لا تزال الجامعة الجزائرية ومخلفاتها (الأجيال التي تنتجها) تثير الجدل في البلاد، فتصريحات وزير التعليم العالي الأخيرة التي اعتبر الرأي العام أنها تحمّل الأساتذة الجامعيين الذنب فيما آلت إليه الجامعة، تضعنا أمام إلزامية تحليل الأسباب التي عصفت بمستوى التعليم العالي في الجزائر، والتي لا تبدو أنها تخص طرفًا على حساب الآخر، فهناك نظام غريب شكلّه المجتمع الجزائري في طرق الانتساب إلى الجامعة واختيار التخصص، والتي لم تعد تراعي لا اهتمامات الطالب، وبالتالي تجاهل المجال الذي يمكن أن يبدع فيه، ولا ميزات التخصصات المتاحة له.

  هذا الاختلال يفضي بنا إلى جامعة جزائرية أقل ما يقال عنها فوضوية، لا تهتم بالكيف بقدر اهتمامها بالكم ومحاولة إنهاء المناهج في الوقت المناسب، وعادة ما يكون هذا الوقت المستغرق قياسيًا مقارنة بأنظمة أكاديمية أخرى. تفتح الجامعات عشرات الآلاف من الأبواب أمام منتسبين ليس لدى أغلبهم القدر الأدنى من الأهلية، فيتوجه الناجحون بالدرجة الأقل إلى العلوم الأكثر تأثيرًا، البيولوجيا والتكنولوجيا التي يفترض أن تكون رائدة البحث العلمي، بينما كل ما يعرفه هؤلاء عن العلمين هو مفاهيم بسيطة عن المناعة الإنسانية وطريقة عمل المكثفة في أفضل الحالات، يتجه طلبة الصف الأخير أيضًا إلى دراسة العلوم الإنسانية والتاريخ، حسب مناهج أقل ما يقال عنها أنها تنتج أجيالًا بليدة متأخرة، بينما تكون دراسة التاريخ عادة ما يفضل المفكرون التوجه إليه، لكن الجامعة الجزائرية، على غرار الطلبة الجزائريين، يرون أن كلمتيّ الفكر والتاريخ لا يمكن لهما الاجتماع في جملة واحدة.

  أما تخصصات الحقوق والسياسة فهي كارثة أخرى، لا يذهب إليها سوى من كانت السياسة والحقوق معاكسين تمامًا لاهتماماته، والواقع أن كلا التخصصين لا مستقبل لهما في الجزائر، وهذا طبعًا يخبرنا الكثير عن المتحكمين في الظروف السياسية والعدل في المجتمع الجزائري.

  التخصصات التالية هي الهندسات والمدارس العليا للأساتذة، نخص بالذكر هذه الأخيرة، التي يتجند نحوها الآلاف من الطلبة لدرجة فاقت قدرة الاستيعاب في بعض المناطق، وقضت معها على حلم التوظيف المباشر بعد التخرج، السبب الذي يجعل الطلبة الجزائريين يختارون المدرسة العليا للأساتذة هو بالطبع توفير الحياة الكريمة -ضمن حدود معنى الكلمة في الجزائر- راتب شهري ثابت تابع لوظيفة ثابتة و«بلا تكسار راس» أصبح حلم شاب جزائري على أعتاب الجامعة، لكن كون التعليم، المهنة الأهم على الإطلاق، ليست مجالًا يفضله هذا الشاب هو أمر ثانوي في نظر القائمين على الدراسات العليا في الجزائر، ويفترض بعد كلّ هذا أن ننتظر مستقبلًا مشرقًا وأجيالًا أفضل من التي سبقتها، بينما لا نريد أن نغيّر في شيء، نعم، نحن نعيد نفس التجارب بنفس الشروط وننتظر نتائج مختلفة، ننتظر أن نستيقظ بعد 20 سنة ويكون وضع الجامعة الجزائرية مختلفًا، بينما لم نبذل شيئًا في سبيل ذلك.

  ثم تأتي بعد ذلك التخصصات الذهبية للمجتمع الجزائري، الصيدلة والطب وطب الأسنان، التي لن تدرك أنها أفرغت من معناها تمامًا إلا عندما تجد نفسك في واحد منها، مناهج بدون معنى، محاضرات طويلة ومملة ولا طائل منها، تدريبات عمليّة غير موجودة بسبب النقص الأزلي في العتاد وإن وجدت فهي مختصرة ونظرية ولا تقدم للطالب شيئًا، امتحانات لا تعكس أبدًا المنهج الذي تم تدريسه ولا حتى آفاق هذا المنهج، تعتمد اعتمادًا كليًا على رأي البروفيسور في «الدفعة» وإن كان معجبًا بهم أم لا.

  اللاتوازن في الأفكار ليس عبثيًا، بل هو ناتج عن جامعة تمجد الاحتفاظ بالأقل، ولم تفلح مناهجها الأكاديمية منذ عقود، لكنها مصرة على مواصلة تكوين الطلبة بنفس الأسلوب الذي حُطم به من سبقوهم، لذا نجد هناك فروقات واضحة في حياة ما بعد الجامعة، سواء تمثل ذلك في سوق العمل التي تم احتكارها من طرف من لم يدخلوا الجامعة أصلا أو من تركوها في وقت مبكر بعد اكتشافهم لكونها مجرد مضيعة للوقت، أو في نسب العاطلين عن العمل رغم حملهم لشهادات جامعية «ماستر» وحتى «دكتوراه» في حالة طلاب الصيدلة الذين يتخرجون بهذه الشهادة بالآلاف كل سنة، ومصير أغلبيتهم الساحقة هو البطالة.

  السؤال الحقيقي هو إن كانت الجامعة الجزائرية تعكس أحوال المجتمع أو العكس؟ هل المجتمع الجزائري هو الذي تدخل أولًا بابتعاده عن الاهتمامات السياسية وبتبنيه لطرق بدائية في مكان المحاكم العادية، وبتفضيله لـ «الراحة» على حساب العمل وعدم الخوض في متاعب التفكير بدل البحث العلمي في تدمير ما يمكن أن تسعى الجامعة لبنائه؟ الواقع أن هناك ترابطًا وثيقًا بين هذين الطرفين، لكننا في الجزائر لا يمكن أن ننتظر إعادة تدوير أكاديمية، فليست هناك لا بوادر ولا مؤشرات على قرب حدوث تغيير بسيط في مناهج أو أساليب أو ساعات التدريس، لذا يفترض بالمجتمع أن يكون منطلق الإصلاح هنا، لكن ليست هناك بوادر لتغير هذا الأخير أيضًا، وهذا ما سيدفع بالدوامة إلى الاستمرار في الدوران، هذه واحدة فقط من بين مشكلات عديدة تنخر جسد الجامعة الجزائرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد