ذات يوم من أيام الثورة الجزائرية المجيدة أصدرت قيادة جبهة التحرير الوطني نداءً إلى الطلبة الجزائريين دعتهم فيه للدخول في إضراب مفتوح، كان الهدف منه توجيه رسالة إلى المستعمر الفرنسي أن كل مكونات طبقة المجتمع متحدة واعيّة، مطالبة بالحريّة والاستقلال مهما كان الثمن، فكان رد الطلبة صفعة كبيرة للمستعمر بعد أن طلقوا مقاعد الدراسة والتحقوا بالمجاهدين في الجبال، ما جعل الثورة التحريرية تأخذ بعدًا آخر، ونقطة قوة جعلت من الثورة تنتفض أكثر وتتزين بالكفاءات، هكذا هي إذن مقدمة النضال والحركة الطلابية في الجزائر.

المئات من الشهداء والرموز الطلابية سقطوا في سبيل هذا الوطن، شهداء سقطوا خلال الثورة، وآخرون سقطوا خلال العشرية، وينتظرون إلى اليوم إنصاف الأساتذة والباحثين والمؤرخين وطلاب الجامعات، ومن بين هؤلاء المئات، الشهيد عبد الحفيظ سعيد طيّب الله ثراه.

ولد الشهيد عبد الحفيظ سعيد في أكتوبر 1971 بولاية غارداية، نشأته كانت وسط عائلة محافظة؛ إذ كان جدّه من رواد الحركة الإصلاحية في البلاد ووالده مناضلاً في الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين، دخل الجامعة صيف 1990 بعد تحصله على شهادة البكالوريا، ليلتحق بالمعهد الوطني للإحصاء، لينخرط بعدها في العمل الطلابي مؤسسًا مع رفاقه الاتحاد الطلابي الحر، ليكون بعدها رقمًا صعبًا في النضال الطلابي في الجزائر.

ولأن أبطال الأمس من الطلبة الجزائريين كان همّهم الوطن وتحريره من المستعمر، كان خلف هؤلاء الغاية نفسها وإن رحل المستعمر، فقاد الشهيد عبد الحفيظ لجنة للمصالحة الوطنية في عزّ السكين الأحمر في البلاد، لم يمنعه ذلك رغم التهديد والوعيد من الجماعات المسلحة، أن يعتقد لحظة أن المصالحة في الجزائر لن تتم، مسعاه للمصالحة ووزنه النضالي كونه رئيسًا للمجلس الوطني للاتحاد العام الطلابي الحر، كلّفه الكثير.

تعيش الجامعة الجزائرية اليوم وضعًا لا تحسد عليه جامعة في هذا الوجود، لا المستوى التعليمي والبحثي، ولا الأخلاقي التربوي يبشّر بالنور للبلاد، فكل جامعات البلاد ومعاهده ومدارسه التي فاقت المئة مؤسسة هي خارج التصنيف العالمي، فترتيب أحسن جامعة جزائرية لعام 2016 كانت الرتبة 2613، وأكثر من 97%من المؤسسات الجامعية في الجزائر تعدت الترتيب الـ 4000، رغم الإمكانيات البشرية والمادية المسطرة تحت خدمة القطاع، إمكانيات جعلت طلبة التخصصات عديدة على شفى جحيم السنة البيضاء، طلبة الصيدلة، طب الأسنان، الهندسة المعمارية وغيرهم الكثير على باب تذوق هذا الجحيم، إضرابات على فوهة الدخول إلى كتاب غينس للأرقام القياسية طولاً وعرضًا، هذه هي إذن الجامعة الجزائرية اليوم، التي استشهد في سبيلها شهداء الأمس والأمس القريب.

ذات صباح من رمضان وأي صباح، صباح الثالث عشر من فبراير من سنة الدماء، عام 1995، كان الشهيد عبد الحفيظ سعيد متجهًا من مقر سكنه إلى العاصمة الجزائر، حيث كانت في انتظاره ورقة الإجابة الأخيرة للامتحان الأخير في مسار حافل بالإنجازات العلمية والنضالية داخل الجامعة، كان لموعد عبد الحفيظ بعدها رحلة روحية لأداء مناسك العمرة رفقة والده، وكان في انتظار الشهيد الصائم لدى وصوله إلى محطة الحافلات عشرة رصاصات، اخترقت ثلاثة منها جسد عبد الحفيظ، لينتقل المناضل الوفيّ لوطنه إلى الرفيق الأعلى، تاركـًا معه رسالة لطلبة اليوم مفادها:

   نحن نعمل لغايتين، لنعمل ولنؤدي الواجب، فإن فاتتنا الأولى فلن تفلت الثانية منّا .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد