ليست لندن بطقسها الرمادي وحدائقها المبهرجة بجرعة زائدة من الترتيب والزينة، ولا باريس الرومانسية الرقيقة النرجسية، ليست دبي الذهبية المترفة الباذخة، ولا نيويورك البراقة المكتظة الشاهقة.

إنها الحسيمة صغيرة حلوة استقرت هناك على كتف المغرب، شعثاء لا تعرف كيف تتزين، على خدها تتورد الخزامى وأشجار اللوز والزيتون، ترمي ضفيرتها على زرقة البحر فتستوي ضفافها خلابة كالزمرد تأسر قلوب الناظرين، هي الحسيمة بسيطة حد التعقيد، أرادها الله أن تكون شاهدة على إبداعه فسواها مختلفة مميزة عجيبة بجغرافيتها وتاريخها وأبنائها وثقافتها وكلها على بعضها، لتخبر العالم أن التميز يخلفه الستر، أن بعض الأماكن على هذه الأرض من فرط اختلافها وروعتها لا يعرفها إلا القلة ولا يعشقها إلا المتميزون ذوو الذوق النادر وأنها على تميزها تستحق عناء البحث والاكتشاف.

كفراشة شقية تحط على كتف المغرب وعلى خد الأمازيغ ورموش الريف الأكبر صغيرة فتية، على ذراعها الغربي بقيوة وأعلاه ورياغل وتمد ذراعها الشرقي تمسمانًا طويلة إلى أخيها الناظور، تقع هناك على حافة الصفيحة الأفريقية لذلك تهتز وتتحرك أحيانًا كثيرة تحت أقدام سكانها، تخبرهم أنها حية تنبض وتتنفس، وغالبًا ما تهتز في أوقات مصطفاه بدقة تزامنًا مع حزن أو فرح، وكأنها تحكي لأبنائها أنها تعرف ما يمرون به وتشعر به أيضًا.

هي تلال متراصة كعناقيد العنب وجبال شامخة مجاورة بعضها البعض، تربتها صديقة للخزامى والهندباء واللوز والزيتون والياسمين والصفصاف، وأشجار الدفلى التي يسميها الريفيون «أريري» وينشدون فيها «إزران» لأنها على جمالها وزكاء ريحها شديدة المرارة، تمامًا كبعض البشر الذين يخفي جمال مظهرهم مرارة بواطنهم، ولك أن تتخيل أي لوحة تشكلها هذه المكونات حين تلتقي بسواحل زمردية اللون صفية المياه، بشطآن تختلف ألوانها وأشكالها وتضاريسها بين رمال ذهبية على كيمادو وماتاذيرو والسفيحة، وحصيات متفاوتة الحجم بيضاء في بادس وبوسكور، وسوداء في ثارايوسف أو ملونة على امتداد صباذيا، وبين أحجار تكسوها الطحالب والمحارات والصدفات في كلايريس وانومدجاح، لك أن تتخيل كيف تزخر ضفاف مدينة بهذا الحجم والتنوع والتميز في شطآنها، لا عجب إذن أن تكون الأولى وطنيًا والسابعة عالميًا من حيث جمال ونظافة شطآنها!

من أعجب ما يميز هذه البقعة الكونية أيضًا سكانها بطبيعتهم التي كانت مرآة لأرضهم الخلابة، ببشرتهم البيضاء والحنطية أحيانًا، وخدودهم الوردية وتلون عيونهم وشعرهم، فتجد فيهم الأصهب والأشقر والأسمر، والأهم من ذلك ثقافتهم ونمط عيشهم المختلفين، هم ليسوا عربًا ولكن مسلمين، حافظوا على هويتهم الأمازيغية منذ الأزل وتشبثوا بلغتهم الريفية، ورغم ما عرف عليهم من صرامة وقسوة والتزام وعزة نفس إلا أنهم يتمتعون ببعض الصفات الفريدة جدًا التي تأصلت فيهم وتجري مجرى الدم في عروقهم، أحد هذه الصفات صفة الأمان والتعفف إذ أنه على عكس بقية المدن التي تنتشر فيها ظاهرة «الكريساج» أو قطاع الطرق في حلة مستحدثة، يسود في الحسيمة نوع من البرمجة التلقائية ضدها، فلا تستغرب إذا رأيت سيارات توزيع الخبز تمر صباحًا بالدكاكين والمحلات التجارية البسيطة وتترك على أعتابها سلال الخبز وتمضي، متيقنة تمامًا أن الخبز لن يسرق وسيجده صاحب المحل كما هو حين يأتي، والناس تمر به غير آبهة لأنهم مؤمنون حتى النخاع أنه لا مجال لأكل رغيف الغير بغير حق في الحسيمة، وترى دخيًلا يخطف حقيبة فتاة فيبتلى من حيث لا يدري بفيض من الرجال يلقنونه درسًا إن نساه وجدانه لا تنساه جراح جسده، قد تمر بأفقر حي مثقلًا بالذهب والمجوهرات ولن يهتم لأمرك أحد لأن نفسهم شبعانة عفيفة بالفطرة والعرف، لذلك أول ما يخطر في بال من عاشرهم حين تسأله عن الريفيين هي عبارة «أغاراس أغاراس» بمعنى الصرامة والصدق والثبات على الحق.

للحسيمة تاريخ مختلف أيضًا، فمن إقليم هذه المدينة «النكور» كانت أول إمارة إسلامية في المغرب الأقصى كله، وقد كانت هذه المدينة وإقليمها أشد الحصون في وجه الاستعمار الفرنسي الإسباني للمغرب، إذ أنها كانت بزعامة المجاهد المقاوم الكبير محمد بن عبد الكريم الخطابي وسكانها الغيورين على أراضيهم غصة لا تبتلع في حلوق المستعمرين، وبحنكة الخطابي مؤسس حرب العصابات الذي ما زالت تكتيكاته الحربية مصدر إلهام جيوش العالم على رأسها المقاومة الفلسطينية التي لا زالت تعتمد تكتيكات الأنفاق وتلحق الهزائم الشنعاء بالاحتلال الصهيوني إلى يومنا هذا، استطاع الريفيون الذين كانوا أقل عددًا وعدة أن يهزموا جيش الاستعمار الإسباني المنظم المسلح بأدهى الحيل وبكثير من الإيمان والصبر والوفاء.

ومثل جلّ الأشياء المميزة التي تصقلها الأحزان والمحن لتستوي براقة جميلة وكما قال ابن القيم: «من كمال إحسان الله تعالى أن يذيق عبده مرارة الكسر قبل حلاوة الجبر، ويُعرّفه قدر نعمته عليه بأن يبتليه بضدها» مرت الحسيمة بتحديات كثيرة حتى بعد تجاوزها الاستعمار، عانت من القمع والتهميش والتضييق فواجه سكانها سلسلة من الهجمات القمعية العسكرية للحركات الاحتجاجية من 1959 و 1984 و 2011، وكانت آخرها قمعًا عنيفًا واعتقالات سياسية طالت نشطاء حراك الريف 2016 الذي اندلع بعد حادثة مقتل بائع السمك محسن فكري التي كانت النقطة التي أفاضت الكأس بعد عقود من التهميش الشامل للمنطقة، عقب ذلك أحكام ظالمة وصلت العشرين سنة سجنًا في حق خيرة شبابها الذين كان ذنبهم الوحيد هو ممارستهم واجبهم الأخلاقي في النهي عن المنكر، وقد يكون أكثر التحديات إيلامًا للحسيمة هو اتهامها ظلمًا وزورًا بالانفصالية والانسلاخ بينما كل ما تسعى له هذه المنطقة بأبنائها هو القضاء على الفساد والرقي بالوطن إلى أعالي التقدم والازدهار.

هي الحسيمة إذن بآلامها وأحزانها وذكرياتها تبقى من أعجب الأماكن على هذا الكوكب، بصفاتها المميزة مسلمة ريفية أمازيغية مغربية، في هوائها شيء من نسائم الأندلس وكثير من حلاوة الطفولة والطبيعة والأمل وانتعاش البحر التركوازي، فيها الكثير من حب الجدات الأمازيغيات وتورد خدودهن، عفوية الأطفال وألوان الخلخال والزرابي، الكثير الكثير من رائحة الخزامى ولونها البنفسجي الفاخر، هي الحسيمة مختلفة بكل ما يشكلها ويكونها باسمها وناسها البسطاء وشوارعها وحدائقها وحافتها الشاهقة التي تفسح للواقف من خلالها أن يرى العالم بطريقة أخرى، وأن يدرك أن الأرض التي تحمله لا مثيل لها ولو لف العالم شبرًا شبرًا، إنها الحسيمة واحدة لا تتكرر، جنة الله على أرضه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد