قرابة الثلاث سنوات والنصف من السنة استطاعت الوزيرة الأكثر جرأة في حكومة سلال الثالثة أن تفعل ما لم يفعله سابقوها في قطاع حساس كقطاع التربية، فهذه المدة القصيرة زمنيا الطويلة تراجيديا لا يمكن القول إلا أنها الفترة الأكثر سخونة وإثارة في المشهد التربوي والسياسي منذ الاستقلال. فالوزيرة المعينة يوم 5 مايو (أيار) 2014 ذات التوجه الفرانكفوني شهد لها الجميع بجرأتها وإقدامها على إصدار قرارات وتعليمات أثارت ضجة واسعة من قبل المراقبين في الشأن التربوي وشخصيات سياسية هامة في إطار ما رآه البعض تمرير مشروع بن زاغو لإصلاح المنظومة التربوية. هل هو حقيقة مشروع بن زاغو بنكهة غبريطية؟ أم تصادم مخابر الكولونيالية الفرنسية مع مصالح النقابات؟

لمحة عن الوزيرة

نورية بن غبريط رمعون، باحثة ومؤلفة فرانكفونية جزائرية وأستاذة لعلم الإجتماع، ولدت بوجدة في 5 مارس (أذار) 1952 منحدرة من أصول أندلسية نازحة نحو تلمسان. نالت شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة باريس – ديكارت عام 1982، وشغلت بعدها مديرة للمركز الوطني للبحث والإنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية بوهران، كما كانت ضمن لجنة بن زاغو لإصلاح المنظومة التربوية إلى جانب مستشارين لها الآن. لها عدة مؤلفات وشغلت العديد من المناصب الهامة منها رئيسة لجنة اليونيسكو العربية للتعليم العالي، ولعل توجهاتها الفرانكفونية تظهر من خلال مؤلفها: المدرسة الجزائرية، تحولات وآثار اجتماعية الصادر عن دار القصبة عام 98.

تأثير السياسي في التربوي أم تسخير الأخير لخدمة الأول؟

الصراع بين المعربين والفرانكفونيين قديم قدم ثورة التحرير، لكن بعد الاستقلال كان هذا الصراع غير جلي للعامة، لكن سرعان ما ظهر وانكشف للجميع بسبب سياسات الوزيرة ومساسها بمقومات الهوية الوطنية ودون أي سابق إنذار بحيث كانت القطرة التي أفاضت الكأس، فالمعربون يرون أن تطور المدرسة الجزائرية مرهون بالتمسك بالموروث الثقافي والقيم الأصيلة للمجتمع الجزائري، بالإضافة إلى تفتحها على الثقافات الأخرى بما فيها اللغة الإنجليزية، في حين أن الفرانكفونيين يرون في اللغة الفرنسية مستقبل المؤسسة التربوية الجزائرية، حتى وإن كان على حساب اللغة العربية. وهذا التيار الأخير، وبالرغم من قلة عدده فإن قوته تكمن في تغلغله في مناصب حساسة داخل الدولة وسيطرته على مفاصلها.

لذا فإن هذه الإصلاحات كما يراها الكثيرون فإنها محاولة لفرنسة القطاع لاغير، وقد نجحت الوزيرة سابقًا بما أسمته “القيم العالمية” في إشارة إلى تعميم اللغة الفرنسية في كامل الأطوار ضاربة عرض الحائط مقومات الهوية والنسق القيمي والثقافي للجزائر، وإلا كيف نفسر استقدام الـ 200 خبير فرنسي الذين أشرفوا على تكوين مفتشي وإداريي الوزارة الوصية والذين لم يتم الكشف عنهم لحد الساعة.

إن المدرسة الجزائرية راحت ضحية الفكر الكولونيالي الفرنسي الحديث الذي لا يزال ينخر إلى اليوم مؤسسات وهياكل الدولة، فمشروع الإصلاح هذا السني شكلي، جاء نتيجة فشله في الديار الفرنسية ليصدر إلى المخابر الجزائرية وترعاه الوزيرة وداعموها.

المدرسة ضحية تضارب مصالح جهات وتواطؤ جهات أخرى

وبالرغم من وقوع الوزيرة في فضائح وتناقضات بالجملة، وبالرغم من المهازل التي شهدتها التعديلات الحكومية الأخيرة، إلا أنها جددت فيها الثقة وخرجت مرة أخرى وأكدت على أن الأخطاء الواردة في كتب الجيل الثاني ماهي إلا هفوات مطبعية يمكن تداركها بتقطيع الأوراق وإلصاق أخرى عبر الشريط اللاصق في إشارة إلى خطأ الخارطة بكتاب الجغرافيا.

وقد كانت الأخطاء على سبيل المثال لا الحصر لغوية، نحوية، معرفية وتاريخية، وبالرجوع الى اللجنة المكلفة بإعداد مناهج وكتب الجيل الثاني، فإنها لا تزال سرية لغاية الآن وتم استبعاد كافة النقابات والشركاء الاجتماعيين كليًا من مشاورات إعداد البرامج، هذا ما جعل النقابات تصب جام غضبها على الوزارة الوصية وتطالب بإعادة تفعيل المجلس الأعلى للتربية المحل عام 2008 ليشرف على سياسات التربية والتعليم.

من جهته صرح أحمد بن خالد رئيس جمعية أولياء التلاميذ لصحيفة الشروق ” لا نحبذ مشاركة الشركاء الاجتماعيين في عمل لجنة الإصلاح لتضارب الإديولوجيات والمصالح” وفي اتصالنا بمفتش التعليم الابتدائي بن حضرية مناد حول مضمون كتب الجيل الثاني، قال “الكتاب ماهو إلا وثيقة مدرسية والمناهج هي الأصل في التلقين”.. وهذا ما جعلنا نطرح أكثر من تساؤل حول مشاركة جمعية أولياء التلاميذ في المؤامرة، خاصة بعدما أعلنت تأييدها لقرار منع النقاب، وكذا تورط أبناء القطاع أنفسهم في تكريس سياسة الوزيرة ليكون المعلوم مجهولًا.

وتنتظر جمعية أولياء التلاميذ سقوط الفأس على الرأس بتلميحها إلى عدم التسرع في الحكم على الإصلاحات، إلا بعد ملامستها الميدان، وذهبت الى التعرض إلى الأستاذ وتكوينه متناسية مشاكل الاكتظاظ والإطعام والنقل والتجهيز التي يتخبط فيها القطاع ويعاني منها التلاميذ.

التدريس بالعامية، فرنسة التعليم، حذف البسملة، فضائح وتسريبات البكالوريا، مهازل كتب الجيل الثاني، تسمية الإصلاحات بالجيل الثاني، الارتجال في عطلة الشتاء، ومؤخرًا قرار منع الحجاب والنقاب داخل المؤسسات التربوية، كلها قرارات توحي على سياسة الارتجال والصبيانية والفردانية في التسيير، بدليل أن كل دول العالم تعتمد وزارات تربيتها على أخصائيين اجتماعيين ونفسيين ونقابات ومنظمات في تحرير الكتب المدرسية وتشكيل المناهج والاستشارة في كامل شؤون القطاع، وأضاف الخبير التربوي عبد القادر فضيل للشروق اونلاين أنه إذا أردنا تسمية الأجيال، فإننا في الجيل الرابع لأن قانون المدرسة الجزائرية لم يظهر إلا في دستور 1976.

ولعل حمزة بلحاج مدير العلاقات الخارجية الأسبق بوزراة التربية والتعليم يختصر حلول القطاع بقوله “نحتاج إلى شخص راسخ القدم في قيمنا الوطنية، كأرضية تقوم عليها فلسفة التربية والتعليم وسياساتها، مزدوج أو ثلاثي اللسان يتحكم في اللغة العربية جيدا والبيداغوجيات واستراتيجيات التربية عربيًا وعالميًا، منفتحًا متثاقفًا مع الآخر بتبصر ويقظة”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد