منذ فترة انتهيت من قراءة كتاب «صور وخواطر» للشيخ علي الطنطاوين وكلما انتهيت من قراءة كتاب للشيخ الأديب القاضي والفقيه علي الطنطاوي تدهشني كتبه الأدبية الرائعة والممتعة وأفارق كتبه بحزن ولعل ما يدهشني في كتبه، هو مواضيعه المفيدة والرائعة وطريقته الشيقة وأسلوبه الواضح. يكتب هذا الشيخ الجليل في كتابه صور وخواطر ما يشاهده ويبصره من مواضيع اجتماعية أو أدبية أو حتى بعض مذكراته وهو صغير وقد استمتعت حقًا بقراءة هذا الكتاب وليس فقط هذا الكتاب الذي أعجبني، بل لديه كتاب رجال من التاريخ هذا الكتاب الذي عرض أبطالًا مسلمين لا يعلمهم كثير منا. والشيخ على الطنطاوي أديب من الطراز القديم فلو تأملت كتاباته لرأيت فصاحة محترفة بأسلوب سهل وواضح وصريح.

الطنطاوي في قلوب الناس

تقول حفيدة علي الطنطاوي عن جدها: «عرف الناس جدي، علي الطنطاوي، من قديم. فكان -كما عرفوه-عالمًا فقيهًا أديبًا كاتبًا خطيبًا متحدثًا داعيًا إلى الحق قويًا فيه، جريئًا على مخالفيه. وكان -بذلك- علمًا من أعلام الأمة في هذا العصر وواحدًا من الرجال الكبار».

وقدم الطنطاوي برنامج يدعى «على مائدة الإفطار» الذي عرض على القناة السعودية خلال شهر رمضان.

ويقول عائض القرني «كان يخرج الشيخ علي الطنطاوي على التلفاز وكان يحبه الناس فيخرج علينا ببساطته وبهدوئه وبسماحته ونكتته وكنا أحيانًا نأكل التمر ولا ندري هل أفطرنا أم لأن كلامه كان عندنا أطيب من التمر وكان يحدثنا عن دمشق، كأننا عشنا بدمشق».

ويذكر أن الطنطاوي كان يحب دمشق حبًا جمًا وقد ذكر ذلك في مذكراته وكتابه (دمشق صور من نضالها وعبر من جمالها) وأدعوكم لقراءة كتبه الرائعة التي يخاطب فيها الناس عامة بلغة بسيطة.

حياته

ولد الطنطاوي في دمشق عام 1909، وكان والده مصطفى الطنطاوي أحد كبار العلماء آنذاك وعرفت أسرته بالعلم وحسن الخلق تعلم الطنطاوي في دمشق وتخرج من الثانوية العامة عام 1928 ثم ذهب ليكمل الدراسة في مصر ودخل دار العلوم العليا ولم يتم السنة الأولى حتى رجع إلى دمشق ودرس الحقوق وأخذ شهادة البكالوريوس.

ويذكر الطنطاوي في كتبه أنه نشر بعض المقالات في مجلة الرسالة، وقد عمل الطنطاوي في عدة مجلات أولها مجلة المقتبس، حيث كتب أول مقالة له وهو في السابعة عشر من عمره، فعمل في الصحافة منذ ذلك الحين ولم يفارقها طيلة فترة عمره. وعمل الطنطاوي في التعليم والقضاء وكان مدرسًا وهو ما زال في السابعة عشر نعم في السابعة عشر وسافر إلى العراق وعمل فيها معلمًا ثم رجع إلى دمشق، وفي عام 1963 انتقل الطنطاوي إلى السعودية وعمل فيها ودرّس في مكة و جدة كما قدم عدة برامج على التلفزيون السعودي وبقي في السعودية حتى وفاته، ورزق الطنطاوي بخمس بنات استشهدت إحداهن في ظروف غامضة كون زوجها عدنان العطار، القيادي في جماعة الإخوان المسلمين في سوريا. وتقول ابنته الأخرى: كان والدي قلقًا على أختي، وكان قد حدثها واتصل بها وقال إنه قلق جدًا قبل مقتلها بساعة وعند وفاتها قال (أنا خبرتها صباحًا).

قبل وفاة الشيخ الجليل اعتزل الناس فأغلق الشيخ بابه وتفرغ للعلم والعبادة وقال في مذكراته للقراء:

«هي هذه الذكريات التي طالت حتى سئمتموها ومللتم منها، فسأدع الآن حديثها.

لقد عزمت على أن أطوي أوراقي وأمسح قلمي، وآوي إلى عزلة فكرية كالعزلة المادية التي أعيشها من سنين، فلا أكاد أخرج من بيتي ولا أكاد ألقى أحدًا من رفاقي وصحبي. ثم قلت: أسأل القرّاء وأسأل صاحبَي الجريدة، فإن شاءوا اعتزلت. ولقد وضعت استقالتي تحت أيديهما من سنين ثلاث. وإن شاءوا جعلت بدل الذكريات خواطر ومشاهدات، على أن يسمحا لي ويسمح القراء قبل أن أدعها أن أُكمِل شيئًا شرعتُ فيه».

وتوفي الشيخ رحمه الله عام 1999 نتيجة ضعف قلبه فقد بلغ تسعين سنة رحمه الله وكان قد كثرت زيارته إلى المستشفى فانتقلت روحه الشريفة إلى بارئها وصلي عليه في الحرم المكي ويقيت أعماله وكتبه محفوظة في أرفف المكتبات حتى يومنا هذا.

مما قاله الطنطاوي:

وحين تصير المتعة واجبًا تفقد جمالها، هذه هي طبيعة النفس البشرية.

العراق ينام لكنه لا يموت.

إنّ الرابطة الإسلامية رابطة (إنّما المؤمنون إخوة) معجزة من أعظم معجزات الإسلام.

إنّ العمر لا يقاس بطول السنين بل بعرض الأحداث.

إنّ الناس يموتون في سبيل العقيدة، وما ماتت عقيدة قط من أجل حياة.

إنّ ذكرى اللذة مؤلمة، وذكرى الألم لا تسر.

متى صلحت أخلاقنا، وعاد لجوهرنا العربي صفاؤه وطهره، وغسلت عنه الأدران، استعدنا فلسطين، وأعدنا ملك الجدود.

لماذا يبكي الشيخ على شبابه ولا يضحك الشاب لصباه.

الاستعمارُ العسكري انتهى، ولكن بُلينا باستعمارٍ شر منه هو الاستعمار الفكري والاجتماعي.

للصدق رائحة لا تشم بالأنوف ولكن تحس بالقلوب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد