تعيش الجزائر هذه الأيام على صفيح ساخن، حيث هزت الجزائر العميقة عدة قضايا أسالت الكثير من الحبر وتكلم فيها الصغير قبل الكبير بداية من قضية البسملة إلى صراع الوزير الأول السابق مع رجال المال، وصولًا إلى تصريح الألف مليار الشهير والانهيار التاريخي للدينار، قضايا صب فيها المجتمع الجزائري جام غضبه على سلطة ساهمت في قمعه في وقت سابق وهي في طريقها الآن «لتجويعه».

«إذا قتلت السبع تصفقوا عليا وإذا السبع قتلني تصفقوا على السبع» هذا ما قاله الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في أحد تصريحاته خلال حملته الانتخابية سنة 1999، تصريح أراد من خلاله تشجيع الشعب للوقوف بجانبه في مشروعه للمصالحة، غير أن الشعب حفظ الدرس بطريقة أخرى، وها هو الآن وبعد حوالي 20 سنة لا يزال يصفق للرئيس، أو بالأحرى يصفق للأقوى، يصفق للحق الذي اغتصب، يصفق للذي سرق، للذي ظلم، للذي تجبر واستبد، يصفق للجنرالات التي قتلت وشردت ويتمت في عشرية النار، والأصوات المرتفعة من هنا وهناك ما هي إلا شرذمة من الأيادي الخارجية التي تريد إرجاعكم لسنوات الذل، وبلدنا بلد الديمقراطية ولكم الاختيار، إما ذل وأمن أو ديمقراطية ودم؟ «نعم إلا في بلادي يجتمع النقيضان»، لا يصفق فخرًا بل يصفق خوفًا «بزاف علينا واش فاتت»، يصفق لمن نهب خيرات القارة، نعم فبلادنا ليست بلدًا بل قارة لكن «ولادك ماعرفوش قيمتك». هذه هي جزائر العزة والكرامة التي وعد بها الرئيس، لكنها جزائر العزة للأجنبي والذل للمواطن، جزائر الكرامة «للي عندو الكتاف».

والمتتبع لحال المجتمع الجزائري بعد كل ما مر به من فترات الحرب والنار مرورًا ببحبوحة البترول وصولًا إلى أزمة التقشف الأخيرة يعلم جيدًا سبب نقص الوعي الفادح الذي نعيشه، ويكفيك أن تتجول في شوارعنا لتعلم صدق الحديث الشريف: «كَيفمَا تَكُونُوا يُولَّ عَلَيْكُم»، فترانا نقتفي أثر وزراء نهبوا خزينة الدولة لكننا نغمض أعيننا ونطالب بالصفح عن شباب أخذوا قروضًا بمئات الملايين في إطار تشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة لتجدهم في آخر المطاف في الملاهي، ترى وسائل التواصل الاجتماعي التي انفجرت بعد قضية البسملة وانهالت بجميع أنواع «السب والشتم» دفاعًا عن البسملة، وشوارعنا أصبحت غير عائلية، انحلال خلقي لم تشهد الجزائر مثيلًا له، إفلاس ديني وتربوي، هل هو انفجار لكبت التسعينيات أم هو غزو فكري أصاب مبادئنا ومعتقداتنا؟ نسخط من دولة امتلأت بالفساد والبيروقراطية ولكننا لا نكاد نقضي مصلحة ما من دونها، من دون «المعريفة» التي أكلت حقوق الكثيرين، إن مشكلتنا مشكلة «نفاق»، وعندما نقرر يومًا ما أن نكون التغيير الذي لطالما حلمنا به، عندما نقرر أن نبني الجزائر التي بدأت مع الأمير عبد القادر وتعلمت على يد العلامة ابن باديس والبشير الإبراهيمي وسقيت بدماء مليون ونصف المليون شهيد، يومها فقط يمكننا أن نواجه سلطة تحاول قمعنا بشتى الطرق.

إن حديثي عن المجتمع وعن سلبياتنا التي لا يستطيع أن ينكرها عاقل لا يعني دفاعي عن من هم في سدة الحكم، لا يعني  أنني راض عن ما يجري في وطني الحبيب من طرف هذه العصابة، لكن واقعنا حقيقة تنطبق عليه الآية الكريمة: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم». يقول الكاتب العراقي جابر العلواني إن الفرصة الأمثل لكتابة التاريخ هي عندما يفلس الحاضر، ألا ترى بأننا نعيش هذا الإفلاس؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد