يقول الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي: يتبيَّن لنا بوضوح تام أنَّه من اللازم أن يتوصل الجزائريون إلى اتفاق للعيش مع بعضهم في أمان وعلى أفضل نحو ممكن إن هم أرادوا التمتع جميعًا بالحقوق التي تعود إليهم بشكل طبيعي بوصفهم جزائريين، وينبغي ألا تكون حيواتهم مشروطة بقوة ورغبات الأفراد منهم، بل ينبغي أن تكون مشروطة بقوة وإرادة الجماعة؛ ولا يمكنهم بلوغ هذا الهدف إذا كانت الرغبة الشهوانية هي موجههم الوحيد – لأنَّ قوانين الرغبة تدفع كل جزائري للسير في اتجاه مختلف – ويجب عليهم، بالتالي أن يتخذوا قرارا صارما بإصدار تشريع يقضي بأن يخضعوا لتوجيهات العقل في كل شيء، والذي لا يجرؤ أحد على مخالفته صراحة حتى لا يُنظر إليه على أنَّه مجنون، ومعاملة الجميع بمثل ما يحبون أن يُعاملوا به، وصيانة حقوق الجار كما لو كانت حقوقهم الخاصة.

والمراد بالقول أنَّ الجزائري بحكم وقوعه تحت قانون الكاناتوس، وميله الفطري لتحقيق ما يرى فيه مصلحته، لا يمكنه أن يعيش في مأمَن من المخاطر التي تهدد وجوده بدون عقد اجتماعي يتنازل فيه كل جزائري عن حقه الطبيعي في كل شيء، وهي فكرة نجدها أيضًا لدى الفيلسوف الانجليزي.

وللبرهنة على هذه الرؤيا ساق الفيلسوف الجزائري تفسيرًا سيكولوجيًا لسلوك الجزائري يبيِّن من خلاله الآليات أو القوانين الطبيعية التي تحكَّمت في اختيار السلطة السياسية كحل لمسألة الحفاظ على البقاء، وانطلق في تفسيره من المصادرات التالية التي تمثِّل القوانين المتضمنة على نحو أبدي في الطبيعة الجزائرية:

لا أحد يمكنه أن يفوت على نفسه فرصة يتوقع أن يجني منها نفعًا عظيمًا إلا أن يتأرجح عنده أحد أمريْن: إما الحصول على نفع أعظم إذا لزم أن يختار بين البديليْن، وإمَّا الخوف من أن يلحقه منه أذى عظيم وخاصة إذا كان الأذى أعظم من النفع.

لا أحد يمكنه أن يتحمَّل أيَّ نوع من الأذى إلاَّ أن يترجَّح عنده أحد أمريْن: إمَّا تحمّل هذا يجنبه الوقوع في مشكلة يكون أذاها أعظم، وإمَّا أن يتوقع الحصول بعد ما تعرَّض له من الأذى على خير عظيم.

وعن هاتيْن المصادرتيْن تنشأ مصادرة ثالثة مفادها أنه إذا كان على الجزائري أن يختار بين أمريْن نافعيْن، فإنَّه سيختار أكثرهما نفعًا، وإذا كان عليه أن يختار بين شيئيْن كلاهما مضر بمصلحته، فإنَّه سيختار أهون الضرريْن.

وإذا نظرنا إلى هذه المصادرات في ضوء مبدأ كاتانوس أو الشهوة، تبيِّن لنا أنّ الجزائري، بحكم كونه عقلانيًا، يميل إلى تقدير قيمة الأشياء، بما تنطوي عليه من خير أو شر، في ضوء تقديره للإمكانيات التي توفرها له للحفاظ على وجوده، ومن هذه الأكسيومات كمقدمات استنبط الفيلسوف الجزائري القضية التالية:

إنَّ الجزائري، بسبب حصول الوعي له بمصلحته العليا، اختار التخلي عن الحالة الطبيعية والتنازل عن حقه الطبيعي على كل شيء وقبول سلطة الدولة حين رأى فيها خيرًا أعظم أو شرًا أقل مما وجده في الحالة الطبيعية، وخاصة فيما يتعلَّق بقضايا الحفاظ على البقاء والأمن والرقي والرفاهية، والحقيقة أنه لولا خوف الجزائري من شر أعظم أو طمعه في خير أكبر لما قبِل التنازل عن حقوقه الطبيعية والتزام العقد المبرم مع بني جنسه، ومن هنا يتبيَّن أنَّ قيمة العقد الاجتماعي تتحدد بمقدار ما يجلب من المنفعة ودرأ الضرر.

يقول الفيلسوف الجزائري: إنّ المنفعة وحدها هي التي تجعل العقد صالحا، وإذا انتفت يصبح فارغًا لاغيًا، ومن ثمة، يكون من الغباء أن يُطالب الجزائري بالوفاء بالعهد الذي قطعه معنا إلى الأبد، ما لم نبيِّن له أنَّ خرق العهد الذي قطعناه على أنفسنا سيجلب للناكث من الضرر أكثر مما يجلب له من الخير، وسيكون لهذا الاعتبار الوزن الأكبر في تأسيس الدولة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد