استكمالًا لمقالنا السابق الذي عرضنا فيه لثلاثة أسباب صنعت الإجماع لدى الجمهور الرياضي الجزائري من أجل المطالبة بإنهاء مهام المدرب الحالي للفريق الوطني الجزائري رابح ماجر؟

والتي لخصناها في:

أولًا: التحامل على المنتخب وانعدام الموضوعية في التحليل.

ثانيًا: استغلال الخلفية الشخصية وخلافاته مع جناح روراوة.

ثالثًا: غياب المؤهلات الضرورية والخبرة اللازمة.

نواصل شرح النصف الثاني من الأسباب:

رابعًا: طريقة التعيين الغامضة ونشاطه السياسي؟

لاشك أن الكثير من المتابعين يعلمون الطريقة التي تم تعيين بها المدرب الحالي للنخبة الوطنية الجزائرية، حيث وعلى عكس كل الاتحادات الوطنية عبر العالم فإن رابح ماجر، وباعتراف منه في إحدى تصريحاته الصحافية أقر بأنه تم تعيينه من جهات عليا لم يكشف عنها بالاسم، يعتقد (بضم الياء) أنها تابعة لرئاسة الجمهورية الجزائرية.

وإذا أضفنا تصريحات عارفين بخبايا الكرة الجزائرية، منهم مسؤولون نافذون في «الفاف» (مختصر الاتحاد الجزائري لكرة القدم باللغة الأجنبية)، فإن حقيقة واضحة تتكشف أمامنا، وهي أن تعيين المدرب رابح ماجر جاء بقرار فوقي، ولم يمر عبر القناة الرسمية المعروفة، والتي يفترض أنه يدخل ضمن اختصاصها، وهي التي تتحمل المسؤولية في حال إخفاق خيارها، وهو ما لم يحدث للأسف، في مشهد غريب لا يحدث إلا في دول العالم الثالث!

وربما يكون لنشاطه السياسي، لاسيما دوره البارز في الدعاية للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية 2014، حيث ساهم في تنشيط الحملة الانتخابية رفقة الوزير الأول الأسبق عبد المالك سلال، وحالة التذمر الشعبي الكبيرة من أداء السلطات الجزائرية في ظل الفساد المستشري، التضييق على الحريات، ارتفاع نسبة البطالة وتقهقر القدرة الشرائية للجزائريين، كان لهذا التخندق دور في ازدياد شراسة الحملة الجماهيرية عليه!

وكان ماجر من بين الرياضيين الأوائل الذين أعلنوا مساندتهم المطلقة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي لا يزال على رأس الحكم في الجزائر رغم حالته الصحية الصعبة، وذلك منذ سنة 1999، ماجر الذي سبق له – للتذكير – وأن تولى أيضًا منصب مدير الحملة الانتخابية لبوتفليقة في العاصمة القطرية الدوحة في انتخابات الرئاسة لعام 2009.

خامسًا: ضعف النتائج وتواضع الأداء

خاض الخضر تحت قيادة الناخب رابح ماجر منذ تنصيبه رسميًا شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2017 ست مباريات، واحدة رسمية أمام نيجيريا انتهت بالتعادل الإيجابي (1-1)، المباراة التي جرت على ملعب الشهيد حملاوي بقسنطينة لحساب المجموعة الثانية من تصفيات قارة أفريقيا المؤهلة لكأس العالم 2018 لم تكن ذات أهمية تذكر، باعتبار أن المنافس ضمن تأهله إلى نهائيات كأس العالم، فيما كان محاربو الصحراء قد فقدوا جميع حظوظهم في التأهل، وخمس مباريات ودية، فازوا في واحدة فقط أمام تنزانيا بنتيجة أربعة أهداف لهدف (4-1)، فيما تجرع الفريق طعم الهزيمة في الأربع المتبقية: أمام إيران بهدف لهدفين (1-2)، والسعودية بصفر مقابل هدفين (0-2)، والتي تميزت بمشاركة اللاعبين المحليين فقط، وجزر الرأس الأخضر بهدفين لثلاثة (2-3)، رغم أنها أقيمت بملعب خمسة يوليو (تموز) بالجزائر العاصمة، وشهدت غياب معظم اللاعبين الأساسيين للفريق الضيف، والبرتغال بصفر مقابل ثلاثة (0-3) في مباراة سارت في اتجاه واحد، ميزها أداء هزيل جدًا، دفاعيًا وهجوميًا، وكانت ستكون نتيجتها عريضة، لولا الفرص الكثيرة التي تفنن في إضاعتها لاعبو بطل أوروبا لحسن الحظ؟

لتكون الحصيلة الإجمالية للفريق لحد الآن كالآتي:

– الهجوم: سجل ثمانية أهداف.

– الدفاع: تلقى 12 هدفًا.

– الفارق: ناقص أربعة أهداف.

وهي حصيلة يظهر أنها سلبية على طول الخط، حتى لو تعلق الأمر بمباريات ودية، فإن الأداء الجماعي للفريق، والأخطاء الفادحة للاعبين فرديًا وجماعيًا، وغياب الروح القتالية، وافتقاد الفريق لطريقة لعب واضحة وفعالة، كلها مؤشرات توحي بمستقبل غير سار للمنتخب تحت إمرة خريج مدرسة نصر حسين داي؟

سادسًا: العلاقة المتوترة مع لاعبي المنتخب.. الصحافة والجمهور

اجتهد رابح ماجر أثناء تصريحاته السابقة في نفي الإخلاص عن اللاعبين الجزائريين المغتربين، ورافع طويلًا لصالح اللاعب المحلي، رغم إقرار الكثير من المختصين بضعف مستوى البطولة المحلية، وبالمحصلة تواضع مستوى اللاعب المحلي، وسواءً اتفقنا أو اختلفنا حول هذه النظرة، فإن التشكيك في وطنية اللاعب المغترب والطعن في نوايا هذا اللاعب هو سقطة كبيرة، لا يمكن إلا إدانتها، وجرح غائر أثر بشكل بالغ في نفسية اللاعبين، وخلف استياءً كبيرًا لديهم؛ مما ألقى بظلاله على نظرتهم إلى ماجر، وجعل علاقتهم به تتسم بالفتور والبرودة، وإن كانوا لا يتحدثون عن ذلك بطريقة مباشرة، إلا أن رفض محرز لاستبداله في مباراة إيران، والتراشق الذي حدث بينه وبين تايدر عبر وسائل الإعلام، وامتناع كل من مبولحي وفيغولي عن تلبية دعوة المنتخب لأول مرة، رغم مسارهما الحافل مع الفريق.

ضعف التواصل وطغيان المزاجية في التعامل لم يقتصر على اللاعبين، بل تعداه إلى الصحافة المحلية، ويكفي لنسوق عن ذلك بعض الأمثلة، وإلا فهي كثيرة، منها: رفضه الإدلاء بتصريحات لوسائل الإعلام الجزائرية، اتهام وإهانة والصراخ في وجه أحد الصحافيين الجزائريين المعروفين وتلقيبه بعدو المنتخب الجزائري، في إحدى الندوات الصحافية، والتي صارت تعرف بحادثة تيزي فو (ومعناها: توقف عن الكلام، باللغة الفرنسية)، وآخر هذه الخرجات ما شهدته الندوة الصحافية التي عقدها ماجر بمدينة لشبونة، قبيل المباراة الودية بين المنتخب الجزائري ونظيره البرتغالي، والتي عرفت خروجه عن طوره بشكل كامل، حيث أنه لم يُفوت الفُرصة لاستحضار نظرية المؤامرة، مطالبًا الإعلاميين البرتغاليين بنقل (مُعاناته) للعالم، في سيناريو مُسيء لشخصه وللكرة والاتحاد الجزائريين، قائلًا: «أصدقائي البرتغاليون لا يعرفون الحقيقة، ويجب أن يبلغوها للعالم أجمع، لأنني أتعرض لمؤامرة، في وقت أننا قمنا بعمل جيد جدًا».

وجاءت خرجة أسطورة بورتو، لتؤكد بأن درجة الضغط عنده وصلت لحد لايُمكن إحتماله، وبأنه في وضع لا يحسد عليه، اضطر معه لتدويل قضيته إن صح التعبير، في مشهد يدعو إلى الضحك والبكاء الممزوج بالاستغراب والحيرة في آن؟

أما عن علاقته مع الجمهور، فحدث ولا حرج، فقد انتشرت الفيديوهات والتعليقات المرئية والمكتوبة التي تدعوه الى الانسحاب أو تطالب الجهات المسؤولة بإقالته، سواء أثناء المباريات، أو عن طريق تسجيلات لمناصرين جزائريين تم بثها وتداولها عبر الوسائط الاعلامية في الإنترنت، وصلت بعض هذه المطالبات إلى حد الإساءة والاعتداء اللفظي!

في النهاية، فلقد حاولت بأكبر جرعة حياد ممكنة، عبر هذا المقال حصر أهم الأسباب التي دعمت خيار المطالبة الجماهيرية بتنحية اللاعب الدولي الكبير رابح ماجر للمرة الثالثة من على رأس الأفناك، الشيء الذي إن حدث – وهو غير مستبعد تمامًا – رغم تطمينات رئيس الاتحاد الجزائري المتكررة، سيكون حدثًا استثنائيًا يحدث لأول مرة في تاريخ كرة القدم الجزائرية!

فهل سيتحول رابح ماجر إلى واحد من أسوأ المدربين الذين مروا بالكرة الجزائرية، بعدما كان أحد أفضل لاعبيها وصانعي ملاحمها البطولية؟

معلومة تاريخية: هل تعلم أن أسوأ نتيجة حققها المنتخب الوطني الجزائري كانت أمام المجر بنتيجة سبعة أهداف مقابل لا شيء شهر أغسطس (آب) سنة 1967 بالعاصمة بودابست.

ألا يوحي لك ذلك بشيء؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تحميل المزيد