يحيي العالم في 12 من شهر أغسطس من كل عام «اليوم العالمي للشباب» والذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة شهر ديسمبر سنة 1999م. منذ تظاهرته الأولى حمل اليوم العالمي للشباب عدة مبادرات ومشاريع تطلقها المنظمات بمختلف أنواعها وجنسياتها قصد رفع التحديات ومناقشة المشاكل والحلول التي تمكن الحكومات من تخطي عقبات التنمية وتطوير القطاع الشبابي.

إن شريحة الشباب تعتبر ركيزة هامة لكل تركيبة اجتماعية نظرًا لعدة مقومات وعوامل يكتسبها الكائن البشري في تلك الفترة من العمر بيولوجيًا، وفيزيائيًا وكذلك فكريًا وثقافيًا، فالتاريخ الإنساني والأحداث الشاهدة على التغيرات المفصلية في الحضارات تثبت بشكل كبير أن هذه المرحلة العمرية تمثل مرحلة الذروة في دورة حياة الأفراد، والأعظم الأدلة على ذلك تمتد على طول شريط زمني شاسع، من كفاءة الألكسندر الأكبر وقوته في قيادة الجيوش وحسم الحروب، مرورًا بفجر الإسلام وعصوره الذهبية أين برز قادة ورموز ديانتنا الحنيفة كعمر بن الخطاب رضي الله عنه والإمام علي كرم الله وجهه وسعد بن أبي وقاص وطارق ابن زياد وقائمة عظماء الإسلام طويلة، وصولًا الى عصرنا الحديث ومن أثبتوا أنفسهم في الساحتين السياسية والعسكرية كأدولف هتلر، وجون كينيدي وكيم جون أون وغيرها من الأسماء ذات الوزن القيادي التاريخي.

وقد لعب عنصر الشباب دورًا هامًا خلال مراحل بناء الدولة الجزائرية على وجه الخصوص، وتعتبر الفترة الممتدة بين نهاية القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين وصولًا إلى عقده الثامن، من أبرز الحقب الزمنية التي شهدت ثورانا لقوة الشباب الجزائري، بداية بالحركات التحررية المنفصلة ضد الغزو الفرنسي التي قادها أمثال المقراني والأمير عبد القادر والعظيمة لالة فاطمة نسومر، مرورًا بالنهضة الفكرية والسياسية التي غطت المشهد الاجتماعي للجزائر المستعمرة أنذاك وبروز وجوه نضالية كعبد الحميد ابن باديس وكريم بلقاسم ومحمد بوضياف والعربي التبسي وغيرهم من قادة الأحزاب السياسية والجمعيات في تلك المرحلة، وصولا الى أحد أهم الأحداث الإقليمية بعد الحربين العالميتين، الثورة التحريرية المجيدة، وليدة حكمة الشباب واندفاعهم وثوريتهم ووطنيتهم، فعلى الرغم من انحراف بعض من مبادئها الأساسية إلا أنها أثمرت استقلالًا وطنيًّا واسترجاعًا للسيادة أثبتا قدرة الشباب على رفع التحدي والتخطيط والتنفيذ الفعال على أرض الواقع، وقائمة الأسماء اليافعة التي قادت ذلك الانتصار طويلة نذكر على سبيل المثال مصطفى بن بولعيد، وعبان رمضان، والعقيد عميروش، والعربي بن مهيدي – رحمهم الله جميعًا وطيب ثراهم وتقبلهم بين شهدائه ورفاقهم المخلصين – أما بعد الاستقلال فقد كانت البلاد بحاجة إلى أبنائها الأشد قوة لبنائها ولا بديل عن الشباب هنا أيضًا، والإنجازات حققت في وقت قصير، فكان الجميع يراقب الإبداع البشري في ذروة عمره يبني ويفرض نفسه. وعلى الرغم من اختلال التوازني السياسي الإقليمي والذي أثر بشكل كبير على الوضع الداخلي الجزائري وجرفنا إلى عشرية دموية خلفتها الشرارة بين الإديولوجيات وليدة الشباب أيضًا، فما كان على الجميع في تلك الفترة إلا محاولة الخروج بأقل الخسائر، كان الأمل ثابتًا في أننا سننجح في البناء مرة أخرى و لم يكن أحد يتوقع انقلاب الموازين آنذاك لكنها انقلبت. انقضت الديناصورات على الغنائم وأوهمت الجميع بأنها المنقذ ما خلق اندفاعًا شعبيًا نحو الطرف ذي الكلام المعسول والوعود الخيالية بشكل عادي تمليه نظرية السيطرة على الحشد.

بعد ذلك المفترق لامس الشباب تغيرًا في منحى مسؤولياتهم التي ما لبثت إلا أن تم حصرها شيئا فشيئا على الأمور الاجتماعية أسفل السلم الشعبي، ورسخت فيهم روح الاتكال بالتدريج وباستعمال غرضي للأحداث الجيوسياسية في العالم بداية بهجمات سبتمبر 2001 وظهور الإسلام المتطرف الموجه.

بعد ثمان عشرة سنة من إقرار يوم عالمي لشباب سأسرد لكم ما صار عليه واقع الشباب الجزائري، اليوم أصبح الشاب الجزائري يستيقظ كل صبيحة ليفاجأ بأن لا مستقبل له ولقدراته في هذه البلد، صار فاقدًا للثقة في مسؤوليه ومغيبًا عن أوضاع بلاده، صار يحمل شهادات عليا ليزين بها جدران غرفته ويخرج ليعمل في المحاجر والمقاهي فيجمع بعض من أمثاله الأموال القليلة ليهاجر والبعض الآخر ليسابق عمره ويستقر في بيت مع شابة أحبها فأعيته ظروف مادية رخيصة، وبعض آخر لا يريد الاستفاقة من نشوة المخدرات التي يتعاطاها، الشباب قتل حيا على هذه الأرض، بات تفكير الجميع مركزًا على تحقيق الاستقرار المادي بعيدًا عن إشكاليات التنمية والبناء والتطوير. لم يعد لخطابات الشيوخ السياسيين معنى ولم تعد تغري أحدا من جيل عمر الذروة، حتى أنا كاتب هذه الأسطر أعاني التهميش الثقافي و«الحقرة» السياسية وأكافح في كل ثانية تيار السيطرة على الحشد وتنويمه.

اليوم أيضًا فوجئنا بخروج البعض ممن شابت رؤوسه على الفشل في تسيير الوطن ليلومونا نحن الشباب على عدم ظفرنا بالفرص التي حرمونا منها، وقد زادوا الطين بلة حين أمطروا السماء بقروض مدعمة للشباب كي يخلقوا ثروة اقتصادية من مؤسسات وصناعات صغيرة غابت عنها الرقابة وكفاءة المستقبلين.

بعد ثمانية عشر سنة ماتت العير في البيداء عطشًا، والماء فوق ظهورها محمول واغتيلت أماني وأحلام الشاب الجزائري، بعد ثمانية عشر سنة لا نريد خطابات تحفيزية ولا أموالا تثرينا، نريد عودة مشعل البناء ومسطرة المسؤولية إلى أحضاننا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد