلم الربيع العربي، الذي رأى النور مع بزوغ هلال شهر يناير (كانون الثاني) 2011، بعد أن تم إجهاضه على يد عناصر الثورة المضادة، والمدعومين دوليًّا وإقليميًّا، الأمر الذي يؤيد صواب ما يؤمن به أنصار الربيع العربي؛ من أن الربيع العربي تحول فصلي حتمًا ستعيده دوران الشمس العربية إلى ميادين وساحات الحرية، لنهتدي بها لطريق الحق والعدل والديمقراطية، وستهب نسائمه لتحيا الفكرة في أذهان مريديه، مهما أنهكته انقلابات الخريف، وبنادق الثورة المضادة.

الثابت يقينًا أن تلك الموجة الثورية التي كللت إلى الآن بالنجاح المرحلي، والتي وصلت إلى ما كانت تصبو إليه من اقتلاع رأس النظام، متمثلًا في «بوتفليقة» قد أبرزت الدرجة العالية من الوعي والفطنة والكياسة، التي يتحلى بها الشعب الجزائري، المعهود بالبسالة والشجاعة في الدفاع عن كرامته.

الشاهد رغم الانغماس في نشوة الانتصار بنجاح الثورة، يتعين على الشباب الجزائري ضرورة البقاء في ساحات وميادين الحرية، وأن يرابطوا بها، وألّا يفرطوا في الثقة بالمؤسسة العسكرية، حتى وإن أَثَرَت الحياد إلى هذه اللحظة، بتجنب الدخول على خط الأزمة ميدانيًّا، والاكتفاء بالبيانات المعسولة، التي ترد على لسان رئيس أركانها، «قايد صالح» والذي يبغي من خلالها السيطرة على عاطفة ملايين الجزائريين، وترويضهم.

غني عن البيان الدور المركزي والجوهري الذي يلعبه الجيش الجزائري في الملعب السياسي، باعتباره هو رأس حربة المشهد السياسي في البلاد، منذ الاستقلال، وإلى أي منسوب يهيمن ويسيطر على الحياة السياسية برمتها، ولنا في العشرية السوداء عبرة لمن يعتبر؛ لذا أرى – ورؤى المؤمن صادقة – أن العسكر هم المعوق الرئيس لأي عملية تهدف إلى إحداث أي تحول ديمقراطي حقيقي، والعنصر المبدد لأي جهود تبغي بلوغ الحرية والعدالة، فالمؤسسة التي كانت تشكل طوال الوقت شوكة في حلق الديمقراطية لن تكون يومًا كوبًا من الماء يروي ظمأ أوصالها، فمن سطا على إرادة شعبه مرة؛ سيسطو عليها مرارًا، ومن استخدم صندوق الذخيرة في الفتك بمئات الآلاف من السلميين إبان انقلاب يناير 1992 لن يتوانى عن اللجوء إليها في 2019 لسحق كل من تنطق شفتاه بحروف الحرية.

يخطأ من يعتقد أن عسكر الجزائر طينة أخرى مختلفة عن نظائرهم في محيطها المجاور، فهم يرون أنفسهم الوارث الشرعي للحكم في بلدانهم، فيتعاطون معها بمنطق الإيبارشية، فيسيرونها كما يشاءون، عبر تنحية الشعب جانبًا.

في المقابل قد يرد البعض بالقول العسكر إلى الآن لم يحرك دبابة أو مدرعة واحدة في عمق العاصمة؛ ما يعضد سلامة نواياه من أنه عازم على تسليم السلطة إلى نخبة مدنية عبر آلية الانتخابات، التي ستجرى في مناخ سياسي يتسم بالنزاهة، فقط أرد على من يطرح هذا الطرح بأن الدبابة ستُستدعى عندما تقتضي الحاجة الاستعانة بها في لمح البصر، حينها ستدهس الدبابة الجميع، فعقلية الدبابة لا تعرف معنى الحوار، ولا تؤمن بالكلمة، فقط تؤمن بصوت الذخيرة، والسمع، والطاعة.

اللافت فيما يجري من مستجدات على الوضع الراهن، بعد ارتقاء «ابن صالح» لمنصب رئيس الجمهورية، بعد إعلان الشغور الرئاسي، وفقًا للمادة 102 من الدستور هو أنني أشتم رائحة انقلاب بطيء، يجري إعداده لتمريره على جسد الثورة، وأن هناك «خالد نزار» جديد قادم في الأفق، سيقوم بمهمة تصوير الانقلاب، فشبح الأخير يراودني، ولدي ثقة من أن تكون العدة قد أوشكت على التبلور للإجهاز على الثورة، ومن ثمَّ يكون قد فات الأوان، فيعجز الجزائريون عن تفاديه، خاصة مع تعنت وتشدد «قايد صالح» في الإصرار المريب على التمسك بمواد دستور قد صاغها نظام ثار عليه شعبه، وأفسد الحياة لعقود كما لو كان الرجل حريصًا على الحفاظ على بنية النظام، الذي هو جزءًا لا يتجزأ منه، حتى لو اضطرت الدولة المركزية إلى التخلي عن رأسها، في سبيل بقائها.

في نفس المضمار لا مراء في أن نجاح أي هبّة شعبية، يتوقف على مدى تفتق وعي شعبها ويقظته، ففي اللحظات التاريخية الكبرى يتعين على الشعب أن يقف أمام مسئولياته، ولا يركن لأي فرد كان، أو مؤسسة، أو جماعة تعينه على تشكيل مستقبله، وتحديد مصيره، ذلك أن مثل هذا الركون قد يفضي في الأغلب إلى السطو على ما حققه من مكتسبات ميدانية، هنا لن يرحم التاريخ أحدًا، فمن يخطئ أو يتقاعس عن أداء دوره في مثل هذه المنعطفات والمنعرجات الوجودية؛ سيدفع فاتورة باهظة تفوق تلك التي كان يتألم منها، إبان العهد الاستبدادي، الذي تمرد عليه؛ لذا على الشعب الجزائري أن يبقى حاضرًا فيما هو قادم من مناسبات كبرى، وأن يطبق شعار «للثورة شعب يحميها».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد