إِنَّ الأَفاعي وَإِن لانَت مَلامِسُها ** عِندَ التَقَلُّبِ في أَنيابِها العَطَبُ

هكذا ألهم شيطان الشعر عنترة بن شداد شطري بيته الشهير، وإن كانت التجارب هي من حنكته للإبداع في هكذا وصف مازال أقوى من عشرات الكتب والمقالات التي تتحدث عن السياسة وقذارتها وتقلباتها، قتل الراقص على رؤوس الثعابين، هكذا وصف صالح نفسه، ولم تكن عنترية فارغة منه، كجعجة من يحسبون أنفسهم على قائمة صانعي السياسة ومحركي اﻷحداث في الشرق السقيم، فالحاوي الذي طالما رقص على رؤوس الثعابين هو الذي جعل من السياسة لا تؤخذ بالرتب واﻷلقاب، فالشاويش الذي لم يتعد مرحلة التعليم الأساسي، وبدأ حياته صف ضابط صغير، عرف من أين تؤتى الحيلة، وكيف تحققها الوسيلة، لقطف ثمار الغاية، فالشاويش الصغير لم يمر عليه الكثير حتى اكتسب طموح الديكتاتورات العرب وجينات المدرسة الميكافلية الكلاسيكية في خمسينات وستينات القرن المنصرم، في عهد ما سمي بالقومية العربية، فصالح الذي طالما تغنى بالقومية تارة، والتعددية تارة، كان من أنجب من جاءت بهم هذه المدرسة التي لا تعرف سوى فلسفة التنكيل والطريق الواحد والحاكم بأمره، وفلسفة كل شيء ونقيضه في نفس ذات الوقت، فلسفة تبديل المواقف في طرفة عين، حليف وعدو، سلام وحرب، وفاء وخيانة، اتفاقات، واغتيالات، وتصفية خصوم، وابتزاز وسرقة ونهب، وادعاء البطولة من منابر الخيانة، وصناعة أعداء تحكمهم قبضته الفولاذية من أقبية أجهزته اﻷمنية ليدير مشهدا إقليميا لطالما أرعب ساسة إقليميين، لطالما ادعوا الحنكة والقدرة.

سياسة صالح مع المملكة العربية السعودية والخليج

لم يكن صالح على وفاق مع المملكة، بسبب الاختلاف المذهبي العقائدي والقبلي والتوجهات السياسية لصالح التي كانت تأخذ منحنى مغايرًا تمامًا في كثير من اﻷحيان عكس سياسة ثلاث عقود، ففي الثلاث عقود المنصرمة لم تستطع المملكة ترويض صالح، فصالح الذي بدأ حياته شاويشا، ولم يذهب لقاعات هارفارد وكامبريدج، ولم يحصل على تعليم ما فوق اﻷساسي، ولا شهادة جامعية، استطاع التلاعب بملوك آل سعود، محور سياسة الخليج، ومركز الثراء، حيثما يشاء، وأينما شاء، ومتى شاء دون جهد يذكر، فالرجل الذي عاش حياة القبلية عرف مكامن قوتها وضعفها، كذلك عرف المملكة وأوتارها الحساسة وكيفية العزف على مكامن الوجع فيها، فكان أكبر ما جاء به في هذا المجال شيء اشتهر به كل طاغية عربي، وهو صناعة العدو، والتحكم به، ومحاربته، وإقناع الجميع بأنك تقاتل ﻷجلهم لابتزازهم، وكانت أشهر أوراقه في هذا المجال جماعة الحوثي، وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب.

صناعة العدو والتحكم به

أدرك صالح مبكرًا سوق صناعة الإرهاب، فصنع تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، ومقره اليمن؛ ليسير في فلك بوش الابن، ويتاجر بسوقه مقدمًا نفسه كمحارب للتطرف والعنف والإرهاب، وأصبحت تصريحاته أكثر اتزانا في علاقاته مع اﻷمريكان، الأمر الذي بدا وكأنه تحالف، فالرجل عرف كيف يأمن بطش اﻷمريكان، وفي بداية اﻷلفية الثانية بدأ صالح يعزف بجماعة الحوثي الشيعية المدعومة من إيران على مكامن قلق وخوف المملكة حيث العدو الوجودي للمملكة، وحيث إيران وحلفاؤها، وشن ست حروب على مدينة صعدة معقل الحوثي وقتل زعيمهم حسين بدر الدين الحوثي وخرب مدينتهم، لكنه لم يقض عليهم؛ حتى لا تتوقف حنفية أموال النفط السعودية التي تمول حربه المقدسة ضد الحوثي ذراع إيران التي تهدد وجودية المملكة، قبض صالح مليارات الدولارات كغنيمة من وراء صناعته لجماعة الحوثي، ولم يكن الراقص فوق رؤوس الثعابين كما وصف نفسه يظن يوما أن يتذوق علقم ما صنع، فصالح الذي لدغته أصغر أفاعيه وأشدهم مكرا وسما فقضت عليه في غفلة من خيانة بعض رجالاته له، بالرغم من حذره الشديد للغاية؛ فقتلته شر قتلة.

صالح وسياسة الرقص على رؤوس الثعابين

اشتهر صالح بتغير جلده كالحرباء، والتنقل بين الحلفاء والجلوس على المائدة الرابحة أوراقها، دون التقيد بأي قيود إلا قيد مصلحته الخاصة، واشتهر بانقلابه على حلفائه، وتصفيتهم إن استشعر خطرهم، فصالح الذي تحالف مع السعودية ضد إيران والحوثي، عاد وانقلب على حليفته الأبرز السعودية مع إيران عدوها الوجودي، ثم عاد وانقلب على الحوثي وإيران ليتحالف مع المملكة ضدهم، فكان هذا سببا كافيا أيضا لينقلب عليه حلفاء الأمس، ويقتلوه شر قتله، بالرغم من علمهم أنهم يخسرون أحد أبرز أوراقهم داخل اليمن.

ما أسباب هرولة السعودية للتصالح مع صالح

أدرك صالح أن تحالفه مع الحوثي لم يعد يجدي، وأنهم يسعون للتخلص منه، فوجه حلفاءه من الحوثي إلى قصف دولة الإمارات بصاروخ كروز استهدف مفاعل براكة النووي في أبوظبي، ثم وجه بضرب عمق الرياض مظهرا بغضه للسعودية، وفي قرارة نفسه كان يعلم أن هذا الصاروخ وغيره مما أطلق على أهداف حيوية بالمملكة، سيحرك المياه الراكدة بينه وبين حلفائه السابقين داخل المملكة، مما يمهد للانقلاب على الحوثي واستعادة سلطته المفقودة في صفقة ما مع المملكة، أهم ما فيها القضاء على الحوثي وإيران باليمن، وفي هذا الإطار كشفت النيويورك تايمز أن صاروخ الحوثيين من طراز بركان-2 سكود، الذي أطلق من أسبوعين باتجاه مطار الملك خالد في الرياض، سقط في قلب المطار على مدرج الإقلاع، وعلى بعد كيلومتر من قاعة الركاب، وعلى عكس ما قالته السعودية وقاله ترمب، فإن نظام باتريوت للدفاع الجوي أطلق خمسة صواريخ لاعتراضه، وكلها فشلت في اعتراضه؛ فجسم الصاروخ الحاوي للوقود، والذي لا يحمل متفجرات، انفصل تلقائيًا قبل 20 كيلومتر من بلوغ الهدف، وسقط في قلب العاصمة. فاعتبرت السلطات السعودية أن الصاروخ سقط بعيدا عن هدفه بالمطار بسبب صواريخ باتريوت. ولكن الفحص كشف أن جسم الصاروخ لم يعترضه الباتريوت، والرأس المتفجر سقط على بعد 100 متر من المدرج؛ مما أزعج الرياض كثيرا، فدفعها لقبول عرض صالح الذي سيكون أهم سبب في مقتله في أقل من ثلاثة أيام من انقلابه على إيران والحوثي.

مقتل علي عبد الله صالح

كان لغرور صالح أثر في مقتله، فصالح الذي لم ير في عينه أبدًا لحظة قلق من الحوثي تلك اﻷفعى الصغيرة التي رباها واعتنى بها ومولها، وسرب لها اﻷسلحة والمال، والذي عدها مطية له، يستدعيها متى شاء، ويركلها متى شاء، أن تقتله! فقتلوه قبل أن يقتلهم، أخطأ الرجل حين ظن أن حنجرة الحوثي لا تستطيع ابتلاعه، فتم اختراق بطانته، وغدر به من حيث أمن، وكان طمعه وجشعه هما سببا قتله، قتل داهية اليمن، ولم يكن يعلم أن اللعب مع إيران يختلف تماما عن اللعب مع السعودية، وهذا ما كلفه حياته، لكن خطأ الشاطر بألف، فالرجل الذي تملكته نشوة امتلاك أوراق اللعبة السياسية في كثير من مراحلها طيلة أربعين عامًا ظن أن لا إيران، ولا الحوثي في اليمن، ولا حتى التحالف، إن اجتمعوا، ما كانوا ليقدروا عليه، ﻷنه الرجل المحنك الذي صنع ميدان اللعبة منذ البداية، وللحق كان من أبرز السياسيين العرب الطغاة، وكان شهيرًا بسياسة التناقضات، حيث تكمن المصلحة وتغير أدوار الصيد، وترتيب اﻷوراق، لكن نقطة تحول حسبها صغيرة، لعب فيه القدر بالقضاء عليه، والحظ لصالح الحوثي، فلو فشل هذا الكمين الذي تسبب بمقتله لاتخذت الحرب مسارا لتكسير عظام دول إقليمية في حلبة هذا الصراع العفن، لكن صالح قتلته لعبته العفنة، واحترقت معه أوراقه، ومع احترامي لعقلية الرجل، إلا أنني أكره شخصه حد احتراقه في جهنم وحده، بسبب ما اقترفه من جرائم، ويتبقى السؤال: أعقمت السعودية أن تلد مثل صالح ليكون بديلًا عن سياسة الكبسة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد