يعد دافيد إيستون من أهمّ المفكرين المعاصرين الذي قدموا تعريفًا وظيفيًا للنظام السياسي، إذ يُصَوِّر لنا إيستون النظام السياسي على أنه علبة سوداء تتحوّل بداخلها المُدخلات من مطالب شعبية وضغوطات داخلية وخارحية إلى مخرجات تتمثل في القرارات والسياسات العامة التي يتخذها النظام السياسي والتي تكون إيجابية إن لاقت قبولًا شعبيًا وسلبية في حال رفضتها الجماهير وحوّلتها إلى مطالب أخرى تعود إلى حلقة المُدخلات وهكذا دواليك.

ولعلّ أهمّ شيء يُمكن إسقاطه من هذا التعريف النظري للنظام السياسي على واقع النظام الحاكم في الجزائر هو أنّ العلبة «سوداء»، أي أنّ الغموض يلُفها بشكلٍ لا يَسْمح للمحكومين بالتعرف على صانع القرار والمسؤول عن الحال الذي آلت إليه البلاد. ومع ذلك فإن الثابت وسط كل هذه المتغيرات هو أن الإرادة الشعبية لا مكان لها في مُدخلات النظام الحزائري وأنَّ السياسات العامة التي تبناها النظام الجزائري طيلة العهدات الأربع السابقة لم تحترم مصلحة الشعب ولم تلتفت إلى مُبتغاه.

لقد كانت المحسوبية، والمصالح الشخصية ورضى قوى الغرب وإقصاء كل ما من شأنه زعزعة عرش النظام أهم المتغيرات المتحكمة في كل ما قامت وما لم تقم به السلطة الجزائرية طيلة السنوات السابقة.

كل هذا لا يعني أن النظام الجزائري تجاهل الشعب الجزائري كليّة، فقد عكفت السلطة منذ قدومها وعبر حكوماتها المتعاقبة على تكريس سياسات تجهيل الشعب وتجويعه وتسطيح وعيِه السياسي واستعملت بطاقة التخويف من العشرية السوداء التي عرفتها الجزائر وكذبة الأمن والاستقرار للابتعاد به قدر الإمكان عن المشاركة في النقد الفعال للقرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مما أخلى الفضاءات العمومية في الجزائر من الرأي العام متمثلًا في الضمير الفردي والجماعي للشعب.

النظام الجزائري اعتقدَ أنه بسياسته قد قضى على الإرادة الشعبية، وأرسى لنفسه ثوابت حُكمٍ لا يهتز وأن المجال قد خلى له ليواصل العبث بثروات البلاد وانتهاك القواعد القانونية المنصوص عليها دستوريًّا دون رقيب أو حسيب، خاصة وأنّ الانتخابات التشريعية التي من شأنها تعيين ممثلي الشعب طالها التزوير وأنّ السلطة القضائية قد استُبْدِل معيار التعيين فيها من الكفاءة والنزاهة إلى الولاء والتَّملق لرموز النظام أو ما نسميه عندنا «الشيتة».

وفي خِضَّم كلّ ما تعانيه الجزائر أتى حراك الثاني والعشرين من فيفري ليلاقي قبولًا جماهيريًا رهيبًا، ولتنصهر فيه كل أطياف الشعب الجزائري بعيدًا عن نعرات التفرقة التي لطالما حاول هذا النظام إثارتها حيث وجه الشعب سهام غضبه ويأسه واستفاقته نحو النظام الحاكم. مطالب الشعب الجزائري وسلميَة حراكه العفوي أبهرت الجميع وأدهشت العالم، لكن أَشَدّ المنبهرين في نظري هو النظام السياسي الحاكم الذي اعتقد بغروره ونرجسية ممثليه أنه قد أخمد نار الثورة في صدر الشعب إلى الأبد وأنه قد نأى بالشعب بعيدًا عن أمواج التغيير بما كان ليسمح للعصبة المحاكمة بتمرير العهدة الخامسة والسادسة والسابعة بعدها إن اقتضى الحال ذلك.

حراك الشعب خلّف ارتباكًا من الصعب تجاهله لدى رموز النظام الحالي فهذا بيانٌ نُسِب لرئاسة الجمهورية يَعِد فيه بوتفليقة بإجراء انتخابات مسبقة بعد سنة لا يشارك فيها، هذا إن تمّ انتخابه طبعًا، وهذا رئيس البرلمان معاذ بوشارب يقول للشعب أن من يطلب التغيير يحلم وأنه يتمنى له ليلة سعيدة وما إلى ذلك من تصريحات مرتَجلة أبانت عن تشبُّث النظام بالعهدة الخامسة لدرجةٍ لم يُحضّر فيها بديلًا لها لأنه لم يتخيّل أصلًا أن جماهير جارفة ستخرج إلى الشارع ضد ترشح الرئيس بوتفليقة.

ختامًا فإنّ حراك الجماهير أبان عن وعي سياسي كبير لدى أفراد الشعب الجزائري، ذلك أن سقف المطالب تجاوز العهدة الخامسة ليطالب برحيل النظام بِرُمّته لأن الشعب يُدرك أن العهدة الخامسة ما هي إلا عَرَضٌ من أعراض مرض عضال تعاني منه الجزائر وأنّ أقرب طريق للشفاء إنما هو استئصال المرض لا الانشغال بمداواة العَرَض. وإذا كنا نعلم أن غرور النظام قد منعه من استشراف انتفاضة الشعب فإننا نرجو أن لا يمنعه عناده من الاستجابة لمطالب هذه الانتفاضة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد