يتحدث كثير من المتعلمين عن المنطق وهم لا يعرفون شيئًا عن ماهيته .فهم يقولون عن كلام أحدهم بأنه منطقي، وعن كلام آخر أنه غير منطقي، فإذا سألتهم لماذا، حكوا رؤوسهم حيرة وافرنقعوا من غير جواب. بهذه الكلمات يتطرق عالم الاجتماع العراقي الراحل علي الوردي حول نمط التفكير الأرسطو طاليسي الذي يفكر به العقل العربي عادة، ولم أجد كتابًا خطه الوردي حسب ما أتيح لي إلا وكان بطريقة أو بأخرى يصارع فيهدم هذا المنطق الذي تغلغل في عقولنا وتوارثته الأجيال بفعل التواصل مع الإغريق قديمًا، ليس هذا فحسب بل أكاد أجزم أن هذا المنطق يعد أكبر معضلة يواجهها أي عالم اجتماع في بيئتنا العربية والمسلمة، وقد كان ابن خلدون من أوائل الثوار الذين حاولوا هدمه، وظل يبرهن على سوء حظ المفكر المنطقي بقوله: «إن صناعة المنطقي غير مأمونة الغلط لكثرة ما فيها من انتزاع وبعدها عن المحسوس»، ويعتقد ابن خلدون أن العامي البسيط قد ينجح في الحياة الواقعية المتغيرة أكثر من المفكر؛ وذلك لأنه يكيف نفسه مع الواقع كما هو من غير أن يلجا إلى سبيل منطقي أو مسلك نظامي؛ فالمنطق في نظره لا يأخذ صورة حقيقية للحياة، لذا فهو يعرقل صاحبه في النجاح فيها، وقد دل التاريخ على أن كل المفكرين القدامى قد فشلوا في حياتهم، إلا من رعاهم أمير أو غني.

أصحاب المنطق الذي أرساه أرسطو طاليس كما وصفهم الوردي يعدون الشيء جاهزًا انتهى أمره، وهذا منطق المتعصبين دومًا؛ ولذلك يطلقون عليه حكمًا نهائيًّا مطلقًا، وما هو إلا صورة فوتوغرافية ثابتة في لحظة زمنية عابرة، قد تتغير في أي وقت مقبل، وقد قيل في النصائح «لا تخف إلا من المعمم»، ومن عاداتهم أيضًا أنهم لا يميزون بين الممكن وغير ممكن في طريقة تفكيرهم؛ لذلك كره المفكرون القدامى منطق السفسطة المناوئ لمنطقهم؛ لأنه ينزلهم من أبراجهم العاجية الشاهقة. إنهم فقط يريدون أن يصعروا خدودهم عن الناس، وينظرون إليهم من زاوية غير الممكن، ويتباهون بما لديهم من أفكار واصطلاحات لا يفهمها عامة الناس، ولهذا نراهم حاربوا السفسطة حربًا بلا هوادة، وينظرون إلى عالمهم المثالي الذي لا وجود له في الواقع، مما تسبب في غرقهم في بحر الأوهام والخيالات، حتى صار هذا عاملًا مهمًّا في عزل المفكرين عن الناس، فانقسم بسببهم الناس إلى طبقتين؛ طبقة ظلت في برجها العاجي، وهم المثقفون، وأخرى متمثلة في عامة الناس، وظلت في الحياة وضروراتها المتقلبة، ويرجح سبب عزل الطبقة الأولى لكون مفكري اليونان الذين ابتدعوا هذا المنطق يملكون وقتها عددًا لا يستهان به من العبيد لخدمتهم؛ مما ساهم في عدم فهمهم للواقع الحقيقي والمتغير، وعزز من اتساع الهوة بين الطبقتين.

هنالك قوانين معروفة لهذا المنطق، والقانون الأول هو قانون الذاتية، وهم يعبرون عنه بقول الشيء هو هو. ويمكن نعت هذا القانون بقوله الحقيقة الثابتة، ومؤداه أن الثبات أو السكون هو أصل الكون، وهذا كان قديمًا بلا شك؛ فالعلم الحديث اليوم غلب هذا المفهوم رأسًا على عقب، وأثبت الفيزيائيون أن الحركة والصيرورة جزء أصيل في الكون، ولا وجود للثبات لها في الخليقة؛ فالكل في حركة مستديمة.

والقانون الثاني: يسمى قانون عدم التناقض؛ أي إما أن يكون حقًّا و إما باطلاً، ولا يمكن أن يكون حقًّا وباطلًا في الوقت نفسه، والحقيقة المطلقة غير موجودة في الحياة الاجتماعية كما هو الواقع، وإن وجدت فإن العقل البشري لا يستطيع أن يفهمها؛ لأنها مقيدة بقيود اجتماعية ونفسية وحضارية، وقد أشار «هيجل» إلى أن التناقض جزء أصيل في هذا الكون، وأشار إلى هذا ابن خلدون من قبله بقرون؛ فقد قال في تاريخ الأسر المالكة والدول التي حكمت الإسلام وغيره، ففي بدايتها تكون صالحة، من ثم تكون طالحة، وكذلك المليح في نظرك قد يغدو قبيحًا أحيانًا، وهو مليح وقبيح في الوقت ذاته، وغيرها من التناقضات وأجاد الشافعي عندما قال: «وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ. وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا».

أما القانون الثالث فهو قانون الوسط المرفوع، ويقصدون بذلك أن العالم كله مكون من طرفين لا ثالث لهما، وهو جانب الحق أو جانب الباطل، وجانب الجمال أو جانب القبح، جانب الخير أو جانب الشر، وهذا منطق الوعظ والصراع المذهبي، ويقول شيلر في وصف المنطق: « إن الحقيقة في ضوء المنطق القديم واحدة، والآراء يجب أن تكون متفقة؛ فأنت إما أن تكون مع الحقيقة أو ضدها، فإذا كنت ضدها فأنت هالك، أما إذا كنت مع الحقيقة فليس لأحد أن يجرؤ على مناقضتك أنك محق إذا غضبت على أوليائك الذين يجرؤون ويجادلون في الحقيقة، وهي حقيقتك، أو بالأحرى هي أنت إذا جردت نفسك من مشاعرك البشرية»، وقد أثرت نظريات علمية كثيرة في علم النفس والاجتماع في دحض هذه الفكرة، فلا يوجد هناك حد فاصل مثلًا بين الجنون والعقل، فكل إنسان في رأي علم النفس مجنون إلى حد ما، والفرق الاعتباري بين المجنون والعاقل ناتج من اختلاف درجة الجنون بينهما شدة وضعفًا.

منطق أرسطو هذا كما يقول الوردي يصلح للوعظ والمشاغبة معًا؛ فالواعظ الذي يرقى إلى المنبر لإنذار الناس بالويل والثبور، وأيضًا المشاغب الذي يبحث عن عيوب الناس لينتقدها، ويصلح أيضًا للهجوم والدفاع؛ فهو منطق الوعظ لا الاتعاظ، إذ إن المولع به شديد في وعظ غيره غير مبال بالاتعاظ بنفسه، وهذا سبب له تناقضًا كبيرًا؛ فيقع كثير من المشايخ فيه حتى يقعوا في تناقض منطقي كبير، وكثيرًا ما وجدناهم ينصحون الناس بعدم الانجرار إلى المدنية، ولكنهم يتركون أبناءهم ونساءهم ينجرفون بها!

وفي هذه البيئات الدينية نجد الجدل محتدًّا كثيرًا بين المتجادلين ليروا أيهما أكثرر إفحامًا لخصمه وأقوى لسانًا، وأعلى صوتًا، وهذا يؤدي إلى ازدواج الشخصية؛ فهو في عقله الباطن قد نسي الحقيقة وطلبها، ووجه اهتمامه حول التغلب على خصمه وانتصارًا لرأيه فقط، بينما في الظاهر يتظاهر بنيل الحقيقة، والجدل كما هو معروف قد يسكت الإنسان ويفحمه أحيانًا، لكن لا يقنعه؛ فالعوامل النفسية والاجتماعية هي التي تقنعه في الأغلب، ويا ليت قومي يعلمون.

يشدد الوردي ويقول لا بد بين التفريق بين قوانين الفكر وقوانين الواقع؛ لذلك نرى من اعتادوا على أن يتجادلوا ويخطبوا ويكتبوا حسب منطق أرسطو، فإذا دخلوا يطلبون الرزق أو المنصب أو الجاه، وجدتهم قد نسوا ذلك المنطق وانجرفوا مع الواقع ينهلون منه نهلاً، وهم قد أصبحوا شخصيتين، شخصية حينما تفكر، وشخصية حينما تعمل، وأن المبتلى بمنطق أرسطو يؤذي نفسه ويعرقل سبيل نجاحه من نواحٍ ثلاث، يحددها الوردي ويقول:

1: يكون أولاً كثير الأعداء، قليل الأصدقاء بسبب كثرة جدله ومخاصمته للآخرين، وذلك لجهله بأن كل ما ثبت بالجدل ينقض أيضًا بالجدل.

2: يتصور الناس كلهم منطقيين في أعمالهم، ويفترض أن يسيروا وفق القياس الأرسطو طاليسي، فإذا رآهم يسيرون على نقيض ما يتصور صرخ غاضبًا، وأخذ يخطب ويعظ وينذر الناس بالويل والثبور، لكن كما قيل، من لم يساير الزمن داسه السائرون بأقدامهم.

3: هذا النمط من التفكير يحول بين الفرد وبين استثماره لقواه النفسية الخارقة، وذلك بقتله الحدس، فلو أن اللاعب في الميدان كان من أتباع أرسطو لا سمح الله، وأخذ يفكر أثناء اللعب تفكيرًا منطقيًّا، إذ لا يقوم بحركة إلا بعد تأمل عميق، فإنه بلا شك سيكون في حضيرة المارستان بعد زمن قصير أو طويل.

خلاصة الأمر أن هذا المنطق يصلح لزمان قد مضى، ولا يصلح لهذا الزمان الذي نعيش فيه؛ فقد كان الإنسان في الماضي لا يخرج من بيئته التي نشأ فيها إلا نادرًا، أما اليوم فعلى العكس تمامًا، فكلما تقدم الزمن خطوة ازداد التواصل بين البشر، ولعلنا لا نخطئ إذا قلنا إن الإنسان كلما ازداد تجوالًا في الآفاق، واطلاعًا في الآراء المختلفة و الأفكار، قل تعصبه وتجبره ولا ينكر الوردي وجود الحقيقة، ولكنه يرى أنها في الواقع بنت البحث والمناقشة لا غير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد