إذا كانت الدولة هي مشروعًا سياسيًا ذا طابع مؤسساتي فإنها لا بد أن ترتكز على بنية اجتماعية متراصة ذات أبعاد سيكولوجيــــة متكاملة تنسجم في تحقيق الهدف الجماعي والمصلحة العامة. غير أن الجزائر ولحد الساعة لم تستطع أن ترتقي بفكرها إلى رســم مشروع سياسي واضح داخليًا وخارجيًا وتهيئة المؤسسات القادرة على تحقيق ذلك بالرغم من دورها التاريخي وحساسيتها الإقليمية والدولية إضافة إلى إمكانياتها غير المحدودة ماديًا وإنسانيًا زيادة على حجم الرهانات والتحديات الداخلية والخارجية التي تحيط بها والتي تلزم المؤسسة الرسمية وكذلك المنظمات الوطنية غير الرسمية في التعامل معها بحنكة وعبقرية، لكن كيف يتم هذا ونحـــن نعاني من غياب مشروع وطني واضح؟

وإننا لنرى أن عمق المشكل يكمن في غياب رؤية استراتيجية واضحة لمشروع الدولة العصــــرية المتحــدية وهذا بسبب فلســـــفة المنظومة الحالية المبنية على أساس التسيير لا على أساس البناء.

وإن اتباع هذه الفلسفة العرجاء جعلت المجتمع الجزائري لا يتحرك من موقعه الاقتصادي ولا تقوقعه الاجتماعي وكذا فتور الدور الدولي للجزائر وكل هذه العوامل ستشكل مع الوقت نقطة ضعف جراء المتغيرات العالمية المحيطة بالمنطقة العربية والمغاربية والإفريقية وتأثيراتها على المناخ السياسي والاقتصادي، والذي ينعكس مباشرة في شكل تراكمات اجتماعية يصــعب التنــبؤ بردود أفعالها وتسيير حركاتها.

وإننا لنرى أنه لتحقيق حصانة وطنية لا بد من النظر بعقلية استراتيجية والاندماج العقلاني في الفلسفة العالمية بمختلف مفاهيمها بحنكة وذكاء منطلقين في ذلك مستندين إلى مرتكزات قيمية وطنية تتفق عليها كل الأطياف والنخــــب الاجـــتماعية والســـياسية والاقتصادية انطلاقًا من مبدأ «جزائر العقل والمنطق».

وإنا لنظن أن هذا المسار يحتاج إلى مشروع تنموي محلي خالص انطلاقًا من توقعاتنا وتوجهاتنا. وإن التنمية في تصورنا تعني الرفـع من قدرات المجتمع الإنتاجية والتحكمية والتنظيمية انطلاقًا من تثمين الهوية الوطنية والسماح للمجتمع بفرض وجوده وإثبات ذاته وهــــــذا بتسخير مشروع سياسي يحتوي هذه الأفكار ويحميها ارتباطًا بمشروع اقتصادي يعطي الشحنة المادية لتطبيق هذه المعطيــات مع وجوبية وجود نظـــام اجتماعي منظم وإعلام محترف وموضــــوعي للتعبير عن هذه المنــــعرجات ونقدها وإعادة صياغتــــها فــي كل مـرة بما يضمن التثمين المتواصل لما يسمى «تجربة الدولـة».

غير أن الواقع يؤكد أن تجربة الدولة الجزائرية منذ الاستقلال تشوبها الكثير من التناقضات والأخطاء بسبب غياب رؤية واضحة لبناء دولة عصرية متحدية مبنية على مؤسسات وطنية فعالة متناسقة تستمد قوتها وشرعيتها من الشـــعب الجزائــري وثقته بــها.

في كثير من الأحيان يعود هذا التعثر إلى غياب نقاش وطني مؤسس ومنظم وعادل يسمح بتشكيل قيادة حكيمة تستجيب لطموحات الشعب الجزائري وتوقعاته.

هذا ما يدفعنا إلى الطرح التالي الذي نشرح من خلاله نظرتنا في كيفية بناء الدولة الراشدة انطلاقًا من تشابكات سوسيوسياسيــة تشكل الخزان الروحي لرشاد الدولة وهذا انطلاقًا من الخطة التالية:

1- تثمين الهوية الوطنية الجزائرية

إن الدولة دون موارد مادية تبقى إطارًا فارغًا كما أنها دون مجتمع رصين يملك بعدًا روحيًا جماعيًا يوحد بين كل أطيافه ويجمع بين كل تياراته مهما اختلفت مشاربهم السياسية وانتماءاتهم العرقية فإنها تبقى إطارًا يمتلئ مع الوقت بإشكاليات يصعب فهــمها وحلــــها.

وعلى هذا الأساس فإننا نعتقد أن أرضية بناء الجزائر الراشدة تبدأ أساسًا من بناء هوية وطنية حقيقية ضمن خيـــــارات براغماتـــية تتماشى والخطوط العريضة لاستراتيجية مشروع الدولة.

إن تجارب الدول النابهة توضح أن البناء والتطوير لا يرتبط بأي حال من الأحوال بالموارد المادية فقط وإنما هو ملتـــصق بالــــبـــــعد الروحـــــي الاجتماعي للمجتمعات. فالولايات المتحدة الأمريكية استطاعت بناء هويتها الوطنية والاجتماعية والقانونية على مبدأ الحرية فاستطاعت الانطلاق نحو رقعة الشطرنج العالمية دون خوف أو تراجع.

والصين لما استطاعت بناء المجتمع والمؤسسة الصينيين على مبدأ قيمة العمل والصرامة تمكنت من فرض منــــطقها على الساحــة الدولية بالرغم من حجم الإشكاليات الاقتصادية والسياسية الدولية.

وهنا يمكن طرح سؤال مفاده ما هي الخلفية التي ينطلق من خلالها المجتمع الجزائري بمؤسساته الرسمية وغير الرسمية في ممارسة الحياة بشتى تفرعاتها سواء كانت رسمية أو غير رسمية.

بصراحة لا يمكن فهم هذه الخلفية بالرغم من اقترابها من فكر الانتهازية والاستغلالية الملونة باسم الوطنية، الدين، الثورة زيادة إلــــى السباحة المفرطة في العشوائيات والفوضى وعلى هذا الأساس يمكنــــــنا التأكيد أن الكثير من المشاكل والتعقيدات الموجودة حاليًا سياسيًا وفكريًا وتنظيميًا تعود في جزء كبير منها إلى عدم اكتمال تشكل الهـــوية الوطـــنية التي تمهد بدورها إلى تشكيل هويـــــــة قانونيـــة ومؤسساتية تضبــــــــط مفهوم الدولة. وإنه بعد تفكيرنا وتقديرنا لأهمية هذا العنصر نقترح بناء الهــــوية الوطنية من خلال المـرتكـــزات التالية:

– حقيقة لا ننكر وجود أعراق وتوجهات كثيرة عبر التراب الوطني وإن كانت تبدو خفية فإن المـــــمارسات الحالـــية على مســتوى الإدارة الوطنية والممارسة السياسية يؤكدان وجود جهوية وعنصرية قاتلة وهذا ما يدفع الاستراتيجي الجزائري إلى بداية البحث عن الإطار والمظلة التي توحد كل هذه الاختلافات وخلق رابط بينها يمثل عصب الهوية الوطنية.

– وأنه لما عدنا إلى تاريخ الجزائر الحديث وحللنا رؤى صانــــعيه المتحررين وتحليلنا لبيان أول نوفمبر وجــدنا أن النـخبة الوطنية حينذاك قد تفطنت بحنكة لهذه الإشكالية وقدمتها في المادة الأولى من البيان على أن تكون الهوية الجزائــــــــرية ضمن الإطار الإسلامي العام الذي يحوي كل الأطياف الوطنية، ونحن نرى أن الإسلام الإنساني يجمــع كل الجزائريين ويشكل رابطًا روحيًا بينهم يذيب كل الاختلافات والمشاحنات لكن هذا الأخير لا يمكن أن يكون مجرد شعارات ومســاومات سياسية ظرفيــة  وإنما يحــتاج إلى تثمـــــين مؤسساتي يدعم هذا التصور كسلوك ويغرسه في الأجيال الصاعدة حتى تكون أكثر تضامنًا واتحادًا لبناء الوطن.

وإن تركيزنا على المبادئ الإسلامية له بعدان:

1- البعد الداخلي: والذي تم شرحه.

2- البعد الخارجي: وأنه لما نقل البعد الإنساني الإسلامي نقي أنفسنا من تهجمات المجتمع الغربي الناقم عن الإسلام وكذلك كم أفواه الجاهلين للإسلام في الداخل الجزائري وكم هم متطرفون في علمانيتهم فذكر إنساني يعني مفاهيم كبرى مـــثل الحرية والعـــدالة وغيرها من المفاهيم النبيلة.

وهي التي تمكننا وتعطينا فرصة الدفاع عن هويتنا لأنها مبنية على أسس ومفاهيم عالمية تشكل سر الحضارة الكونية وهذا ما يتطلب آليات دقيقة لتنفذها والسهر عليها مؤسساتيًا وهذا الجانب يطرح للنقاش والبحث.

وفي الأخير سنتمكن من تكوين هـــــوية وطــنــية عالميـة، عالمــــية المــفاهـــيم الإنســانــية تنوعــيه تنوع روافــدنا الثقــافيـــة.

إن بناء الهوية الوطنية ضمن هذا التصور سيتيح حافزًا قويًا للقيادة الوطنية صاحبة المشروعية والشرعية ضمن مؤسساتها في رسم مشاريعنا الوطنية الكبرى دون أي تردد لأنها منبثقة من قاعدة سوسيوثقافية غير منتهية وحافزًا غير منقطع مما يصنع آلـيًا تكــــافلًا عقلانيًا بين المجتمع والقيادة والمشروع المشترك.

– غير أن بناء الهوية الوطنية وتثمينها لا يمكن أن يؤتي ثماره إلا بوجود مؤسسات سيادية تؤمن بهذا المبدأ وتطيعه وتطاوعه ميدانيًا ضمن مؤطرات قانونية جلية وجادة.

وعلى هذا الأساس فإنه يتطلب الانتقال من وضعية دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات لأن دولة الأشخاص مهما كانـــت قيمـــــتهم التاريخية ووزنهم السياسي فهم مرتبطون بمفهوم الدولة في مرحلة معينة فقط.

أما الدولة الجزائرية العصرية فإنها تتطلب المؤسسات بدل الأشخاص والقانون بــدلًا عن الأعراف والذي سيجعلها جاهزة للبناء والتسيير ما دامت هناك هوية وطنية راسخة ومؤســــسات قانونية قائمـة بدورها ومشروع وطني مجمع عليه. وهنا نقول إن دولـــة الأشخاص انتهت صلاحيتها وحان الوقت أن يكملوا واجبهم التاريـــخي في منح الشعلة للكفاءات القادرة على فهم الواقع وتســــييره وكذلك التحكم فيه بل والالتزام – أي الشخصيات التاريخية – على الحمل بأيدي هذا الجيل في المرحلة الانتقالية فيكتمــل بذلك دورهــم الوطني تاريخيًا وحضاريًا.

إنه لما نتخذ من القانون مرجعًا ومن الهوية ضمانًا وحصانة سنكون بذلك جيلًا جديدًا بمعطيات يصعب إغفالها في الســـاحة الإقليـمية والدولية.

وإن هذه المطالب توجب تحديًا هامًا وهو إصلاح قطاع العدالة التي تعبر عن صوت الحق والحكمة في المجتمع وأن صــلاحه يعنــي بداية استرجــاع هيبة الدولة التي ولسوء الحظ بدأت تتآكل مع تراجع الدور المعروف للشخــصيات الوطــنية وانحرافهم في كثيــر من الأحيان، وهــــذا مــــــا أدى إلى تعويــض العدالة بالظلم والاستبداد والذي أصبح ممـــنهجًا ويمارس عن طريق المؤسسة الرسمية بطرق متعددة. وهذا ما شكل عقدة ثقة بين المجتـــمع والدولة وكرس مفهوم الفساد والانتهازية.

إن إصلاح العدالة سيعمل على زرع قيمة هامة في سيكولوجية الشعب الجزائري تتمثل في مفهومي الصرامة والجــــدية والــــلذان سيشكلان منظومة مؤسســـاتية قادرة على مراقبة الأداء ومعاقبة كل متراخٍ أو متعدٍ وكذلك توجــــيه وتأطــــــــير كل انحراف قد يؤثــر على مسار الدولة الجزائرية العصرية.

إن الدولة الجزائرية العصرية لا يمكن أن تكون دولة شعارات وإنما دولة العـــمل الجاد الذي ينطلق من تكنوقراطـــية شاملة في كل القطاعات تسمح لغرفة التحكم العليا للبلاد باكتشاف الأخطاء والتجاوزات بطريقة قانونية في الوقت اللازم، وتسمح بتطبيق القانون بآلية واضحة دون أي تعقيدات نلاحظها اليوم في المنظومة الحالية المليئة بالضبابية.

وإن القضاء على ضبابية المنظومة ولغة الكواليس يتطلب تحقيق مطلب ثمين وعميق وهو: الديـــمقراطية.

وإن الديمقراطية في اعتقادنا ليست أفكارًا تستورد ولا نموذجًا غربيًا يطبق بحذافيره في وطننا بل هي مطلب يفرض نفسه في مرحلة معينة في مسار بناء مشروع الدولة الراشدة والديــــمقراطية في الجزائر حسب تصورنا يجب أن تصاغ انطلاقًا من مبدأ الانـــسجام بين هويتنا ومصالحنا ومشاريعنا الاستراتيجية مركزين دائمًا على حماية حقوق الإنسان  الجزائري وطموحاته ضمن القانـــون الوطنـــي، المشروع الوطنــــــي، والمفاهيم الإنسانية الإسلامية التي تمثل روح الهوية الوطنية وتتقاطع في نفس الوقت مع القيـــم العالمـــــية التي يتغنى بها الغرب ويأمل جيلنا الحالي في الوصول إليهــــا.

وإن الديمقراطية الحالية لابد أن تنبثق عن مسار اجتماعي وحوار سياسي وطني مستمر يؤمن بهذه الفكـــــــرة ويتيـــــــح فرصة صناعة ديمقراطية جزائرية بمعايير وطنية فيها من المرونة ما يتيح التعامل مع كل المجـــــــريات الوطــــنية والمقتضــــــيات الدولــــــــية. فالديمقراطية في اعتقادنا لا تمثل الهرج والخداع السياسي ولا الفوضى الاجتماعية باسم الحرية ولا الشرود الحضاري باسم العولمة، وإنما تمثل الحرية العاقلة التي تحترم حرية المجتمع ووقاره وتقدر هيبة الدولة وتخدم مشاريعنا الوطنية.

وإن الحرية العاقلة لا يمكن أن يمثلها مهرجو السياسة وإنما تشكلها المؤسسات الوطنية خاصة المؤسسات التعليمية والثقافية والدينية وكذلك الإعلامية التي تعمل مع الشباب الذي يشكل السواد الأعظم للمجتمع ومستقبل الدولة الجزائرية.

وإن التأكيد على هذه النقطة سيسمح لنا بعد مدة من الوصول إلى برمجة وطنية نفسية يتشابه فيها كل أبناء الوطن مع وجود هامش التميز مما يشكل حصانة وطنية تحمي المجتمع من انتــــهازيي السيــــاسة وبعبع العولمـــة والمستثمرين في مشــاكل المــــجتمع.

وإن هذا المطلب لا يتحقق إلا بإصلاح المنظومة التعليمية وتغيير سياسة التعليم العالي وإعادة هندسة قطاع الثقافة وترشيد وتفعيل قطــــــاع الشؤون الدينية بما يتماشى مع مشروع الدولة وتحديات المجتمع ورهانات العصر.

وإن الديمقراطية العاقلة تتطلب مواطنًا عاقلًا وإن المواطن العاقل يفرض وجود مفهوم عاقل للمواطنة والتي لن تتشكل إلا في ظل وجود جهاز عدالة عادل ومستقل يوجب الواجبات ويضمن الحقوق حتى يتساوى المواطن البسيط مع المسؤول في أعلى الهـــرم ضمن مبدأ «الكرامة مكفولة لكل مواطن جزائـري».

وإن تثمين المواطنة العاقلة يعني إدراجها كمادة ثقافية مدنية تدرس وتلقن في المؤسسات التعليمية وتمارس في المؤسسات العامة والخاصة كسلــــوك حضاري يفرضه القانون وعدالة الدولة الجزائرية وتلزمه المقتضيات الحضـــارية ومشروع الإصلاح الوطني.

وإن تحقيق هذه الحكمة الديمقراطية والمحافظة عليها وعلى سيرورتها يتطلب الانتقال من الديمقراطية إلى حوكمة الديمقراطية وإن الحوكمة فـــــي اعتقادنا هي حكم الحكم ضمن مؤسسات راشدة مستقلة لا تتلون بلون أي طيف سياسي ولا تتأثر بالنوازع والعــوارض، وإنما تنــبع من وطنية خالصة تحكمها التكنوقراطية العلمية الراسخة والفهم الدقيق لمشروع المجتمع والإيمان به، وهذا ما يتطلب تأسيس هيئة قد تسمى مـــــــــجلس الشـــــــورى والترشيـــــــــد والذي تحكم تشكيله وآلية عمله مواد دستورية واضحة ومفسرة ومجمع عليها.

وإنا نعتقد أن هذا المجلس يتأسس مما يلي وهذا اجتهاد قابل للتثمين والمراجعة:

1- رئيس الجمهورية.

2- رئيس المجلس الشعبي الوطني (يجب إلغاء مجلس الأمة) وهو لا يمثل انتماءه وإنما يعبر عن إرادة الشعب من خلال رأي الكتل البرلمانية الممثلة في البرلمان.

3- مفتي الجمهورية (وهو نتاج انتخابات المجلس الإسلامي الأعلى للإفتاء).

4- رئيس المجلس الدستوري.

5- وزير الدفاع.

6- وزير الداخلية.

7- الوزير الأول.

8- رئيس المجلس الأعلى للإعلام والذي يعتبر نتاج انتخابات مهنيي واختصاصي قطاع الإعلام والاتصال. ويجب إشراك ممثلين عن المجتمع المدني ويكون كذلك عن طريق الإجماع.

9- ممثلون عن الجامعة الجزائرية.

حيث يشكل هذا المجلس هيبة الدولة في أسمى معانيها ويهذب الديمقراطية ويضبطها باستمرار بما يخدم مصلحة المواطن والوطن.

وإن الديمقراطية لا تتحقق في أسمى تطبيقاتها إلا بضبط الارتباطات التالية:

1- السلطة والقـــرار:

إن اتخاذ القرار في ظل نظام ديمقراطي يستدعي وجود آليات تكنوقراطية تتماشى مع حرية المجتمع وخصوصية الموقــف، وإن الديمقراطية تتطلب التقليص من حدة المركزية في قضايا محددة حتى يتمكن المسؤول المحلي من كسب الثقة والمـــــــبادرة وتـــرك المركزية إلا فيما يخـــــــص القضايا الاستراتيجية مثل قضايا الدفاع والتخطيط الاقتصادي والمــــالي العام. وبالتالي يصبـــــح هناك اقتسـام آلي للوظائف والمسؤوليات ضمن عــــــــلاقة منطقية بين السلطة والقرار يشعر من خلالها الممثلون المحليون أنهم يوصـــلون صــوت الشعب ويعملون من خلال إرادته وانشغالاته وكذلك يسمـــح هذا الإجراء للمنافسة السياسية من خلال التنافس النزيه من خـــلال البرامج وتنفيذ البرامج خاصة وأن الجزائر دولة بحجم قارة. وبالتالي فهذا الإجراء يحفز الطــــــاقات ويخـــرج العبقــريات ويعـــــطي المشـــــــهد الحقيقي للمواطن الجزائري والذي ولسوء الحظ من خلال النظام الحالي لا يعرف من المسؤول عن التأزم والتأخر ولا لمن يوصــــل صوته، ولا كيف يصلح ومن أين يبدأ وبمن يبدأ أمن إصلاح القاعدة التمثـــــيلية كما يدعي أم من رأس الهرم.

إن الإجراء الأول يتطلب ضبط وفهم ارتباط ثان وهو:

2- القــرارات والمبـادئ العــامة:

ونقصد بها أن لا تتجاوز القرارات القيم العامة للهوية الاجتماعية القانونية ولا تتضارب مع أحقية المشروع الوطني والسند القانوني والشعبي لأنه لا يمكن في أي حال من الأحوال ضمن هذه المنظومة إتاحة الفرصة للاجتــــهادات الشخصـــــية الخارجة عن إطـــار الشورى والتي تشعر المواطـــن أنها لا تتـــماشى مع شخصيته ومتطلـــباته، وكذلك تكوينته السوسيوسياسية والمبادئ العامة للمشروع الوطني.

وإنا لنؤكد أنه إذا تمت العناية الكافية بهذه المبادئ فستتشكل ديمقراطية تكنوقراطية مضبوطة تتمتع بميكانيكية تتيح للمواطن وللقيادة تبادل الآراء ووجهات النظر ضمن قوانين وأدبيات اللعبة التي تتمثل في التمثيل النيابي والمدني والتي تسعى كلها لتحقيق مــشروع المجتمع وبالتالي مشروع الدولة.

فإن حوكمة وضبط الفعل السياسي والمجتمعي ستتيح فرصة ثمــــينة لتــــــكوين مجتمع نموذجي ضمن نظام ديمقراطي بخصوصية جزائرية خالصة.

التنفــــيذ والعـــــوامل المســـــــاعدة علـــــــى التنفــــــــــــــيذ:

 يعمل «LE ROI DES JEUX» على فتــح نقــــــاش وطنــي يقـــوده وبحنـكة على تعبئة الجمهور حتى يتمكن من كسب ثقته وبالتالي كسب الشرعية التي تحمي المشروع وتكون صفعة ديمقراطية لكل مهرجي الســـــياسة وتجار القضايا الوطنية، وهذا ما يتطلب أمرًا ثانيًا وهو تصدير هذا المشروع عبر الإعلام التقليدي والحديث والعــــــمل باحتــــرافية على شرحه وتسيير كل النــــــــقاشات التي تدور حوله عن طريق متخصصين فاهمين للمشروع وأبعاده والعمل على طرح قضية فتح الإعلام بكل موضوعية باعتباره سلاح المــــــجتمع السلمي الذي يستخدمه لكشف الفساد والاستبداد وكذلك تدعيم المخلصين الــــــعاملين لصــــــالح هـــــــــــذا الشــــــــعب ناهـــــــــــــيك عــــــــــن الدور التــــــــــــوعوي الـــــــــــذي يـــــــــــــــلعبه.

ثـــــــالثًا: وإن من أهم العناصر المساعدة على التنفيذ هم النخبة وشباب الجامعة حيث يتوجب استقطابهم بعبقرية ودمجهم في تنفيذ هذا المـــــــــشروع والــــــدفاع عنه وكذلك تثمينه وهذا بــــــتحسسهم بمسؤولياتهم إزاء المجتمع. وهذا يتطلب إشــراكهم في نشاطات المجتمع المدني والعمل على تأسيس جمعيات ومنتديات تنافس ممتهني السياسة الفاسدة وتكشفهم وبالتالي تطهير الساحة الاجتماعية والسياسية.

رابــعًا: كما يتوجب بناء سياسة اتصالية بين متزعمي المشروع والمواطن الراعي والمنفذ له للتصدي لكل محاولات التهجم والتشــــويه للــــــمشروع الوطــــــني من الأطراف الداخلية والخارجية المناوئة لأي حركة حضارية إصلاحية في الجزائر. كما يجب رصد كل التطورات النفسية والاجتماعية في أرض الواقع وبالتالي القدرة على تسيير المشاعر وبالتالي تقديم جرعات نفسية تحفيزية متواصلة تحـــــرك المجــــتمع نحــــــــــو الهدف والولاء للمشروع دون خوف وتردد، وأنه في هذا الصدد بودنا الإشارة إلـــــى حقيقة تم استنباطها مما يجـــري في العالم العربي من انتفاضات والتي نعتـبرها ردود أفعال مباشرة لأجندات وتجاذبات داخلية وخارجية واستبداد داخلي من قبل أنظمة الحكم، لكن ما لاحظناه هو فقدانها لمفهـــوم الثـــــورة ومشـــــــروع ما بعد الثورة والذي سيطيل الفترة الانتقالية من أجل الوصول إلى الاســـــتقرار وهذا أمر لا يمكن تحمله في الجزائر وعلى هذا الأساس فالثـــــورة هي مشروع البناء والتحدي المدروسين والمتـــــــحكم بهـــــــــــــــما بكــــــــــــــل عقـــــــــلانية ورشــد.

فالــــثورة في اعتقادنا هي ذلك الحافز النفسي الراسخ في عمق المجتمع الذي يحثه على المضي قدمًا لبناء الوطن من خلال مشروع كامـــــل ومتكامل والانتقال في كل مرة إلى تحد أصعب وهدف أسمى يحافظ على ديناميكية المجتمع المستمرة، وبالتالي فالثورة هي تحـــــد للذات والسعي المتواصل لرسم معالم حضارية ضمن المشروع الوطني المستمر تجعل من المجتمع شعلة حضارية بطريقة آليـــــــــــــــة ترفـــــض الركـــــــود والجــــمــــود ولا تســـتجيب للإيعـــــــازات الصــــــــادرة من الداخـــــــــــل أو الخــارج «الانتهازيين، الناقمين».

فالثــــورة هي العمـــــل المدنـــــي المستــــمر والمنظــــم في نفســـية المجتمع وثقـــــافة مؤسســــــات الدولــــة التـــي تحمـــــل مشـــــروعًا يفــــــرض علـــــى المجتــــــمع التحـــــدي والمـــواجــــهة.

إن الشعـــــــــب الجزائري لم يعد يثق في الشخصيات الموجودة على الساحة السياسية والتي توكل لنفسها مهمة تنفيذ مشروع رئيس الجمهـــورية (مع التحفظ عن وجود مشروع وطني وطبيعته إذا كان موجودًا) وكذلك الرداءة المتلونة برداء المعارضة المتخفية وراء مشاكل الشعب والتي تخدم النــظام الحالي أكثر مما تعارضه، فالانتهازية والتآمر بالسكوت أضحى سلوكًا وطنيًا وهوية مؤســـــساتية يجب التخـــــــــــــــلص منـــــــها لأنـــــــها فـــــي مجـــــــملها تشكـــــــل حاجـــزًا نفســــيًا يثبـــــــط الأمة ويعرقــل أي حركة فعالة.

إن عــــــــدم إشراك الشعب والأخذ بتوقعاته في رسم توجهات البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية سيفشل أي مشروع لأنه فاقد للشــــرعية. فالمواطنون هم الأوتاد التي تبني الجزائر وكذلك هم النار التي تحرق كل من يمس وطنهم والذي يفهم الجزائريون معناه وفحواه.

وإن المتربصـــــين بهذا الوطن يريدون إسقاط الشباب في فخ الديمقراطية الزائفة وبالتالي استغلال الفرصة لإسقاط الحصانة وهذا ما يســــهل لـــــهم تنفيذ مشاريعهم، وإنا لنعلم علم اليقين شرعية مطالب الشعب وإنا لنرى عدم القدرة على الاستجابة والتجاوب مع ما يريده من طرف النـــظام الحاكم وإنا لنعلم أن انتهازيي الداخل لا يختلفون عن أعداء الخارج بل هم جسد واحد وهذا ما يستدعي عبقرية فذة لتســـــيير الانتقال من خلال مشـــــروع وطني مجمع عليه دون اللجــــــــوء إلى الفوضى والانتفـــــــــــــــــــــاضات الشعبية التي تؤدي إلى الفوضى والدخول في الفراغ.

إن الجــــزائر إذا لم تـشرع في تطبيق ما تم طرحه أو ما قد يطرحه المجتهدون المخلصون في خدمة الوطن فستكون عرضة لهزات عنـــيفة يسببها المستثمرون في مآسي الشعب وسلبية النظام وقد أفلحوا في محاصرة الجزائر ضمن الجغرافية السياسية التي فرضت باســــم الانتفــــاضات العربية ومكافحة الإرهاب والتي لا نشكك في مبدئها لكن تم تحويرها إلى مآرب أخرى بسبب غياب مشروع الثورة وما بعد الثورة ودخول الليبراليين للسيطرة على الوضع وتحقيق أهدافهم على حساب شعوب المنطقة، والأمة الجزائرية تعتبر حصــنًا منيعًا في البعد الإفريقي، المغاربي، العربي، وكذا المتوسطي، ولهذا يجب أن نفكر بقدر ما نحن عليه من موقع وحساسية وثقل وأن نخطط لأن ننافس لا لأن نعتبر هدفًا وغنيمة يريد الكل اقتسامها أو أداة يستخدمها الغير لحماية نفسه بعيدًا عن مصلحة الشعب الجزائري.

إن الســـــــــــنة التاريخية للجزائر تؤكد أن هذا الشـــــعب كان وما زال وسيبقى الحصــــن المنيع الذي يحمـــــي الجزائر فلماذا لا تستثمـــــــر الدولـــــــة الجزائريـــــــة في هذا الـشــــعب؟

ولهـــــذا فسياسات البر كولاج أصبحت مكشوفة ومرفوضة وتثير عقدًا نفسية تزيد من هوة عدم الثقة بين الشعب والنظام مما يجعل المواطن مستعدًا للتعاون مع أي طرف قد يكون عدوًا للمواطن نفسه من أجل تغيير الوضع. ولسوء الحظ فقد استعادت الجزائر أمنها يهزم الإرهاب فإذا بأمنهـــــــــــا الاجتماعي والاقتصادي يأكله الفساد فهلا تساءلنا عن صورة الجزائر في الخارج في خضم هذه الحـالة المتـقدمة من الفساد. وإن هذه الوضـــعية تمت هندســـتها بمنظومة سياسية إدارية اقتصادية مغشوشة ظنت أنها تملك الجزائر ولها الحق في التحـــــــــكم في شعبها. ولهذا فطرح أي مشروع في هذه المرحلة الفاصلة لابد أن يوفق بين مشروع المجتمع الذي هو مشروع الدولة والأطياف السياسية إضافة إلى النخب الاقتصادية الوطنية، وأن يركز على استخدام طاقات كل أبناء الوطن خاصة فئة الشباب بدل التعامل معهم كأرقام لوضع الميزانيات واستخدامهم كأرقام في الانتخابات ومواسم الافتخار.

المدخل الاستراتيجي لتنفيذ المشروع: «مرحلة الحسم كآخر مرحلة للمصالحة الوطنية»

لا أحـــــــــــد ينكر حساسية الوضع السياسي وضعف الأداء الاستراتيجي للمؤسسات السياسية الوطنية رسمية كانت أو غير رسمية موالية أو معارضة، ولهذا يجب إيجاد مدخل لمباشرة الإصلاحات الوطنية الجدية وطرح مبادرة سياسية يقودها صاحب الإمكانية ولابد أن تتم ضمن إطار زمني موات تحت مبادرة مقبولة شعبيًا حتى تكون لها شرعية ومصداقية لأن طرح أي مبـــادرة عشوائية في الوقت الراهن ستوصف أنهــــــا رشاوى سياسية واقتصادية لتهدئة الوضع وتسيير المرحلة وبالتالي إفشالها والتشويش عليها.

وفي هذه النقطـــــــــة وجدنا أن هناك غطاء فعالًا وهو تبني هذا المشروع كمرحلة من مراحل المصالحة الوطنية والتي تكون تحـــــــت تسمية «مرحلة الإصلاح السياسي والحسم الديمقراطي» وبالتالي الانتقال عمليًا من مرحلة تسيير المشاكل إلى مرحلة البنـــــــــــاء الوطني تحـــــت غطـــــــــاء المشروع الوطـــــني وبالتالي ســـــــتكون هذه المرحلة حاسمة ديمقراطيًا وموقفة لكــل المغالـــــطات السياسية التي قد تدخل الجزائر في دوامة من الفوضى والعنف مهما كان نوعه باسم النضال الديمقراطي، والذي سيــــــــكون ضحيته الشعب الجزائري لأن بناء الديمقراطية يتطلب بناء هوية الشعب الذي يكون القاعدة لبناء الهوية الدستورية والقانونية وبالتالي المؤسساتية.

إن الحـــــــس الوطني والسلوك المواطني يفرض على الدولة حاكمًا ومحكومًا تبني مشروع وطني يتماشى ورهانات الحاضر ويستــــــــشرف المستقبل ويجب العمل على إنتاج دستور يضبط كل ما تم طرحه ومناقشته مع التركيز على إيجاد المؤسسات السيــــــــادية التي تطبق هذا الدستور وتعاقب كل متجاوز أو متراخ وإن المبادئ الأساسية للدستور لابد أن تحترم ما يلي:

1- حماية الحريات وضبطها مؤسساتيًا من خلال المبادئ الأصيلة والأخلاقية للشعب الجزائري.

2- إقامة العدالة بأسمى معانيها عن طريق مؤسسات سيادية مستقلة بمناهجها وآلياتها تخضع الجميع لقوانين الجمهورية.

3- حماية الإنسان الجزائري من أي عارض يهدد حياته وتوفير الكرامة الإنسانية له ومنحه حقوقه كمواطن.

4- ترقية المواطنة عن طريق توفير التعليم النوعي وتسهيل الحصول على العلم والمعرفة من أي مصدر كان واحترام علماء الأمة وإشراكهم في صناعة الحياة العامة واستثمار الدولة في الفرد الجزائري.

5- تأطير وضبط الحياة الفردية والأسرية والعامة بما يتماشى مع الهوية الجزائرية.

6- ضبط الاقتصاد الوطني ودعمه وتحفيز المواطن الجزائري على الإنتاج مع عقلنة تسيير المال العام واستثماره في خدمة الإنسان الذي يكون قادرًا على إنتاج الثروة ومحاربة الفساد والربا والرشوة والاعتماد على التخطيط من خلال وزارة اقتصاد منتجة لا وزارة مالية مسيرة للريع، مع صياغة قوانين وآليات مؤسساتية تحسن تسيير المال وترشيد الإنفاق مع الــــحفاظ المستمر على كرامة الإنسان ونصيبه من الفعل الاقتصادي.

إذا عملنا على تحقيق هذه المقاصد وتثمينها تصورًا وسلوكًا فردًا ومؤسسات فسنحقق أمنًا وطنيًا شاملًا ونبدأ في ممارسة الفعل المدني والتأسيس الحضاري لدولة أعطيت كل شيء لتكون عروسًا للمتوسط، وإني في الأخير أؤكد أن أي مشروع لا يبـــــني استراتيجيته وتصوره بل وهدفه لخدمة الإنسان الجزائري والاستثمار فيه كطــــــاقة متجددة منتجة للثروة فمآله الفشل، فالنظام الذي لا يخدم شعبه ولا يفهمه لا ينتظر من الشعب المدح والولاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد