إلى السادة الصارخين بأنَّا في طريقنا إلى الهاوية، الغاضبين، المعترضين، المقهورين لأجل مصرنا، ووطننا العربي بالكامل، المرددين الجملة القائلة بأننا على حافة الهاوية، أولئك الذين لطالما صرختُ معهم، غَضِبت، واعترَضْت، لأننا، كما ذكرتُ مسبقًا، اعتقدنا أننا على حافة الهاوية.

سأخبركم بأمرٍ هام. لقد وصلنا وجهتنا، مرحبًا بكم في الهاوية، وفي أعمق منطقةٍ قد يصل إليها غرقى المحيط، وفي الدرك الأسفل من جحيم الدنيا.

نعم، أنا ذلك النوع من الكُتاب، الذين تدعونهم بالمُحبطين، والمُثبطين، والسوداويين. أو ربما الأمر ليس كذلك. ربما علينا فقط مواجهة الواقع، وفهمه، وتصديقه، ومن ثم الاعتراف به؛ لأنه لن يتغير إلا بهذه الطريقة.

قال د. أحمد خيري العمري في أحد كتبه من سلسلة (ضوء في المجرة)، أن الإيجابية ليست كما يظنها الكثير، ليست تلك النظرة الوردية للأمور، والإيمان بأن كل شيءٍ على ما يرام في حين أن «ما يرام» نفسه قد انتحر شنقًا!

الإيجابية ليست كذلك؛ فتلك الإيجابية قاتلة، وغير فعالة، وانهزامية. إنما الإيجابية هي أن ترى بعينيك عتمة الواقع، أن تعترف بمدى سوداويته، وتؤمن بأنك قادرٌ على تغييره. بهذا فقط، يمكن للواقع أن يتغير!

أما بالغرق في الأوهام، أو بالهرب من حقيقةِ أننا غرقنا بالفعل، يشبه هذا تناول جرعة كبيرة من المورفين – المورفين هو مسكن ألم قوي من فئة الأفيونات، يعمل بشكلٍ مباشر على الجهاز العصبي المركزي لتقليل الشعور بالألم – كل ما يفعله، تقليل الشعور بالألم، لا يستطيع إنهاء الألم نفسه، لا يستطيع معرفة سببه، أو إجراء جراحة عاجلة. إنه مسكن آلام.

إذًا، لنعد إلى محور حديثنا الأول، الذي أعتقد أننا حدنا عنه قليلًا. كنت أتحدث عن وجودنا بالفعل في الهاوية! ذلك الذي يمكنك أن تراه في كل مكان، لا ليست «كل» المطلقة، بل «كل» التي عنيت بها الوطن العربي المبجل!

هل نبدو كوطنٍ مسلم؟ الأمر يستحق التفكير، أو التخيل!، والبحث عن الإجابة القاتلة. هل تقول صورنا للعالم، إننا مسلمون؟ ما نظهره على التلفاز، لا يفعل. ما نكتبه في كتبنا، لا يفعل! حتى الأسماء في رف «القراءة» الموجود في حساباتنا على موقع Goodreads لا تفعل!

الصور الملتقطة من داخل الحرم الجامعي، والميادين، والمطاعم وصالات الألعاب لم تفعل. نحن إذًا لسنا على الحافة، نحن هناك بالفعل. لقد وصلنا إلى مرحلة الغرق، إلى مرحلة ضياع الهوية.

لكن هذا لا يعني، بأي طريقةٍ أننا لا نستطيع استردادها، قصدتُ الهوية! حسنًا، عليَّ قولها بطريقةٍ أفضل. نستطيع النجاة، ولكن ليس بهذه الشخصيات، ليس مع هذا الجيل. فلا أحد يستطيع النجاة بالقوارب التي غرقت!

نحن بحاجةٍ إلى عملية ترميم، أو عملية بناءٍ جديد، نصلح فيها ما فسد منذ عقود، نعيد تعريف الإسلام، نُسكنه القٌلوب، والمنصات، وكاميرات التصوير، ومكبرات الصوت. ونحيي تلك الفطرة السليمة، التي قد تلفت، أو قُتِلَت. الفطرة الموجودة بالفعل في قلوب الرُّضع، الذين ما إن يبلغوا عامًا من عمرهم حتى تبدأ عملية سلب الفطرة منهم، وغرس الفساد في أرض معتقداتهم التي لم تنبت بعد.

ربما علينا كذلك أن نستصلح القُراء منا، أن نعيد للكِتاب قدسيته، وللفن روحه، روحه التي خلقت كي تصدح بالحق، والمبادئ، والأخلاق!

لا أستطيع تعداد ما علينا فعله في تدوينة، أو مقالة، أو اثنتين، أو مائة! الأمر يتطلب بضع دقائق أمام المرآة، لينظر كل منا إلى ذاته، قليلًا فقط، فيرى مواضع الضعف فيها، لسيتصلحها. ثم يواجه العالم، بنفسه التي كان قد بدأ في ترميمها، وبعينيه المحاربتين، وبقلبه المؤمن ليستصلحه، ليحييه، ويعيد إلى أوطاننا مجدها.

الأمر أيضًا، يتطلب أن نفعل هذا معًا! قد يبدو كسيناريو لفيلمٍ خيالي، أو قصة أطفالٍ مصورة. لكنه فقط، بالنسبة لكاتبٍ مثلي، ما يجب أن يحدث، وما يجب أن نحارب من أجل حدوثه. لا يوجد هنا عصا سحرية، أو عرافة طيبة! نحن فقط علينا فتح أبواب الجحيم للخروج منه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد