تحرر إعلامي او تغيير تكتيكي؟

تسارعت الأحداث في الآونة الأخيرة في الجزائر وهذا ما تفرزه أي ثورة في العالم، فبعد سقوط الزعيم يتوالى سقوط رجالات الدولة الفاسدين من سياسيين واقتصاديين وحتى إعلاميين وبوتيرة سريعة جدًا، فتكشف الفضائح للعلن وتفتح الملفات القديمة فتكاد تضيق شاشات التليفزيون بالأخبار العاجلة والمتغيرة في كل لحظة إلى حد لا يمكن استيعابه وهذا بغض النظر عن المنشورات التي لا تتوقف في مواقع التواصل الاجتماعية إذ أصبحنا لا نميز ما بين الحقيقة والكذب.

إن المتتبع للفضائيات الجزائرية في هذه المرحلة يجد أنه أمام قنوات مستنسخة تنقل نفس المادة الإعلامية بما فيها من أخبار وتقارير وحتى نفس ضيوف الحصص يتناوبون على البلاتوهات، وأحيانًا بالخط العريض متداول نفس شريط العواجل وحتى التلفزيون العمومي التحق أيضًا بالركب بمجاراته للأوضاع لحظة بلحظة ولكن برؤية جديدة لم يعهدها من قبل، لكونه أصبح أكثر مصداقية عما كان من قبل، لقد أصبح مرجعية إعلامية في تقصي الأخبار والحقائق المتداولة عبر فيسبوك، وهذا تبعة حسنة للحراك فتحرر التلفزيون الحكومي نوعًا ما أضفى بعض الشفافية والاحترافية في العمل الإعلامي عكس القنوات الخاصة، التي أصبحت تتناول الأوضاع من منظور خطها السياسي ووفق ما تقتضيه مصالحها على حساب المشاهد، فالتلون الحربائي في التغطية للأوضاع كان جليًا وتدريجيًا من الجمعة الأولى حتى استقالة الرئيس.

بعيد عن مطالب الحراك في مسيراته كل جمعة بالتحرر من حكم العصابة وتغيير النظام، أيضًا تحرر الإعلام حتمية لا بد منها وهو مطلب أساسي قد غفل عنه الكثير، فالتستر على الفساد السياسي والمالي وعدم كشف الحقيقة للناس يعد جريمة في حق الوطن والشعب وجب مجابهته ومحاربته، فالتحرير الإعلامي يكمن في استقلالية تامة للسلطة الرابعة في ممارسة رقابتها وإيصال المعلومة للجميع دون استثناء ودون قيود وضغوط كما عهدناه في الماضي القريب من مضايقات واعتقالات في صفوف الإعلاميين، فرغم بروز عدة مواقع إلكترونية إخبارية جريئة في تناول واستقصاء الأخبار في الساحة الإعلامية الجزائرية في السنوات القليلة الماضية غير أنها لم تكن في منأى عن شتى الضغوط، كما هو الحال في بعض الجرائد المطبوعة والتي لم تسلم منها وذلك باختلاق العراقيل لها سواء كانت مطبعية أو إشهارية أو غير ذلك، بالرغم من أن الدستور يكفل حرية الرأي والتعبير للجميع.

فالوقفات السلمية للصحفيين ورجال الإعلام داخل مبنى التلفزيون مطالبين بفك القيود عن أقلامهم وعدساتهم يعكس القبضة الحديدية التى كانت تسير المؤسسة الإذاعية والتلفزيونية من طرف السلطة الحاكمة منذ تأميمها بتاريخ 28 أكتوبر (تشرين الأول) 1962، وذلك بفرض رقابة جد شديدة على كل ما يذاع ويبث، صحيح كنا نشاهد برامج منوعة تحترم الذوق وتحافظ على البعد الاجتماعي والأخلاقي للأسرة، ولكن نقصد هنا الرقابة في تغطية الأحداث المرتبطة بالمواطن البسيط كمعاناته من مشاكل التنمية وعدم تغطية احتجاجاته ووقفاته ونقل انشغالاته للمسؤولين، وقد لمسنا في الآونة الأخيرة تغيير في طريقة تناول المواضيع في النشرات الإخبارية، وهذا يحتم علينا طرح السؤال هل هو تحرير تام أم أنه تغيير تكتيكي ريثما تنصب رئاسة وحكومة جديدة؟ نتفق مع الكل بأن التلفزيون هو النطاق الرسمي للسلطة، ولكن التحدي الكبير هو كسب ثقة جمهوره الغائب عنه منذ عهد الشاشة الأحادية.

كل الفرص في هذه المرحلة مواتية للتغيير في جميع القطاعات والمجالات بما فيها التلفزيون الوطني ولا نقول كما يشاع عند البعض الحكومي، فبعد التحرير وجب العمل على الإنتاج والإبداع لمنافسة بقية الوسائل والمجمعات الإعلامية من خلال إثراء وتعزيز مواد دسمة تخدم المواطن وفق تطلعاته والحفاظ على القيم التربوية والأخلاقية والثقافية وحتى الدينية، ومرافقته اجتماعيًا بالالتفاف حول انشغالاته اليومية بتغطيتها إعلاميًا وإيجاد الحلول لها مع المسؤولين وبمساهمة مختلف الشركاء والخبراء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد