بعد مرور 29 سنة على أحداث الخامس من أكتوبر 1988، يستحضر الجزائريون اليوم هذه المناسبة وسط تساؤلات عما تحقق من مطالبهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ثاروا من أجلها، ودفعوا لأجلها ثمنًا باهظًا، فلا يمكن أن ننكر أن هذا الحدث الهام كان تمهيدًا للفترة القادمة للجزائر والتي عرفت صعود الإسلاميين إلى الحكم وتلويحهم بدولة دينية والصدام مع الدّولة ثم إلغاء المسار الانتخابي وحدوث المواجهة العسكرية بين الجيش ومليشيات الحزب الإسلامي المعروف بجبهة الإنقاذ والتي دامت لأكثر من عشر سنوات وتسبّبت بمقتل مائتي ألف جزائري واغتيال مائة وخمسين صحفيًا منهم إسماعيل يفصح والطاهر جاووت وغيرهم

الطريق إلى الثّورة

بعد وفاة الرئيس الجزائري والديكتاتور «هوّاري بومدين» في السابع والعشرين من ديسمبر عام 1978 والذي عرفت فترة حكمه الكثير من المحاولات النهضوية في مجال الزراعة والصّناعة، وسلسلة التأمينات التي قام بها من أجل استرجاع السيادة الوطنية على الثروات الطبيعية.

لكن فشلت تلك المشاريع في الارتقاء بالجزائر إلى مصاف الدول الصناعية الكبرى وتحقيق الاكتفاء الذاتي، بسبب تضييق بومدين على الحريّات الفردية واستخدام القمع ضد المعارضة السياسية وتأسيس جهاز بوليسي سري «الأمن العسكري» لملاحقة المعارضة السياسية، وتصفيتها حتى إن كانت مشكّلة من رموز الثورة – كريم بلقاسم على سبيل المثال – واستفزاز سكّان منطقة القبائل بالاستهزاء بالقضيّة الأمازيغية والتلويح بالتعريب، وعمومًا كان توجّه بومدين اشتراكيًا ومطبّقًا لسياسة الحزب الواحد.

ثم جاء بعده خليفته العقيد الشاذلي بن جديد، والذي أدرك أن بقايا أتباع بومدين أصحاب التوجّه الاشتراكي هم المتحكّمون في مقاليد السلطة، وبالتالي من أجل مواجهتهم وإقامة التوازن السياسي في الجزائر قام بأكبر خطأ وهو فتح المجال للإسلاميين، فصدرت قرارات العفو على المساجين الإسلاميين مثل «علي بلحاج»، وتم التّساهل مع العائدين من الحرب الأفغانية ضد السوفيت وهكذا كسب بن جديد ود الإسلاميين الذين بدؤوا كالعادة بنشر الخرافات حول حليفهم وقالوا عنه إنه ذو نزعة إسلامية بل ووصل الحد إلى ادّعاء الشيخ عبد الحميد كشك أنه رأى الرسول في المنام وأخبره خيرًا عن بن جديد!

وفي المجال الاقتصادي ازداد التردّي الاقتصادي بسبب الانخفاض الحاد في أسعار البترول والاعتماد الكلّي على المحروقات، بحيث انخفضت أسعار البترول في نهاية الثمانينيات من 40 دولارًا إلى أقل من 10 دولارات، فظهر تضخّم غير مسبوق وانهارت الطبقة الوسطى وازدادت مساحة الفقر، وإعلان عدد من الشركات الوطنية إفلاسها وعدم قدرتها استيراد القهوة والدقيق، وفي يوم 25 سبتمبر بدأت ملامح ثورة شعبية وعمّالية تلوح في الأفق بعد أن عقدت نقابة مؤسسة صناعة السيارات سوناكوم لقاء بالمركب، حيث ندد العمال، لأول مرة، بالفساد وببعض رموز الدولة، مرددين شعارات مناهضة لهم.

أما في الأحياء الشعبية، في 4 أكتوبر الذي كان يوم أربعاء، 1988 بدأت بعض القلاقل تظهر في أحياء شعبية معروفة كباب الوادي والرويبة والحراش، فانتشرت مصالح الأمن أو ما كان يسمى سابقًا لدى عامة الناس بالأمن العسكري، عبر بعض هذه الأحياء لتقصي الحقائق ومعرفة ما كان يحضر له.

في 5 أكتوبر، وفي وسط باب الوادي، اعترضت مجموعة من الشباب سبيل حافلة وقاموا بإنزال كل ركابها وأضرموا فيها النار، ثم توسعت إلى باقي شوارع الحي العتيق حيث استهدف المواطنون كل ما يرمز للدولة، وانتهز العاطلون عن العمل، وكذا البسطاء، مؤسسات أروقة الجزائر ونهبوا كل ما فيها، وقد بلغ صدى هذه الاحتجاجات أحياء باش جراح والحرّاش والشراقة وعين البنيان، ثم حتى الأحياء الراقية كالأبيار وبن عكنون وحيدرة، وتحولت العاصمة بأكملها إلا بؤرة للاحتجاجات وأعمال التخريب والحرق ومحاولة اقتحام منازل عدد من الشخصيات التي كانت ترمز لنظام الحكم في الجزائر آنذاك، وبدأ المتظاهرون حتى بمهاجمة مراكز الشرطة وتهديد رجالها، ولما فهمت مصالح الأمن أن الوضع قد خرج عن السيطرة تم تدخّل الجيش في السادس من أكتوبر، وبدأت المواجهات بين أفراد الجيش الجزائري والمتظاهرين ووصلت إلى حد إطلاق النار على المتظاهرين.

ماذا ربح الجزائريون من هذه الثورة؟

أجبرت الأحداث الرئيس الشاذلي بن جديد آنذاك على التعهد بتنفيذ إصلاحات سياسية، توجت بدستور 23 فبراير 1989، مما سمح بإنشاء أكثر من ستين حزبًا سياسيًا، وتم اتّجاه البلاد نحو الخصخصة اقتصاديًا، لكن في الحقيقة تمّ الالتفاف على هذه الإصلاحات، فقد طرح النظام الجزائري فرصة التغيير لكن دون المساس برموزه ومصالحه، فالبداية كانت بفتح المجال للإسلاميين والشراكة معهم وعندما انكشفت نوايا حزب جبهة الإنقاذ في الانقلاب على الدوّلة والسير على خطى ثورة الخميني في إيران، دعمتها إشاعات عن حدوث اجتماع بين رئيس حزب جبهة الإنقاذ برجال من نظام الخميني.

انقلب النظام العسكري في الجزائر على التيّار الإسلامي الذي اكتسح الانتخابات البرلمانية في 1991 وألغى نتائجها بدعوة الحفاظ على الديمقراطية، وفي الحقيقة أن لو كان النظام الجزائري ديمقراطيًا لما سمح بدخول هذا الحزب الإسلامي الانتخابات ولاستجاب لنداءات الأحزاب العلمانية التي طالبت بعدم الذهاب إلى الانتخابات مع حزب يكفّر كل من لا ينتخب عليه ولا يلتزم بالمبادئ الديمقراطية، ويستغل الصندوق فقط لكي يصل إلى السلطة، فسبق وأن وصف رئيس الحزب الإسلامي جبهة الإنقاذ الشيخ «عبّاسي مدني» الانتخابات بالابتلاء الإلهي وقال إنه بعد صعود الجبهة إلى الحكم على الجزائريين أن ينسوا إلى الأبد الصناديق الزجاجية.

وعلى أيّة حال هذا «الربيع» حقق مكاسب للجزائريين وأفقدهم مكاسب أخرى، فأهم ما تحقق هو فتح باب التعددية السياسية والإعلامية ظاهريًا، والسماح بإنشاء الصحف الخاصة ثم القنوات التلفزيونية، أما في الحقيقة فلا يزال النظام الجزائري يعيد إنتاج نفسه بـالممارسات التعسّفية واعتقال أصحاب الرأي، ولقد كان من الأفضل للنظام الجزائري أن يترك حزب جبهة الإنقاذ يحكم الجزائريين وأن يذيقهم ويلات الاستبداد المعلّب بالدين وأن يقوم بتطبيق الشريعة الوحشية عليهم ثم يقوم بأفغنة المجتمع فكريًا وواقعيًا، لكي يتخلّص من الإسلاميين إلى الأبد وليعرف الشعب الجزائري والعربي عمومًا الفرق الشاسع بين الممارسة السياسية والشعارات الدينية الطوباوية للأحزاب الإسلامية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد