استـــــــقِ الحكــــمةَ لا يشغلك من *** أي ينـــــبوع جـــرت يا مســـتقي

فشعــــاعُ الشمـس يمتـــص الندى *** من فـــم الــــورد ووحـــل الطـرق

القروي.

لكم حدثني الكثيرون عن العلم وفضله، وكيف أنه السبيل للعلا! لكن في حياتي الوجيزة، وفي علمي المحدود، لم يسبق لأحد أن جذب اهتمامي للعلم كما جذبه بطل مقالي هذا، هو بطل مجهول للكثير، مُهمش دوره، ولكن له في حياتي علامة ما زالت إلى الآن تدفعني وتحثني. لقد أراني هذا البطل (وسأشير إليه بالحكيم في جزء من هذا المقال) كيف يمكن للعلم أن يرفع، وللجهل أن يحط، وكيف لابد للإيمان من علم يحوطه، ويكتنفه برعايته. وهذه قصتي:

كنت حينها في المرحلة الإعدادية، أسكن في قرية «درشابة» بمحافظة البحيرة، شغف القرية في ذلك الحين كان يدور في فلك ترتيب الأوائل في مدرسة القرية، يراقبون التنافس أولًا بأول كأنهم يشاهدون مباراة مصارعة ديكة، يلقون برهاناتهم ويتخرصون بتنبؤاتهم، هذا يؤيد ذاك وآخرُ يؤيد تلك، وفي تناقض عجيب كنت أول مدرستي وفي الوقت ذاته أكثر الأطفال ظهورًا في مقاهي البلايستيشن والإنترنت المسماة بـ«السايبر»، تأخذني رغبة جارفة في الوقوف هناك والاستمتاع بتلك الأشكال الكرتونية الملونة تطارد إحداها الأخرى ويضرب بعضها بعضًا بإرادة من يملك عصا التحكم.

وقفت ذا يوم في أحد تلك المقاهي والصخب المعتاد يدوي، وبجواري شاب يافع من أولئك العاملين بمصانع الطوب في القرية، لاحظ هيأتي المختلفة (كنت أرتدي جلبابًا أبيضَ)، وكأن للمكان زيًّا رسميًّا، لفت زيي انتباهه وسألني عن اسمي، أجبته وأعدت عينيّ مباشرة لمتابعة الشاشة، فنطق أحد الأطفال قائلًا «ده بيطلع الأول على المدرسة». أخذني زهوٌ لم يلبث أن اختفى عند لعبة مثيرة بدأت في العمل على أحد أجهزة البلايستيشن، واستغرقت ثانية فيما كنت فيه.

فوجئت بأن وضع ذلك الشاب يده على كتفي وقال: «أنت شاطر يعني؟» فأجبت بابتسامة من يشير إلى أن الجواب بديهي، وأضاف البعض بأنني أُكثِر القراءة وأقضي حصص الألعاب والفسح في المكتبة… وهلم جرًّا. التفت لي الشاب وقال: «أنت بتحب العلم، العلم مهم، أنا هحكيلك قصة».

ثم أخرج سيجارة، وأشعل التبغ ونفث الدخان، وانتظرت أنا لأرى ما سيخرج من فم هذا (المدخن، والأميّ غالبًا)، وبدأ الحكيم الأميّ هذا يقص حكايته:

«ذات يوم عاش مزارع بسيط، وكان مما يشغل به هذا المزارع وقته أن يقف ليشاهد ويتأمل حقله، والحقول من حوله، والنهر الذي يشق أرضه، والسماء التي تعلوه، والنجوم التي تزينها، ويتعجب من صنع الله، ومن قدرته، ثم ذات يوم، خطر لهذا المزارع سؤال: هل يستطيع الله أن يضع هذا الكون كلّه في (بيضة)؟

حاول المزارع طرد السؤال من ذهنه مرارًا ولم يستطع، لكم استعاذ! ولكم دفع هذا الخاطر! ولكنه أبى إلا إلحاحًا، وحينها لم يجد بدًّا إلا أن يحزم مؤنه، وأن يسافر من قريته إلى حيث يقطن عابد، سمع به قبلًا، يمكنه أن يطرح عليه هذا السؤال. بعد فترة من الاستعداد، ودّع المزارع أهله وانطلق. بعد مسيرة أسبوعين وصل المزارع أخيرًا إلى حيث يقطن العابد، ولم يضع وقتًا؛ فانطلق إلى صومعة العابد وقرع الباب، وفُتح له.

جلس المزارع إلى العابد وحدثه بما يدور في خلده، فقال: «هل يستطيع الله أن يضع هذا الكون كلّه في بيضة؟» وعندها ثارت ثائرة العابد، وأخذ في زجره وتوبيخه للتفكير في مثل هذه الأمور، ثم انتهى به الأمر إلى أن طرده.

كما رأيت، لم تكلل رحلة المزارع بالنجاح، وأخذ يستعد لرحلة العودة، وهو يشعر بالذنب أن تجرأ على مثل هذا. ورغم هذا ظل هذا الخاطر يراوده كالكابوس، وهو يدفعه ويدافعه، ولا جدوى. في طريق العودة صاحب العابد مجموعة من التجّار، وأسر إلى أحدهم استأمنه بهذا الخاطر، فأجابه قائلًا: عليك بعالم يقطن بقرية كذا، اذهب إليه وسيجيبك».

هنا سحب الشاب الأميّ نفسًا عميقًا من سيجارته، ونفثه ثانية على شكل حلقات، ونظر إلى عينيّ المتلهفتين للبقية، ثم ابتسم وأكمل:

«تجدد الأمل في قلب المزارع، وثانيةً، لم يضع وقتًا، وشكر صاحبه وانطلق، وبعد مسيرة طويلة كأختها التي سلفت، وصل إلى القرية ليلًا، فسأل على مسكن العالم، ضحك الناس وغمزوا ولمزوا، ثم دلّوه عليه، لم يدر صاحبنا سر ضحكهم ولم يأبه؛ ففي عقله ما يشغله عن هذا، وانطلق صوب غايته.

وعند باب العالم، سمع المزارع القروي صوت غناءٍ ولهو، وصخب ولغو، اقترب من الباب فوجده مفتوحًا، دخل فلم يعترضه أحد، وعندها عرف سرّ ضحك أهل القرية ولمزهم؛ فقد رأى رجالًا في شباب وآخرين في شيب، متحلقين يلهون، ويحتسون الخمر، وحولهم من النساء وآلات اللهو ما لم يرَ من قبل.

صدم المشهد صاحبنا، وفكر في العودة من حيث جاء، ولكن شيئًا ما بداخله دفعه إلى أن يتقدم ويسأل أحد السكارى عن العالم، فأشار إلى كهل يجلس في زاوية سكيرًا، اقترب المزارع منه وحدثه بمسألته، لم يبد أن العالم سمع كلمة مما قيل، وبعد أن فرغ المزارع، رد عليه بأن يأتيه غدًا.

غادر المزارع المنزل، وأخذ يجوب الطرقات إلى أن وجد بيت ضيافة، وفيه قضى ليلته حتى طلوع النهار، ثم قصد بيت العالم، ووجده طبيعيًا هذه المرة، اقترب وقرع الباب فسمع صوتًا يدعوه للدخول، دخل فرأى العالم يجلس على إحدى الطاولات يقرأ وأمامه كتبٌ وأوراق وريش ومحابر ومخطوطات بدلًا عن قناني الخمر التي كانت في مكانها الليلة الماضية.

اقترب المزارع من العالم، وعرفه بنفسه، وأنه من أتاه ليلة أمس سائلًا، فقال له العالم: «هات مسألتك».

قص المزارع قصته منذ أن كان يعمل في أرضه ويراقب ما حوله من أعاجيب الكون، ثم قص ما وقع بينه وبين العابد، وأخيرًا قال «ولذا جئتك بسؤالي: هل يستطيع الله أن يضع كل هذا الكون في بيضة؟».

نظر العالم إلى المزارع، ثم اقترب منه بوجهه وهو يبتسم في هدوء، وأجاب بصوت خافت كأنه يُسرها إسرارًا: «ولو شاء لجعلها (تَلُق)».

وهنا نفث صديقنا الحكيم آخر نفس في سيجارته إلى الهواء في استمتاع، ونظر إلى عيني الطفل المبهورتين أمامه، وقد أدى مهمته، وجذب اهتمام الصغير من الصور الكرتونية المتراقصة المبهرجة، إلى صورة واحدة، ما زالت عالقة بذهن الطفل إلى الآن، صورة حكيم… حكيم أميّ!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, قصة, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد