ترجمة في سيرة الحجاج بن يوسف الثقفي

ليس محور هذا المقال هو إنصاف الرجل أمام التاريخ أو تبرير أفعاله، بقدر ما يهمنا إيصال الحقيقة كاملة، حيث أنه كان اسما مُرادفا للظلم والجور في زمانه، وذلك أن كثيرا من أعلام التاريخ تجاهلوا ذكر أفضالهِ وتعمدوا ذكر مساويه، وأن كثيرا من الناس يأخذون التاريخ كمادة ثابتة دون تحقيق في الأخبار، أردنا في هذا المقال أن نوضح حقيقة رجل ظلمته الأقلام، وجحدت القلوب فضله، وأنكرت العامة عليه فعلهُ الحسن، في المقابل ركز بعضهم على أخطائه، ونسوا أن كل ابن آدم خطاء، وكان الأجدر بهم أن يذكروا خبره الكامل، الأفعال الحِسان مع الأخطاء العظام، دون ترجيح الأولى على الثانية، أو ذكر الثانية دون الأولى، ويتركوا لنا أن نقرر إن كان هذا طاغية، أم أنه رجل أراد رفعة الإسلام؟!

هو الحجاج بن يوسف بن الحكم بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف من ثقيف، ولد بالطائف، ونشأ معلمًا للقرآن الكريم، حيث كان من أفصح زمانه، ثم غادر الحجاز إلى الشام، هاربا من ظلم شرطة عبدالله بن الزبير، خليفة الحجاز والعراق وقتها، وعلا نجمه في دمشق، وبدأت أسطورته في عهد عبدالملك بن مروان رابع خلفاء بني أمية.

يلقبونهُ الديكتاتور العادل! وما أعظم ذلك من تناقض، فعندما تقرأ في سيرة الحجاج تتشتت أفكارك وتختلط المشاعر في قلبك بين الحب والكراهية لهُ، حيث أنه يعتبر من أكثر الشخصيات العربية المحيرة في التاريخ، كيف جمع هذا الرجل مقدارا من العظمة وخدمة الإسلام بجوار قدر عظيم من الدكتاتورية والإسراف في القتل؟! نعم الإسراف، ولكنهُ لم يقتل أحدا دون ذنب، ولكنه كان يقتل لأهون الأسباب.

ما جاء عنهُ في أخبار العرب

كان لجوجا حقودا، يقتل بالظنة، ولا يسامح في كلمة خرجت من فم قائلها، وكان كثير قتل النفوس بأدنى شبهة، وكان يغضب غضب الملوك، وجاء عنه أنه تكلم بكلام كان ظاهرهُ الكفر، وقتل عبدالله بن الزبير وسعيد بن جبير، وقتل مقتلة عظيمة من الخلق، وسمي بسيف بني أمية القاطع، ورمى الكعبة بالمنجنيق أثناء حصار ابن الزبير في مكة.

لا نُبرئه من تلك الأفعال الشنيعة، ولكن نوضح صحيحها، والمفترى عليه فيها، ونذكر له بعض أفعاله التي أنكرها عليه الكثيرون.

ذكر المدائني أن الحجاج لم يقتل أحدا إلا بسبب، وأن كانت كلمة خرجت منه، ولكنه لم يرم الكعبة بالمنجنيق أبدا، وذكر ابن خلدون في مقدمتهُ أن الحجاج بن يوسف كان له الفضل في توحيد البلاد الإسلامية تحت راية واحدة، بعد تفرقها وتشتتها إبان عصر الخلافة الراشدة، حيث يتسم بالشدة والحزم، ونظم الجيوش لعبد الملك بن مروان، ومكنه من سائر الأقطار، وكان الحجاج شديد الولاء لبني أمية، يقتل كل من خالفهم، وقال عنه بن عساكر: كانت له شهامة عظيمة وكان لا يشرب المسكرات ويعظم حرمات الدين، ويحب أهل القرآن.

وكان للحجاج الفضل في إخماد فتن العراق، والقضاء على الخوارج الأزارقة، وسير جيوش الفتح، بعد أن كانت توقفت بعد فتنة مقتل عثمان، حتى وصلت الفتوحات في ولايته إلى السند وسمرقند والهند وجزء من الصين بقيادة قتيبة بن مسلم، وهو الذي أشار على الخليفة أن يسير موسى بن نصير وطارق بن زياد لعودة الفتوحات في الشمال الأفريقي وعبور المضيق ومن ثم فتح الأندلس، وأشار بتعريب الدواوين بعد أن كانت بالفارسية، وهو أول من قام بتنقيط القرآن، وأشار بصك أول دينار عربي.

وفي الأخير، الحجاج شأنه كغيره من العرب، له ما له وعليه ما عليه، وأرى أنه راح ضحية كره الناس لبني أمية، وقد تغاضوا عن ذكر فضائله وقاموا بترديد مساويه، حتى جزم بعض الناس أنه في النار لا محالة، ولربما قال يوما يارب اغفر لي، فغُفر له، نذكر سيرته دون حكم، وندع الحكم لله عز وجل، وجاء عن عمر بن عبدالعزيز أنه قال: ما حسدت الحجاج على شيء، حسدي إياه على حبه القرآن وإعطائه أهله، وقوله حين حضرته الوفاة: اللهم اغفر لي، فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد