تعتبر الثورة الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي، الثورة الملهمة لكل حركات التحرر في العالم، خاصة أنها أسقطت قوة استعمارية كبرى، التي كانت القوة العسكرية العظمى في القرن الـ19، إن الثورة التحريرية الجزائرية أضحت معلمًا تاريخيًا عظيمًا في القرن الـ20، كان نتاجها تحرر العديد من الدول الإفريقية في النصف الثاني من القرن العشرين من قوى الإمبريالية الحديثة .

اندلعت الثورة الجزائرية في 01 نوفمبر 1954 ودامت سبع سنوات ونصف، استشهد فيها -على حسب التقديرات الفرنسية الرسمية – مليون ونصف مليون شهيد ، انتهت بإعلان الاستقلال في 05 يوليو/ جويلية تموز 1962 منهية الاستعمار الذي دام 132 سنة .

لقد كان خيار المقاومة الوطنية العسكرية الموحدة المتمثلة في الثورة التحريرية المجيدة خيارًا وطنيًا، بعد فشل المقاومات الشعبية في القرن 19 بعد دخول المستعمر، قادها الأمير عبد القادر في الغرب الجزائري، أحمد باي في الشرق الجزائري، لالة فاطمة نسومر في منطقة القبائل، المقاومات التي تم القضاء عليها من طرف الاستعمار الفرنسي بنفي القادة أو سجنهم أو نفيهم خارج البلاد، وتشريد الأهالي وفرض القوانين العسكرية الصارمة عليهم، وبعد فشل العمل السياسي في تحقيق مطالب الشعب الجزائري المشروعة في الحرية في بداية القرن الـ19 الذي عرفت فيها الجزائر العديد من الأحزاب السياسية، مشكلة الحركة الوطنية التي تعددت مشاربها وأيديولوجياتها .

كانت نقطة الانعطاف بعد مجازر 08 مايو/ ماي 1945 التي خرجت فيها الجماهير الجزائرية محتفلة بالاستقلال بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، الوعد الكاذب الذي قدمته فرنسا للشعب الجزائري نظير مشاركة أبنائه اضطرارًا في الحرب العالمية الثانية ضد دول المحور على رأسهم ألمانيا، المجزرة الرهيبة التي قتل فيها الاستعمار الفرنسي 45 ألف جزائري، كان ذنبهم الخروج من أجل الحرية ككل الشعوب .

إن يقين الشعب الجزائري أن الحرية لا تؤخذ إلا بالقوة، جعل خيار الثورة هو الحل لتخليص الجزائر من براثن الاستعمار الغاشم، وضعت اللمسات الأخيرة للتحضير لاندلاع الثورة في 23 مارس 1954 بتشكيل «اللجنة الثورية للوحدة والعمل» التي ضمت شباب المنظمة السرية التي انشقت عن حركة انتصار الحريات الديمقراطية التي كان يقودها مصالي الحاج أحد أيقونات العمل السياسي .

في 17 يونيو/ جوان 1962 اجتمع 22 قائدًا من قادة الثورة الجزائرية والتي سميت بعدها «مجموعة 22» في منزل إلياس دريش في حي المدنية في العاصمة، كان نتاج اللقاء التاريخي الذي ترأسه الشهيد مصطفى بن بولعيد، قرار انطلاق الثورة وتكليف مجموعة مصغرة للترتيب المتكامل لها، في 23 أكتوبر 1962 تم عقد لقاء مجموعة الستة التي وضعت تاريخ ليلة الإثنين 01 نوفمبر 1962 موعدًا لتفجير الثورة، وضعت مجموعة الستة مبادئ الثورة التي تهدف إلى تحرير الجزائر وتأسيس الدولة الجزائرية الشعبية الاجتماعية ضمن المبادئ الإسلامية، كما أنها أعطت تسمية جديدة هي جبهة التحرير الوطني وجناحها العسكري جيش التحرير الوطني، تم تقسيم التراب الوطني الجزائري إلى 5 مناطق وتعيين قائد على كل منطقة .

لقد مرت الثورة الجزائرية في السبع سنوات ونصف بعدة مراحل نتيجة المتغيرات السياسية والعسكرية التي رافقت اندلاع الثورة :

1- مرحلة الانطلاقة 1954- 1956

اندلعت الثورة في ليلة الإثنين 01 نوفمبر 1954 بعمليات عسكرية نوعية في شتى مناطق الوطن، مستغلين نهاية العطلة الأسبوعية واستعداد الجيش الفرنسي للاحتفال بعيد مسيحي، أعقبه إعلان نداء أول نوفمبر الذي بث في إذاعة صوت الجزائر في القاهرة وتم توزيعه على الشعب الجزائري معلنين عن انطلاق ثورة تحرير الجزائر، تميزت المرحلة بعمليات عسكرية يديرها عدد قليل من الرجال أغلب سلاحهم يتمثل في بنادق صيد وبعض الأسلحة التي استقدمتها المنظمة السرية من ليبيا وتونس بعد الحرب العالمية الثانية، من أهم أهداف المرحلة:

– ضرب المصالح الاستعمارية.

– سرعة الحركة باعتماد مجموعة صغيرة تعمل في مناطق متباعدة.

– تجنيد عدد أكبر من أفراد الشعب الجزائري وانتمائهم للثورة، عرفت المرحلة حمل المنطقة الأولى الأوراس عبأ الثورة بتركيز الاستعمار قوته ضد المنطقة وهو ما فرض حصارًا عسكريًا تأثرت من خلاله الثورة، ما أدى برجال المنطقة الثانية إلى القيام بعملية عسكرية ضخمة في 20 أغسطس/ أوت 1955 في الشمال القسنطيني شرق البلاد، اعتبرت هجومات الشمال القسنطيني أول التحام بين جيش التحرير الوطني والشعب الجزائري لفك الحصار على الثورة في كل مكان وإبراز اللحمة والوحدة حتى الاستقلال التام .

كان من أهم نتائج الهجومات :

– تخفيف الضغط العسكري الذي كان مسلطا على المنطقة الأولى.

– انتشار فكرة الثورة في الأوساط الشعبية.

– التأكيد على أن جيش التحرير الوطني مستعد لمواجهة الجيش الفرنسي في وضح النهار وفي المدن الكبرى.

– إبراز شعبية الثورة ووطنيتها وذلك باشتراك أكبر عدد من أفراد الشعب.

– إعطاء الدليل القاطع للأمم المتحدة على أن ما يجري في الجزائر هو ثورة وطنية وليست مجرد تمرد كما تدعي السلطات الفرنسية، خاصة وأن الأحداث جاءت عشية انعقاد الدورة العاشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة.

– تعاطف الثورة الجزائرية مع الشعب المغربي في الذكرى الثانية لنفي الملك المغربي محمد الخامس.

2- مرحلة التنظيم والتموين 1956- 1958

قرر القادة الستة للثورة الاجتماع ستة أشهر بعد انطلاق الثورة، لكن حالة الطوارئ التي أعلنتها فرنسا على كل التراب الوطني حال دون ذلك لكن بعد هجومات 20 أغسطس/ أوت 1955 تمكن قادة الثورة الجزائرية من عقد أول مؤتمر سمي بمؤتمر الصومام، انعقد سنة بعد هجومات الشمال القسنطيني في المنطقة الثالثة منطقة القبائل لمكانها الاستراتيجي ، كان المؤتمر المنعقد في منطقة إفري أوزلاقن الجبلية في 20 أغسطس/ أوت 1956 مرحلة مهمة في الثورة الجزائرية من أجل التنظيم السياسي والعسكري للثورة. اتخذ المؤتمر مجموعةً من القرارات المهمة في عدة جوانب، ففي الجانب الهيكلي، أسفر المؤتمر عن إنشاء الهيئات التالية:

أ – المجلس الوطني للثورة الجزائرية، وهو أعلى هيئة سياسية للثورة أوكلت له مهام الهيئة التشريعية التي تقرر الحرب والسلم، مكونة من 34 عضوًا، 17 منهم دائمون و17 آخرين إضافيين.

ب – لجنة التنسيق والتنفيذ مكونة من 5 إلى 14 عضوًا، وهي الجهاز التنفيذي للثورة. وفي الجانب الإداري: قسمت الجزائر إلى ست ولايات، وكل ولاية إلى مناطق، وكل منطقة إلى نواح، وقسمت كل ناحية إلى قطاعات، وفي ميدان العمل السياسي: حددت المهام الرئيسية التالية: – التنظيم وتوجيه الشعب -الدعاية والإعلام- الحرب النفسية: الاتصالات بالشعب والأقلية الأوربية وأسرى الحرب – التمويل والتموين – الإدارة والمجالس الشعبية وتنتخب هذه المجالس الشعبية المكونة من 5 أعضاء بما فيهم الرئيس، وهي تتكفل بالأحوال المدنية والشؤون القضائية والدينية والمالية والاقتصادية والأمن، وفي ميدان التنظيم العسكري: قرر المؤتمر أن يتكون الفوج من 11 جنديًا من بينهم عريف وجنديان أوليان ونصف الفوج يضم 5 جنود من بينهم جندي أول، الفرقة وتتكون من 35 جنديًا «ثلاثة أفواج وقائد الفرقة ونائبه»، الكتيبة وتتكون من 110 جنود «ثلاثة فرق وخمس إطارات» الفيلق ويتكون من 350 جنديًا «ثلاث كتائب وعشرين إطارًا».

3- مرحلة الإبادة وإجهاض الثورة وتأسيس الحكومة المؤقتة 1958- 1960

تميزت المرحلة بسقوط الجمهورية الفرنسية الرابعة بعد فشلها في إيقاف الثورة الجزائرية، طلب الرئيس رينيه كوتيه من شارل ديغول أن يتسلم رئاسة الوزراء لكن ديغول بادر إلى تأسيس الجمهورية الخامسة بإعلان دستوري جديد، عمل شارل ديغول بعدة وسائل على قتل الثورة الجزائرية من خلال عدة أساليب ووسائل:

أ – الجانب العسكري : سندت قيادة الجيش الفرنسي للجنرال شال الذي شرع في تطبيق المشروع العسكري الحامل لاسمه للقضاء على الثورة وذلك بإتباع الخطوات التالية:

– غلق الحدود الشرقية والغربية بواسطة الألغام والأسلاك الشائكة المكهربة.

– العمل على إبادة جيش التحرير الوطني في الجبال والأرياف.

– القيام بعمليات عسكرية جوية -برية- بحرية مكثفة لتمشيط البلاد والقضاء على المجاهدين.

– تجنيد المزيد من العملاء والحركة.

– فصل الثورة عن الشعب بوضع الشعب في المحتشدات.

لمواجهة مشروع شال اعتمدت الثورة على أساليب عسكرية جديدة منها الإكثار من العمليات الفدائية داخل المدن والاعتماد على حرب الكمائن، ونقل العمليات الفدائية إلى قلب فرنسا نفسها بضرب المنشآت الاقتصادية والعسكرية، ومما دعم ذلك وقوف المهاجرين الجزائريين في فرنسا إلى جانب الثورة.

ب – الجانب الاجتماعي الاقتصادي والسياسي:

قام الجنرال ديغول بطرح مشروع قسنطينة الاقتصادي بهدف خنق الثورة على أساس أن أسبابها اقتصادية واجتماعية، فقرر الجنرال ديغول توزيع الأراضي الصالحة للزراعة على الجزائريين وإقامة مشاريع صناعية وسكنية وتعليمية، كما حاول القضاء على الثورة سياسيًا بطرح فكرة «سلم الشجعان» وهو بكل بساطة العودة إلى الديار ورمي السلاح، رفض الشعب الجزائري مشروع قسنطينة الاقتصادي بأمر من جبهة التحرير الوطني، وعبر عنه خلال مظاهرات شعبية عارمة في 11 ديسمبر 1961، مما أكد على التلاحم الكبير بين الشعب والثورة، بعدما استكملت الثورة بناء تنظيماتها وهياكلها، قامت في 19 سبتمبر 1958 بالإعلان رسميًا عن تشكيل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية التي ترأسها فرحات عباس في البداية ثم خلفه يوسف بن خدة سنة 1961، اقتناعًا من قيادة الثورة بأن التمثيل أصبح ضروريًا في مثل هذا المستوى لحمل الدولة الفرنسية على تغيير سياستها تجاه الجزائر، ولاقتناع الثورة أيضًا بأن التحضير للاستقلال صار ضروريًا هو الآخر.

4- مرحلة التفاوض والاستقلال 1960- 1962

بعد فشل مشاريع ديغول لإفشال الثورة وصل إلى يقين أن حتمية تقرير المصير فطرح على الشعب الفرنسي الذي صادق عليه في 08 يناير/ جانفي 1961، قبل الدخول في المفاوضات نادى ديغول إلى محادثات، استجابت الثورة بإرسال وفد جزائري لكن المحادثات فشلت بسبب سوء معاملة الوفد الجزائري، بدأت الاتصالات الأولى للمفاوضات في 30/03/1961 في سويسرا لكن بحكم محاولة فرض المفاوض الفرنسي لشروطه من خلال تقسيم الجزائر وجعل الصحراء فرنسية، انسحب الوفد الجزائري لاتساع الهوة، شرط الوحدة الترابية الكاملة للجزائر ظل الشرط الوحيد الذي لم يتنازل عنه الشعب الجزائري والقيادة الثورية حتى ركع المفاوض الفرنسي وقبل بالشرط في المراحل الأخيرة من المفاوضات في بداية مارس 1962، وهكذا دُعي المجلس الوطني للثورة الجزائرية للمصادقة على مشروع الاتفاقيات التي وقعت في 18/3/1962 على الساعة الخامسة والنصف بعد الظهر، وعرفت بـ«اتفاقيات إفيان»، وبعد التوقيع على الاتفاقيات أعلن عن توقيف القتال الذي دخل حيز التطبيق يوم 19/3/1962 على الساعة الثانية عشر، لكن المتربصين بالجزائر لم يتركوا لها فرصة تضميد الجراح، وخرقوا اتفاقية وقف إطلاق النار، فقد عمدت «منظمة الجيش السري«OAS  إلى تطبيق سياسة الأرض المحروقة، ووجهت ضرباتها إلى الطاقات الحية في البلاد، وكذلك إلى كل المنشآت التي يمكن أن يستفيد منها أبناء الشعب في ظل الاستقلال والحرية، فاغتيل الرجال وأحرقت المدارس والجامعات والمكتبات، شرعت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في الترتيب لاستفتاء تقرير المصير الذي كان في 01/07/1962.

5- استفتاء تقرير المصير والاستقلال

بعد أن ضبطت الهيئة التنفيذية المؤقتة يوم 01 يوليو/ جويلية 1962، استجاب المواطنون الجزائريون بقوة للتصويت في الاستفتاء، فكانت نتائج التصويت التي أعلنتها لجنة مستقلة لمراقبة التصويت، من مجموع المسجلين المقدرين بـ 6.549.736 موزعين على 15 مقاطعة عبّر 5.992.115  بأصواتهم.

منهم 5.975.581 أدلى بنعم، و16.534 بلا، وبناءً على ذلك أعلنت نتائج الاستفتاء يوم السبت 3 يوليو/ جويلية 1962، وبعث الرئيس الفرنسي شارل ديغول إلى السيد عبد الرحمن فارس رئيس الهيئة التنفيذية المؤقتة للجمهورية الجزائرية رسالةً تحمل الاعتراف باستقلال الجزائر، واعتبر يوم الإثنين 5 يوليو/ جويلية 1962 التاريخ الرسمي لاسترجاع السيادة الوطنية التي سلبت في ذات اليوم من سنة 1830.

إن المراحل المتعددة التي مرت بها الثورة الجزائرية من التعريف للتحرير، نموذج ملهم يؤكد أن الحرية باب يفتح بقوة الحق والسلاح، وأن قوة السلاح يجب أن تسبقها وتتكامل معها قوة الوحدة، وحدة المشروع والهدف، وحدة القيم والثوابت، بقيت الثورة الجزائرية نموذجًا ملهمًا وستبقى كذلك لكل الحركات التحررية في العالم، نموذجًا يقتدى بها، من أجل استرجاع الحرية السليبة، دافعين النفس والنفيس، المال والدم والروح من أجل الحرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد