يُعَدُّ ضيف مقالنا الشيخ علي أحمد الجرجاوي، والذي بفضله وصل الإسلام إلى اليابان، من الشخصيات التي أغفلت كتب التاريخ ذكرها، إما سهوًا أو عمدًا، رغم أثرها العظيم في تاريخ البشرية.

وُلِد الشيخ علي الجرجاوي في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، في إحدى قرى محافظة سوهاج في صعيد مصر. حفظ القرآن الكريم في الكُتَّاب، كما تعلم أساسيات الدين على يد عددٍ من علماء مدينة جرجا التي كانت تتمتع بسمعة متميزة في هذا المجال.

وقد أكمل الجرجاوي تحصيله العلمي في الأزهر، ومن ثم التحق بمدرسة القضاء الشرعي ونال إجازتها العلمية. بعد تخرجه عمل في مجال المحاماة والصحافة، وبقيت حياته تسير بشكل طبيعي حتى عام 1906. وهو العام الذي قرأ فيه إعلانًا من الحكومة اليابانية، تعرب فيه عن رغبتها بعقد مؤتمرٍ للمقارنة بين الأديان. بهدف اختيار دين رسمي للدولة. ذلك أنه وبعد انتصار اليابانيين على روسيا عام 1905، في معركة تسوشيما، شعرت الحكومة اليابانية بأنَّ مُعتقداتِها الأصلية، لا تتفق مع تطورهم الحضاري، ما دفع برئيس وزراء اليابان الكونت كاتسورة، إلى الدعوة لمؤتمر الأديان. حيث إنه بالإضافة للدولة العثمانية أرسل بدعوات إلى كلٍ من فرنسا وانجلترا وإيطاليا وأمريكا.

فما كان من علي الجرجاوي إلا أن تحمس للدعوة، ورأى فيها فرصة يجب أن لا تضيع لإيصال الدين الإسلامي إلى اليابان. فكتب في صحيفته الإرشاد، يدعو علماء الأزهر لتنظيم وفد للمشاركة في مؤتمر الأديان. إلا أن دعوته لم تجد آذانًا مصغية. مما دفعه للسفر إلى قريته القرعان وبيع خمسة أفدنة هي كل ما يملك، وذلك لتمويل رحلته إلى اليابان.

وبالفعل بدأ الشيخ علي الجرجاوي رحلته الطويلة من ميناء الاسكندرية، حيث توجهت به الباخرة إلى إيطاليا، ومن ثم إلى عدن، مرورًا ببومباي في الهند، ثم إلى كولمبو في جزيرة سيلان (سيرلانكا حاليًا). ومن هناك استقل باخرة تابعة لشركة إنجليزية أقلته إلى سنغافورة، ومن ثم إلى هونغ كونغ. إلى أن وصل إلى ميناء يوكوهاما الياباني، بعد رحلة طويلة جاب بها نصف العالم.

وهناك ولدهشة الشيخ وجد وفدًا تركيًا أرسله السلطان عبد الحميد الثاني، كما وجد شيخًا هنديًا، وشيخًا أمازيغيًا، وشيخًا صينيًا وآخر روسيًا. جميعهم أتوا على نفقتهم الخاصة تجمعهم غاية واحدة، وهي إيصال كلمة الإسلام إلى اليابان. كما وجد وفدًا مسيحيًا جاء من أـوروبا يضم ممثلين عن كافة المذاهب المسيحية.

وبدأ مؤتمر الأديان في الأول من مارس (آذار) عام 1906، إلا أنه انتهى دون الاستقرار على دين معين، وأعلن الإمبراطور الياباني أن حرية الأديان مكفولة لجميع المواطنين. وهكذا انطلق الشيخ علي الجرجاوي ومن معه من شيوخ الإسلام إلى شوارع طوكيو ومعهم مترجم، يدعون المواطنين اليابانيين إلى الإسلام. وقد قام بتأسيس جمعية للدعوة الإسلامية في طوكيو بالتعاون مع كلٍ من الشيخ الصيني والروسي والهندي. وقد أسفر عن هذه الجمعية إسلام حوالي 12000 ياباني بناءً على تقديرات الشيخ.

في كتابه الرحلة اليابانية، والذي قام بتأليفه ونشره بعد عودته من اليابان، يشرح الشيخ الجرجاوي بأسلوب سلس مسار رحلته إلى اليابان، وكيف قام بالتعاون مع زملائه من أجل الدعوة للإسلام، وذلك بكلمات تخلو من المبالغة. حيث يعد من أفضل كتب الرحلات بالقرن العشرين، وأول الكتب التي كتبت باللغة العربية عن إمبراطورية اليابان. وهو كتاب لطيف أنصح بقراءته. ومما يجدر ذكره أن الشيخ في كتابه قال إنه لو كان اليابانيون يعرفون العربية لما احتاجوا لمبشرين يدفعونهم لاعتناق الإسلام، بل كانوا سيعتنقونه بمجرد اطلاعهم على كتب الدين الإسلامي.

توفي الشيخ علي أحمد الجرجاوي رحمه الله في عام 1961، ومما قيل عنه «أن هذا الرجل لو ظل في اليابان لاعتنق معظم أهلها الإسلام».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!