لقد اقتبست كلمة المدينة الفاضلة من الفيلسوف اليوناني «أفلاطون»، والذي كان يريد أن يؤسس لمدينة تحكمها الفضائل والقيم، مدينة تقدس وتهتم بالإنسان والأخلاق الإنسانية الحميدة، وليس بالمؤسسات المعمارية. مدينة يسودها السلام والأمن والإخاء والتعايش السلمي.

لقد كان أفلاطون يعتقد أن الحكم في المدينة الفاضلة يجب أن يعود إلى الحكماء والفلاسفة، ويجب ألا يكون حكما فرديا، حتى لا يمنح لأحدهم القدرة على الاستبداد. بل ورأى أيضا أنه من الواجب أن يكون لهذه المدينة الفاضلة جيشا يقوم فقط بحماية المدينة من الأعداء دون التدخل في شؤونها، ووصل إلى القول بأنه يجب للأطفال أن يربوا بعيدًا عن آبائهم، بطريقة ممنهجة تسمح لهم فيما بعد بمواصلة السير نحو تحقيق المدينة الفاضلة، وهذا لأنه كان يعتقد بأن من الممكن لهؤلاء الآباء أن يفسدوا أخلاق أبنائهم.

إذًا كيف لنا أن نحقق هذه المدينة الفاضلة في أيامنا هذه، بعد أن تغيرت المصطلحات والقيم والمفاهيم؟

لتحقيق المدنية الفاضلة في الجزائر، أو حتى في الأوطان العربية، فيجب علينا أن أولا أن نعيد النظر في نظام الحكم، هذا النظام الذي تسبب في الكثير من الاستبداد والعبودية. نحن نقول بأنه يجب على الرئيس أن يكون موظفًا عاديًا لا يتميز إلا بما وهبه الشعب من صلاحيات وامتيازات، قوي بقوتهم، ضعيف بضعفهم، بل ينصاع لأوامرهم كلما طلبوا منه ذلك.

يجب لهذا الرئيس أيضا أن يكون مراقبًا من سلطة تشريعية منعزلة ومحايدة، تراجع قراراته، تقبلها أو ترفضها، حسب ما تتطلبه مصلحة الشعب والدولة.

أما في سلك القضاء، فيجب أن يكون القضاء محررًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، الجميع تحت القانون، والجميع معرض للحساب في حالة الخطأ أو التقصير في تأدية مهامه نحو الوطن الذي يخدمه. إذا ما استطعنا في يوم من الأيام أن نحرر القضاء، فبهذا سنحرر الوطن، ونمنع كل مظاهر الاستبداد والتعسف.

يجب للقضاة والمحاميين وكل من يشابههم أن يتكونوا بعيدًا عن المجتمع، وهذا تفاديا لأي اتصال قد يسمح لبعض العلاقات أن تتدخل في القضاء أو حتى أن تؤثر على الأحكام التي يصدرها.

الإعلام، تلك السيادة الغير المنتخبة، والتي تملك من التأثير العقلي والنفسي؛ ما يجعلك تحب أحدهم أو تكرهه، تذمه أو تشكره، تحترمه أم تحتقره، بدون سبب فقط لأنهم يريدون ذلك.

يجب للإعلاميين أن يكونوا أيضًا منتخبين من طرف الشعب، لأنهم بطريقة أو بأخرى يمثلون الشعب. ويجب أن تكون الكفاءة المهنية والصدق والأمانة هي العوامل والمقاييس التي نأخذها في الاعتبار عند توظيفه.

يجب للإعلام أن يكون محررا من كل القيود، لا أحد يملك سلطة عليه، ولتفادي ذلك، يجب أن يكون مصدر أموالهم وأجورهم داخليًا، وليس خارجيًا، بمعنى آخر، يجب للإعلام ألا يكون ممولًا من أي جهة؛ لأنه سيصبح تحت سلطة من يموله. يجب أن يكون التمويل داخليًا، كل حسب كفاءاته، من يكون خادمًا للمجتمع، يستحق ما يناله.

يحق للقضاء أن يقيد الإعلام في حالة ما لاحظ بأن هناك كذبًا أو تلفيقًا، أو محاولة لتزيين، أو تحقير أحدهم دون أسباب معروفة، في هذه الحالة فقط، يجب على القضاء أن يتدخل لكي يحافظ على السير الحسن لهذه المدينة الفاضلة.

التعليم لقد كان بودي أن أبدأ مقالي هذا بالحديث عن التعليم، فهو اللبنة الأساسية في تكوين المجتمعات، لكنني ارتأيت أن أقدم عنه القضاء والإعلام، وذلك احترامًا الأولويات التي تسمح بتحقيق المدينة الفاضلة الأفلاطونية في الجزائر.

يجب للمعلمين والأساتذة أن يتميزوا بالحصانة، تلك الحصانة التي تحميهم من كل أطراف خارجية قد تمنعهم من تأدية واجبهم على أكمل وجه.

من الواجب أيضًا للأساتذة والمعلمين وكل عمال السلك التربوي أن يتميزوا براتب عال جدًا، يمكنهم من الاهتمام بوظائفهم، دون الالتفات إلى وظائف أخرى، وفي هذا السياق يقول برتراند راسل الفيلسوف البريطاني:

عندما تعطي الموظف 100 دولار كراتب، وأنت تعلم بأنه بحاجة إلى 500 دولار كي يعيش طبيعيًا، فأنت تخلق موظفًا فاسدًا.

لهذا نؤكد على ضرورة الاكتفاء الذاتي عند المعلمين، وهذا تفاديًا لأي انزلاق قد يتيح لأحدهم أن يحيد عن الدور المخول له.

يجب للدولة أن تقوم بتكريمهم والإشادة بهم كل ما سنحت الفرصة، وهذا من أجل منحهم دفعة معنوية للتقدم نحو الأفضل، فالمعلم حينما يشعر بأنه فرد فعال في المجتمع، سيشد على نفسه ويواصل المسير دون الالتفات إلى أي من تلك المعوقات التي تحرمه من تأدية واجبه على أكمل وجه.

الأخلاق:

ربما أفلاطون قد قدم فكرة الأخلاق على كل الأفكار التي طرحها سابقًا، لكن في وقتنا الحاضر، قد تغيرت المصطلحات والمرجعيات النهائية فقد أصبحت المادة، هي المرجعية النهائي لكل المجتمعات، ولهذا يجب للمجتمع الجزائري الفاضل أن يكون مجتمعًا تراحميًا ـ تجمع بين أعضائه كل الصفات الحميدة المنزلة، دون العودة إلى المجتمع التعاقدي الذي تحكمه البراغماتية والمصلحة.

يجب أن يكون المجتمع الجزائري _ بغض النظر عن اختلافاته الثقافية والحضارية _ لحمة واحدة، ربما قد تختلف في عاداتها وتقاليدها، لكنهم يتشاركون حب الوطن، وحب الاعتناء بهذا الوطن، لكي يواصل تقدمه وتطوره.

الثقافة والسياحة:

المجتمع الجزائري مجتمع مثقف، يزخر بالعقول النيرة التي يجب الاعتناء بها ومنحها الفرصة لكي تثبت وجودها. لهذا يجب للمجتمع الأفلاطوني الجزائري الفاضل، أن يقوم بإحياء ثقافاته، كل حسب منطقته، وكل حسب تقاليده، وهذا لكي يحافظ على هويته، والتي بالرغم من اختلافها، تجعل منه مجتمعًا موحدًا قادرًا على أن يركب موجة الحضارة.

إحياء الثقافة، سيسمح لهذا المجتمع حتمًا بأن يقوم بإحياء رفات السياحة التي اندثرت. المجتمع الفاضل بحاجة إلى الأموال من الخارج، ولهذا السبب نذكر القيمة الخاصة التي من الممكن أن تمنحها السياحة لهذا المجتمع، فهذه الأخيرة ستسمح لهذا المجتمع أن يسمع صوته ويثبت وجوده ويعبر عن عاداته وتقاليده أمام العالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد