يمكننا القول بيقينٍ أن الفكر منشأه البيولوجيا الوراثية، طالما كان العقل مرتبطًا في تفكيره بعملية غذائية للمخ، وطالما كان الجسد بأعضائه امتدادًا للأثر النفسي بصورة عضوية وظيفية، وطالما كانت الإرادة الحرة مجرد طيف من زيف الصور الظاهرة للعقل. فإن العقل البشري يكون مصدره الطبيعة ويخضع لنظمها ولا يمكنه الإفلات من فيزيائها. فالعقل البشري يأتي من نظام ضخم ومعقد، ليعمل وفقًا لقواعد بسيطة جدًا، وهذا يعنى أن ديكارت كان محقًّا؛ فالجسد والعقل أمران مختلفان، يتكون الجسد والدماغ من مواد فيزيائية، أما العقل فهو منتج للحالة المتغيرة دائمًا لهذه المادة. وهو ما تعرضنا له في مقالاتنا السابقة عن خوارزميات العقل البشري.

وبوجهٍ عام، فالإنسان يسعى في الحياة مقيدًا بشغفه، سواءً أكان شغفه للسلطة أم المال أم الحب أم التصوُّف والزهد، أم للعمل والبناء والإنتاج، أم للإيمان أم الإلحاد. وتتشكل بذلك أفكاره ومعتقداته وفقًا لشغفه في الحياة رغم افتقاده القدرة على تغييره أو تعديله. فالدماغ البشري يعمل طول الوقت على تشكيل أفكاره وقناعاته وميوله ومشاعره بطريقة ذاتية وفق مسارات أمواجه وما توفر له من الذكاء والنشاط الذهني ومعدلات القدرة الذهنية، ولا يتم تغذيته خارجيًّا بأية أفكارٍ أو خبرات، ولا يستجيب لمؤثرات البيئة المحيطة به بأي حال سوى ما كان داخلًا في تشكيل العقل من المواد الكيميائية الفاعلة فيه بوصفه كيانًا فيزيائيًّا مثل كافة الكيانات الطبيعية المحيطة به، وإن توهَّم عكس ذلك لبعض الوقت، فهو دائم العمل على تشكيل المزاج النفسي فكريًّا وشعوريًّا وفق مسار أمواجه التبادلية ما بين الفكر والشعور، ويستقطب أفكارًا تحاكي أو تناقض بعضها بعضًا ومشاعر تقارب وتناقض بعضها بعضًا كلما تناضلت موجات الفكر والشعور على مسار الخط العقلي، ليبني من خلالها قناعاتنا ومعتقداتنا، دون أن يكون لنا القدرة على تغيير آليته في التفكير الموجي واستقطاب أفكارٍ من النوع ذاته لتؤازر بعضها، ودون أن تكون لنا القدرة على تلوين مزاجنا النفسي بلون شعوري معين نهوى أن نعيشه طول الوقت؛ سواءً أكان مزاجًا مرحًا فكاهيًّا أم مزاجًا نكديًّا واكتئابيًّا، وسواءً أكان هادئ الطبع أم ثائرًا وانفعاليًّا، فلا اختيار لنا في ذلك ولا دور للإرادة فيه.

فالعقل البشرى هو الذي يشكِّل مزاجه النفسي ويصنع ظروفه الاجتماعية المحيطة به، والتي صُمِّمَ على العيش فيها، ليتكيَّف معها ويتأقلم عليها. وإذا كانت مستقلة عنه فهو يراها من زاويته أي طبقًا للطور المزاجيِّ الذي يمر به، سواءً أكان العقل في حالة فكرية أم في حالة وجدانية، أم خلال مرحلة العبور بين الاثنين، أم كما يقال إن الإنسان يرى الأمور بمرآة نفسه، ويشكل رؤيته عنها وفقًا لإيحاءاته النفسية، لا بما تبدو عليه الأمور في واقعها حتى ولو حملت ملامحه، أي أن كلًّا منَّا يرى الأمور من زاويته وطبقًا لمزاجه النفسي؛ ولهذا تتغير نظرة الإنسان للأمور والأفكار والأحداث والظواهر الثابتة بتغيُّر حالته النفسية خلال اليوم الواحد ويبدو ذلك جليًّا في حال الاضطراب النفسي، بالتزامن مع تبادل نوبات الفكر والشعور وتتابع مراحلها، مع تتابع فصول السنة وتقدُّم المراحل العمرية للإنسان. والعقل هو الذي يصنع من أحداث حياتنا اليومية أزماتٍ نفسيةً أو محاور انطلاق للنجاح والإنجاز، أو يتجاوزها في صيغة شكلية تضيع آثارها مع الزمن.

إن العقل البشري في ظاهره يتشكَّل من خوارزمية تدور خيوطها حول الإرادة والغريزة والوعي واللاوعي والفكر والوجدان وكيمياء المخ والألم سيكولوجيًّا وفسيولوجيًّا. وعند التفكير في ماهية الإرادة، فليس بإمكان المرء إنكار الصورة الظاهرة لإرادته الواقعية أو الظاهرية التي يمارس بها حياته اليومية ويدير شؤونه بما يحقق مصالحه وأهدافه، أو بما يوهمه بأن الأمور تسير كذلك. كما لا يمكننا في الآن ذاته إنكار وجود إرادة قهرية تسيطر علينا وتُسيِّرنا وفق نظامها الفيزيائي من حين لآخر، أو تصورنا بأن شيئًا ما يغالبنا من وراء الطبيعة، أو أننا أحيانًا نكون على وعيٍ تامٍّ بتصرفاتنا، وفي أحيان أخرى نشعر أنها خرجت عفوية تلقائية وبدون قدرة منا للرقابة أو السيطرة عليها، وإن لم يكنْ وعينا بتصرفاتنا في الحالة الأولى ينهض دليلًا على اختيارنا لها أو انفلاتها من فيزياء الطبيعة الحتمية للعقل. وعلى فرض أننا نتمتع بإرادة حرة تدير حياتنا، فهذه الإرادة تتشكل وفقًا للمعطيات المتوفرة في الدماغ من مواد كيميائية وهرمونات ومعدلات ذكاء والمرحلة الموجية التي يجتازها مسار الخط العقلي.

وبالتالي فالسؤال يدور حول ما إذا كانت الأحوال والظروف الاجتماعية والمعطيات الواقعية هي ما تتشكَّل على أساسه الإرادة؟ وهل ما زالت الإرادة تتشكل آنيًّا وفق مقتضى الحال وحسب ظروف كل موقف على حدة؟ (بما يتوافق مع ما نادت به النظرية الأنثربيولوجية) (وفقًا لنظريات ميكانيكا الكم وفرضية الاحتمالات غير المعروفة نتائجها مسبقًا، أو تلك التي يصعب التنبؤ بها مثل تزاحم الكائنات المنوية على البويضة)؟ أم أنها تتشكل وفق معطيات نظام فيزيائي دقيق ومعدٍ سلفاً على شفرات وراثية تتناقلها الأجيال؟ (وفق ما تبنته النظرية الفسيولوجية). الواقع يؤول إلى أن المعطيات التي تتشكَّل على أساسها إرادتنا ليست هي الظروف الاجتماعية والفلسفية المحيطة بنا، وإنما هي معطيات مادية في الدماغ مثل معدلات الدوبامين ومعدلات النشاط الذهني ومعدلات الذكاء والمرحلة الموجية التي يجتازها مسار الخط العقلي وكافة الهرمونات التي يعمل بها العقل (كما تتحدد درجة حرارة الجو حسب المرحلة التي تجتازها الشمس في السماء خلال النهار – شروق، تعامد، غروب – مع تثبيت باقي العوامل الجوية) وبالتالي في هذا الفرض فإن أفكارنا ومشاعرنا وغرائزنا وردود أفعالنا ووعينا وإرادتنا تسير وفق مسارٍ فيزيائي بما يشبه قضبان القطار وإن بدت الصورة ظاهريًّا غير ذلك.

فيقول العلماء «إن قراراتنا التي نتخذها في تفاعلاتنا اليومية وردود أفعالنا تنشأ في العقل الباطن قبل أن ندركها ببضع ثوانٍ». وهنا يبرز السؤال بإلحاح، فكيف سنتحكم فيها بعد أن نشأت بالفعل وقبل أن ندركها ببضع ثوانٍ؟ وهل مجرد إدراكنا لها بعد تخليقها أو حتى أثناء إعدادها يعد دليلًا على أنها تشكلت باختيارنا ورغباتنا؟ أو أننا نمارس دور الدينامو المحرك لعملية تخليق هذه الأفكار؟ فربما تشكلت إرادتنا ورغبتنا متزامنة مع تلك الأفكار أو تابعة لها لا باعثة عليها. فأفكارنا ومشاعرنا وميولنا الغريزية وإرادتنا الواعية وغير الواعية جميعها في حقيقة الأمر لا تعدو كونها مجرد ظواهر عقلية وردود أفعال تعبر عن ظروف نفسية وضع العقل ذاته فيها بفيزيائه الحتمية. وعلى ذلك فمعطيات العقل ليست هي الظروف الفلسفية والاجتماعية المحيطة به؛ بل هي معطياته الداخلية (بيوفيزياء العقل) وأما الظروف الفلسفية والاجتماعية المحيطة بالإنسان فهي مخرجات العقل وهي محض رؤية له ناتجة عن تفاعُل معطياته الداخلية، وبالتالي عند تغيير معطياته الداخلية تتغير فورًا مخرجاته ورؤيته لمحيطه الاجتماعي وعلى هذا الأساس تؤثر العقاقير على فكره ومشاعره ورؤيته لحياته. وهذا ما يجعل إنسانًا فقيرًا ومعدمًا وبرغم ذلك يبقى سعيدًا، ويجعل إنسانًا مرفهًا، وبرغم ذلك يبقى تعيسًا؛ ذلك لأن الظروف الاجتماعية المحيطة بنا هي محض مخرجات ورؤية للعقل تتشكل حسب معطياته الداخلية، ولذلك نجد غالبية المراهقين في مرحلة عمرية مُعينة يعيشون التجربة النفسية ذاتها برغم اختلاف الظروف الاجتماعية والبيئية المحيطة بهم، فالعبرة بالمعطيات الداخلية للعقل والطور الذي يعبره على مساره.

إن الإرادة هي المحركة لأفكارنا ومشاعرنا وتصرفاتنا وسلوكيتنا، هي في واقع الأمر شيء واحد لا يمكن تقسيمه إلى إرادة حرة اختيارية وأخرى قهرية جبرية، أو إرادة واعية وأخرى غير واعية أو عقل واعٍ وغير واعٍ أو عقل ظاهر وعقل باطن؟ وإنما هي تأخذ مظاهر الحرية الاختيارية وفقًا لنظامها في أحوال مُعيَّنة، وتأخذ مظاهر الجبرية والقهرية في أحوالٍ أخرى نشعر خلالها وكأن أفكارنا انفلتت من بعضها ولم تعد تيارات الفكر والوجدان قادرةً على ملاحقة بعضها كي يحدث الانسجام والتناغم بينها. ويقف دور الإرادة عند حدود الإدراك أو استشعار ما تمليه علينا قرائحنا ونحن مجبرين عليه. فالعقل البشري يعمل بطريقة واحدة وآلية ثابتة طول الوقت، وإن كانت قشوره السطحية تبدو أكثر لمعانًا مما تحتها فتتعالى عليه، فتوحي إلينا القشرة اللامعة بوعينا وإدراكنا وكأنها قدرتنا على السيطرة والتوجيه، وما تحتها يظل معتمًا غير واضح المعالم بما يشكِّل باطن العقل، كما تبدو النظرة الخاطفة لسطح البحر، فلا يُعقل أن تكون الأمواج التي تتشكل على سطح البحر هي المتحكم في البحر بأعماقه وتياراته البحرية العميقة، وإنما هي ما ظهر من قشور البحر فقط؛ ولا يُعقل أن تكون ألسنة اللهب المنبعثة من الشمس هي المحرك للتفاعلات العميقة بها لمجرد أن هذه التفاعلات الغامضة في بطن الشمس لم تظهر، وليس حتمًا أن يكون الظاهر هو المُحرِّك لما هو غير ظاهر، أي أن الوعي لا يشكِّل أفكارنا، وإنما هو فقط ألسنة فكرية وشعورية ترامت أطرافها فوق السطح فظهرت بمظهرٍ مغاير عما في العمق مع أنها جزء منه وهو منشؤها، أو هي الطبقة الأولى الظاهرة من طبقات التفكير في العقل. فإذا نظرنا إلى أمواج البحر العالية، سنجدها تظهر بلون أبيض ومظهر مغاير عن ماء البحر ذا اللون السماوي مع أن كلاهما من ذات المادة الأولية في العمق. وهكذا الفكر. وكذلك ألسنة اللهب يختلف لونها عن العمق دون أي اختلافٍ جوهري، سوى في اللون فقط مع أن عمليات الاحتراق غير الظاهرة هي ما ينشئ تلك الألسنة وليس العكس.

وبما أن الباعث أو النية أو عنصر الملكية والقصدية في إخراج تلك الأفكار والتصرفات هو ما يمثل إرادة الإنسان بوعيها، فإن الإرادة بذلك تكون وليدة الازدواج الموجي لتيارات الفكر والوجدان، وهذا ما يعني أنها عامل لصيق الصلة بالفكر وليس شرطًا أن تكون الدينامو المحرك له، وهذا ما ينزع عنها طابع الحرية والاختيارية، ويخلع عليها طابع الحتمية وإن بدت بصورٍ مُزيفة. فالعقل ظاهرة طبيعية معقدة ومتعددة الجوانب، وإن توحَّدتْ فيزياؤها، فلابد لها من ظلال وأطياف مُزيفة، كما لكل ظاهرة طبيعية ظلالها وأطيافها المزيفة؛ فالإرادة لا تتشكل آنيًّا وفق مقتضيات كل ظرف على حدة، وفقًا لمعطيات البيئة الاجتماعية المحيطة، وإنما تتشكل وفق مسار نظام حتمي يقوم على تيارات فكرية ووجدانية متموِّجة على مسار الخط العقلي، ولهذا كثيرًا ما تختلف قراراتنا وردود أفعالنا الفورية التلقائية عن مقتضى الحال (المعطيات البيئية المحيطة، فكيف نعد الأخير سببًا في نشأة الأولى؟)، بل إننا أحيانًا ما نتعجب من تصرفاتنا التلقائية. فقد تتوافق صدفة مع مقتضى الموقف فنعدها حظًّا محضًا، وقد تختلف تمامًا فنعدها سوء حظ أصابنا، ولذلك وصف البعض الذكاء بأنه:«أن يأتي التصرُّف بطريقة تنسجم وتتوافق مع مقتضى الحال أو أن تتكلم بما ينتظره منك المستمع ويوافق هواه». وحتى هذه الآلية التي وُصِف بها الذكاء لا نختارها نحن وإن بدت ظاهريًّا أنها اختيارية. فالإنسان نصف أفكاره عن ذاته وعن الوجود قائمة على ظلال الحقائق لا الحقائق ذاتها؛ فكل إنسان منَّا يرى نفسه أفضل البشر وأكثرهم صوابًا وحقًّا وعدلًا أو أوفرهم حظًا وأحقهم بالخير، وفي الحقيقة هو أكثرهم حبًا وتمجيدًا لذاته، ويشعر بالكمال طالما كان في ظروفه النفسية العادية، وخاصية الشعور بالكمال هذه تبرز ما يختلج العقل من زيفٍ واضح؛ إذ عندما ينقلب العقل إلى حالة الانكماش النفسي ويكبِّله الاكتئاب يرى نفسه أسوأ البشر وأتعسهم حظًّا، وأكثرهم نقصًا وأكثرهم دونية، بل أكثر الناس كرهًا لذاته، برغم أن تلك الصورة الزائفة عن نفسه ليست صحيحة في الحالتين، بل مُغلَّفة بأطياف مُزيفة من أفكاره ومشاعره مزدوجة الأقطاب ما بين فكرٍ حلَّق في قمته ووجدانٍ غاص في القاع، ولا يمكن للإنسان أن يقترب من الصورة الحقيقية الواقعية لوجوده في هذا الكون إلا عندما تتهيأ تلك الموجات الفكرية الوجدانية على خطٍ مستوٍ لا يمكن لها أن تستوي عليه لحظةً كاملة من الزمن (خط الصفر لكل موجة)، أي تنعدم القطبية في الفكر والوجدان، وهذا لن يحدث بالطبع إلا إذا توقفت حياتنا؛ فعقولنا تعمل بما يشبه التيار الكهربي المتردد، وتقف موجاته على خط الصفر في اللحظة التي يتوقف فيها ذلك التيار، وفيما عدا ذلك فهي فقط تعبر الخط ذهابًا وإيابًا بين القمم والقيعان، وهذا ما يعني أن العقل يعيش حالة الاعتدال فقط خلال جزء من اللحظة التي تعبر فيها موجات الفكر والوجدان خط الصفر في اتجاهاتٍ مختلفة. وفيما بعد مرحلة العبور المزدوج هذه، يصبح العقل قطبي بنسب تتزايد وتتناقص تبادليَّا وتدريجيًّا.

يُتبع ..

ملحوظة: هذه السلسلة من المقالات تتناول نظرية علمية جديدة عن الفيزياء البشرية بدايةً من مرحلة الخَلق بالتمايُز الكوني، ثم مرورًا بتحليل الظواهر العقلية والعمليات العقلية العُليا والعقل والذكاء والنشاط الذهني والذاكرة والوعي والإرادة والإدراك، ثم تنتقل إلى مرحلة الألم نفسيًّا وبدنيًّا لتفسير العلاقة الأزلية بين العقل والجسد والعقل وقوانين الطبيعة الحتمية، بوصف الإنسان كائنًا فيزيائيًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد