ثالثا: البعد العالمي للاستراتيجية الجزائرية في مكافحة الإرهاب

تعتبر الجزائر من بين البلدان التي دعت إلى ضرورة التعاون الإقليمي لمحاربة الإرهاب بمختلف أشكاله، حيث نجحت في دفع الدول العربية إلى تبني الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب حيث تم إبرام هذه الاتفاقية في القاهرة بتاريخ 22 أبريل 1998، وقد جاء في ديباجتها أن الدول العربية الموقعة قد اتفقت على عقد هذه الاتفاقية منطلقة في هذا من رغبتها في تعزيز التعاون العربي لمكافحة الجرائم الإرهابية التي تهدد أمن واستقرار ومصالح الأمة العربية، التزامها بالمبادئ الأخلاقية والدينية السامية – لاسيما الشريعة الإسلامية – التي تنبذ كل أشكال العنف والإرهاب، وتدعو إلى حماية حقوق الإنسان، وهي الأحكام التي تتماشى معها مبادئ القانون الدولي وأسسه التي قامت على تعاون الشعوب من أجل إقامة السلام.

تعزيزًا لهذه الاتفاقية فقد تمت المصادقة على خطة عمل الجزائر في 2002، تمخض عنها إنشاء المركز الأفريقي للدراسة والبحث حول الإرهاب بتاريخ 13 أكتوبر 2002، إضافة إلى ذلك فقد سبق للجزائر أن شاركت في أشغال مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية الذي عقد في الدوحة شهر ديسمبر 2001، هذا المؤتمر أكد أن الإرهاب مخالف للشرائع السماوية والأعراف الدولية، كما أشار إلى ضرورة عدم الخلط بين الكفاح المسلح الذي يراد به خدمة القضايا العادلة ومجابهة الظلم والاحتلال مثلما يحدث في فلسطين.

وفي السياق أولت الجزائر الاهتمام بتجريم الإرهاب في اتفاقية الشراكة المبرمة بين الجزائر والاتحاد الأوربي وكان كبيرا جدا، ويتجلى ذلك من ديباجة الاتفاقية التي أكدت أن الشراكة المزمع إنشاؤها لن تكون ممكنة التحقق ما لم يتم محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة، ثم أبرزت الاتفاقية أهمية محاربة الإرهاب في مادتها 90، مؤكدة على ضرورة التعاون من خلال تبادل الخبرات فيما يتعلق طرق ووسائل محاربة الإرهاب.

كما حرصت الجزائر في مختلف المحافل الدولية والإقليمية على التنبيه بمخاطر هذا الابتزاز، معتبرة ذلك من أهم مصادر تمويل الإرهاب والجريمة المنظمة، لتطالب الجزائر أيضًا الدول بالعمل على تجفيف منابع التنظيمات الإرهابية والإجرامية.

كما أفضت كذلك جهود الجزائر إلى قرار الندوة 16 لقمة دول عدم الانحياز في أغسطس 2012 بإدانة الأعمال الإجرامية المتمثلة في احتجاز الرهائن مرفوقة بطلب الفدية أو تنازلات سياسية، وكذا المصادقة على مذكرة الجزائر حول أفضل الممارسات في مجال الوقاية من الاختطافات التي يقوم بها الإرهابيون مقابل دفع الفدية والحد من المزايا التي تترتب عنها على إثر المنتدى الشامل ضد الإرهاب الذي نظم بالجزائر في أبريل 2012.

وقد صادق مجلس الأمن الدولي بالإجماع في 27 يناير 2014 على اللائحة رقم 2133 التي تدين عمليات اختطاف واحتجاز الرهائن التي تقوم بها الجماعات الإرهابية مقابل فدية أو تنازلات سياسية، وقد أشار مجلس الأمن في الفقرة التاسعة من اللائحة 2133 إلى اعتماد المنتدى العالمي «مذكرة الجزائر بشأن الممارسات الجديدة المتعلقة بمنع عمليات الاختطاف التي يرتكبها الإرهابيون طلبًا للفدية وحرمانهم من مكاسبها»، كما شجع المديرية التنفيذية لمكافحة الإرهاب على وضعها في الاعتبار، حسبما يقتضيه الحال وبما يتفق مع ولايتها، بما في ذلك عملها الرامي إلى تسهيل بناء قدرات الدول الأعضاء.

لذلك فان قرار مجلس الأمن الذي يلزم الدول الأعضاء والشركاء من القطاع الخاص بتنفيذ توصيات لائحته المتعلقة «بحظر تقديم أموال أو أرصدة مالية أو موارد اقتصادية أو غيرها من الخدمات المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالفدية أو التنازلات السياسية»، جاء ليكرس فعلا نظرة الدولة الجزائرية التي عبرت عن ارتياحها للمصادقة على اللائحة 2133 واعتبرتها إشارة إيجابية لتفعيل مقاربة دولية شاملة وحل إشكالية تمويل ظاهرة الإرهاب.

وختامًا تبقى جهود الجزائر في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف باعتباره نموذجًا يحتذى به في هذا المجال بالنظر إلى كل الأعمال التي باشرتها في هذا المجال واستعدادها لتقاسم خبرتها مع دول القارة لمكافحة هذه الظاهرة العابرة للأوطان وجميع فروعها.

 رابعًاالبعد الإقليمي للاستراتيجية الجزائرية في مكافحة الإرهاب

  إن الجزائر  تعد من بين  البلدان التي دعت إلى ضرورة التعاون الإقليمي لمحاربة  التطرف والإرهاب بمختلف أشكاله، حيث نجحت في دفع الدول العربية إلى تبني الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب حيث تم إبرام هذه الاتفاقية في القاهرة بتاريخ 22  أبريل 1998، وقد جاء في ديباجتها أن الدول العربية الموقعة قد اتفقت على عقد هذه الاتفاقية منطلقة في هذا من رغبتها في تعزيز التعاون العربي لمكافحة الجرائم الإرهابية التي تهدد أمن واستقرار ومصالح الأمة العربية، التزامها بالمبادئ الأخلاقية والدينية السامية – لا سيما الشريعة الإسلامية – التي تنبذ كل أشكال العنف والإرهاب، وتدعو إلى حماية حقوق الإنسان، وهي الأحكام التي تتماشى معها مبادئ القانون الدولي وأسسه التي قامت على تعاون الشعوب من أجل إقامة السلام.

كما أسفرت الجهود الكبيرة التي بذلتها الجزائر على المستوى الإقليمي عن توقيع الاتفاقية الافريقية للوقاية من الإرهاب ومكافحته الصادرة عن منظمة الوحدة الأفريقية في 14 يوليو 1999 بالعاصمةالجزائرية  فقد نشرت الجزائر تأمينًا لحدودها الجنوبية أكثر من 50 ألف عسكري وفوج من المغاوير المظلّيين وهي وحدة عسكرية تتشكل من 3 كتائب وضعت على أهبة الاستعداد لمواجهة الطوارئ في الحدود الجنوبية يفوق تعدادها الـ2000 عسكري وضابط.

ويستمد الجيش الجزائري عقيدته الدستورية من صلب عقيدة الثورة التحريرية المباركة التي تضع المصلحة الوطنية الجزائرية فوق كل اعتبار، علمًا بأن الجيش الوطني الشعبي هو جيش احترافي الأداء وجمهوري الطابع، راسخ في تقاليده وعميق في جذوره، يقدس مهامه الدستورية،  فمهمة تأمينها وحمايتها تجعل أفراد الجيش الشعبي الوطني في يقظة مستمرة من أجل أداء مهامهم على أحسن وجه، خاصة في  تأمين الحدود الجنوبية الملتهبة، من الصعب مراقبتها وتأمينها بشكل كلي، لكن الجيش اكتسب خبرة في مجال مكافحة الإرهاب، ومواجهة الجماعات التكفيرية، وتدرب في عدة مناورات على طريقة تنفيذهم للهجمات الانتحارية، واستهدافهم المواقع الكبرى ما يجعل قوات الجيش، في وضع أفضل وخاصة أن عمليات المسح الجوي متواصلة من دون انقطاع، على مدار الساعـــة لتأمين الحــدود ومنع أي تسلـلات للجمــاعات الإرهابيـــة. وفي  هذا الاطار لم تسجل في الجزائر طوال سنة 2017 أي عملية إرهابية كبيرة، إضافة إلى القدرات العسكرية التي تتحلى بها الجزائر، وحجم التعاون الأمني والتنسيق بين الجزائر والدول الكبرى، في مجال تبادل المعلومات في شؤون مكافحة الإرهاب.

ورغم أن الجزائر تقع في مناخ مضطرب، من الناحية الأمنية، فإنها استطاعت أن تحافظ على أمنها واستقرارها، وتؤكد في كل مناسبة قدرتها على مواجهة التحديات الأمنية، بفضل الدور الطليعي للمؤسسة العسكرية.

من هنا أصبحت  مكافحة التطرف والإرهاب تتطلب آليات دولية وإقليمية ووطنية بعد النقلة النوعية التي شهدتها التنظيمات الإرهابية التي أصبحت غير محدودة العدد والتنظيم، وقد استفاد الإرهاب من وطن عربي مُشتت وضعيف ويفتقد إلى خيط نابض وإلى مشروع آفاق يعطي الأمل للشباب الذي سيقرر مستقبل الوطن العربي.

خاتمة (استنتاجات ومقترحات)

يشهد العالم اليوم نموًا متسارعًا لظاهرة الإرهاب، التي باتت تؤرق كاهل المجتمع الدولي، نظرا لاتخاذه أبعادًا أكثر خطورة من ذي قبل، بفعل عوامل ساعدت على اتساعه وانتشاره، وهو ما استدعى بذل جهود وطنية، إقليمية ودولية للحد والقضاء على هذه الظاهرة حتى أصبح التعاون والتنسيق الدولي بين مختلف مؤسسات المجتمع الدولي ضرورة ملحة يفرضها الواقع، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، من خلال دعم جهود التنمية والعمل على كبح جماح الأسباب المباشرة التي تكون وراء خلق الإرهاب.

لقد أثبت اتباع النهج العسكري لقمع العمليات الإرهابية عدم نجاعته، ولعل خير مثال على ذلك الجزائر التي تعد الآن دولة رائدة في مجال مكافحة الإرهاب بشهادة دولية بعد النجاح الذي حققته في هذا المجال، حيث عمدت الجزائر طيلة عقد من الزمن إلى التعامل مع الظاهرة بطريقة عسكرية استئصالية مما زاد من تأزم الوضع الذي جعل البلاد قاب قوسين أو أدنى من تدخل دولي لتسوية الوضع، لكن التغيير الذي حصل في استراتيجية الجزائر مع مجيء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وانتهاجه طرقًا سلمية في معالجة الأزمة كانت له نتائج إيجابية أكدت أحقية وأولوية الحلول السلمية على العسكرية.

كما بدأت الجزائر بالتحرك في فضائها الإقليمي (الساحل) باعتباره يمثل العمق الاستراتيجي لها والبطن الرخو لأمنها الوطني، حيث عملت على دعم مساعي التنمية في دول المنطقة، من خلال توفير شروط التنمية المستدامة والعدالة واحترام كرامة الإنسان والتأكيد على مشاركة أكثر إنصافا للعالم النامي حتى يعم الاستقرار والأمن للمجتمع الدولي، كما أن محاولة الجزائر بلورة استراتيجية شاملة في أفريقيا تهدف وقبل كل شيء إلى منع التدخلات الأجنبية في المنطقة بحجة مكافحة الإرهاب، فالجزائر حاولت في ظل مجهوداتها سواء الدبلوماسية أو العسكرية على المستوى الأفريقي في محاربة ظاهرة الإرهاب التأكيد على مبدأ «أفرقة الحلول» لأنها تدرك خطورة التدخل الأجنبي في المنطقة على أمنها القومي.

تعتبر الجزائر من أولى الدول التي عاشت تجربة مريرة مع الإرهاب استنزفت من قواها البشرية والمادية إلى حد بعيد، سببه تراكم الأوضاع الاقتصادية، الاجتماعية ، السياسية والثقافية وانعكاس البيئة الدولية في فترة الثمانينيات على الجزائر، كذلك ضعف وبطء إدراك النخبة الحاكمة لطبيعة التحولات الدولية كلها عوامل جرت البلاد إلى سلسلة من الأعمال الدرامية، فتعدد أسباب الأزمة الجزائرية، وتعدد تداعياتها أدى إلى تعدد استراتيجيات معالجتها، وإن كانت نجاعة هذه الاستراتيجيات نسبية فإن الإمكانيات والموارد المادية والبشرية التي تزخر بها الجزائر تمكنها من الخوض في أي استراتيجية على المدى المتوسط والبعيد بنجاعة وذلك من خلال العمل المشترك بين كل أبناء الدولة الجزائرية لتطوير مبادئ وأسس الدولة، بدءا من:

– بناء نظام ديمقراطي متفتح، يشارك فيه كل فئات الشعب بمختلف توجهاته ويفسح المجال لحرية الرأي والتعبير.

– تحقيق التنمية الاقتصادية خارج قطاع النفط وذلك بالعمل على تطوير قطاعات اقتصادية أخرى تتمثل في الزراعة والصناعة والسياحة، وتبني استراتيجية وطنية شاملة، تضع ضمن أولوياتها تحريك عجلة التنمية من خلال الاستغلال الأمثل للثروات التي تزخر بها البلاد.

– الاهتمام بتنمية قدرات الفرد، وجعله أداة للتنمية وغايتها، وتحسين مستويات معيشته في جميع المجالات.

– تحقيق العدالة الاجتماعية وتجسيدها من خلال المساواة وتكافؤ الفرص في جميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وعمومًا فقد كان بناء الأمن الجزائري ولا زال مركبة يتقاسم الجميع المسؤولية فيها والحل يكمن قبل كل شيء في التنمية: تنمية الفرد، تنمية المجتمع، تنمية الفكر، احترام حقوق الإنسان، ترسيخ الديمقراطية على أسس صحيحة.

كما يتعين على الجزائر في ضل التكالب اللامتناهي للقوى الخارجية على ثروات المنطقة وتضارب المصالح بلورة وصياغة استراتيجية بحسب إمكانيتها ومواردها، حيث أن سعي الجزائر لحماية حدودها وتأمينها من تحركات الجماعات الإرهابية وتجارة السلاح والجريمة المنظمة أرهق ميزانية الدولة خاصة في السنوات الأخيرة، كما يتوجب عليها المحافظة على مقاربة مستقلة لعقيدة أمنها القومي، مقاربة تجعلها مستقلة عن المظلات الأجنبية التي تعمل على تطويق الدور الجزائري، وجعله يدور فقط في مدار مصالحها الضيقة، وأخيرا يجب أن تكون استراتيجية شاملة متكاملة على المستوى المحلي، الإقليمي والدولي والأكثر من ذلك يجب أن تكون استراتيجية جزائرية وبعيون جزائرية، لدرء كل التهديدات والمخاطر الآنية والمحتملة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد