أطلق صديقي الكحولي على صفحته على موقع فيسبوك حملته المعنونة (لاتهدروا أموالكم في الحج) قائلًا: إن الحج هدر لطاقات الأمة، وتبديد لأموالها! وفي حسبة بسيطة، جمع وقدر وخرج بأرقام وإحصاءات عن مليارات الدولارات، ومليارات الساعات، وتوصل إلى مشاريع عملاقة يمكن عملها، وقال: إن إهمال هذه الأرقام هو تعطيل للعقل والمنطق ورغبة من القوم في الإمعان في التخلف.

من وجهة نظر اقتصادية فإن هذه الأموال ليست أمولًا مجبية من الضرائب، ولا هي من أموال الخزينة العامة للبلدان، وإنما تكون في الأغلب الأعم أموالًا شخصية تم ادخارها على مدة طويلة في بعض الأحيان، وإن إخراج هذه الأموال الخاصة من الملكية الفردية ووضعها في عجلة الاقتصاد، يؤثر إيجابًا على دورة النمو حسب أبسط قواعد الاقتصاد المعروفة، فمعروف أن من أهم عوامل استمرار ونجاح الاقتصاديات الرأسمالية، هي التشجيع على الاستهلاك بأية طريقة؛ لتبقى عجلة الاقتصاد تدور، ولطالما تساءلت: لماذا تلجأ المتاجر الكبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية إلى بيع نفس المنتج أحيانًا بربع قيمته المطروحة بداية، وذلك بعد بضعة شهور من إطلاقه، وعلمت لاحقًا أن الجواب هو مصلحة النظام الرأسمالي الكبرى باستمرار الاستهلاك.

لقد شاءت الصدفة أن تنطلق هذه الدعوة من صديق كحولي، ولكن دعوته هذه ما هي إلا صدى لدعوات أخرى انطلقت من الغرب، وقرأت عنها في ما مضى، ولأن الحديث عن الكحول وتعاطيها في الغرب حديث مليء بالأرقام الصادمة، ولأن صديقي ينادي العقل، ويستحضر أرقامًا قدرها بنفسه، أردته هو ومن يدعوا دعوته أن يطلع على هذه الأرقام.

  • في عام 2010 كلّف الكحول الاقتصاد الأمريكي خسائر 249 مليار دولار.
  • 88 ألفًا متوسط عدد الوفيات السنوية المتعلقة بالكحول في الولايات المتحدة.
  • في عام 2015، حوالي 15 مليون أمريكي تلقوا العلاج لمشاكل صحية مرتبطة بالكحول.
  • عام 2012، 3.3 مليون وفاة حول العالم مرتبطة باستهلاك الكحول.
  • الكحول رابع سبب للوفاة في الولايات المتحدة.
  • 1 من 4 طلاب جامعيين تعرض لعواقب دراسية بسبب استهلاك الكحول في الولايات المتحدة.
  • حوالي 97 ألف طالب/ة بين عمر 18 و22 يبلغون عن تعرضهم لاستغلال جنسي أو اغتصاب تحت تأثير الكحول سنويًا.
  • الجريمة الأكبر من وجهة نظري: 40 ألف وليد سنويًا يولدون بمتلازمة الجنين الكحولي في الولايات المتحدة.

المصدر: National Institute on Alcohol Abuse and Alcoholism.

في ذروة الثورة الصناعية والنهضة العلمية تنبه الغرب إلى أن الكحول يشكل معضلة كبيرة اقتصادية، اجتماعية، صحية، أمنية، أخلاقية.. فقامت العديد من الدول بإصدار تشريعات وقوانين لحظر التناول أو التصنيع أو النقل أو البيع أو كلها.

من أمثلة تلك الدول: الولايات المتحدة الأمريكية (1920 – 1933)، روسيا والاتحاد السوفييتي السابق (1914 – 1929)، النرويج (1916 – 1927)، أيسلاند (1915 – 1933)، فنلندا (1919 – 1932)، هنغاريا، مقاطعات كندية (1907 – 1948)، مقاطعات دنماركية (1907 – 1992)، جمهورية التشيك (2012 – الوقت الحالي).

باءت كل هذه التشريعات بفشل ذريع، بالرغم من تطبيقها حتى عشرات السنين ببعض البلدان، وبالرغم من الأرقام والإحصاءات ومحاولات التوعية والتقدم العلمي، كان من أسباب هذا الفشل عدم اقتناع الناس، والسوق السوداء، وازدهار سوق المخدرات، وازدهار عصابات الجريمة المنظمة، وعدم قدرة الموظفين الموكلين بمهمة متابعة الحظر على تغطية السوق مهما زاد عددهم، والحدود المشتركة مع بلدان لم تحظر الكحول.

لذلك أرفع القبعة لرجل لم ألتقِه؛ أقنعني بما قاله من 14 قرنًا بأن لا أشرب الكحول، ولم يحتَِج لأرقام وإحصاءات، ولا هيئة تفتيش أو تموين. لا تضيعوا أموالكم على الحج، نصيحة مبنية على أرقام، كما نصحني صديقي الكحولي!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد