إن المراقب لأحوال مجتمعاتنا العربية في هذا العصر ليعجب من تجاور المتناقضات!، فالإصلاح العمراني والاقتصادي والصناعي لم يصاحبه إصلاح مماثل على صعيد الوعي والتفكير، وفي هذا يقول المفكر اللبناني منح الصلح: “مما أضر بالثورة العربية التبسيط المبالغ في فهم وتطبيق الفكرة التي تقول: غير أوضاع الإنسان الاقتصادية والاجتماعية يتغير الإنسان، فتغيير الأحوال الاقتصادية وشؤون المعاش لا يستلزم بالضرورة أن تتغير نظرة الإنسان إلى الذات والحياة والعالم. ذلك وهم، لا بد من أن يكون هناك جهد فكري وثقافي مواز للجهد الاقتصادي والاجتماعي كي نعجل في تحقيق التجانس بين الفكر والمصلحة التي يمثلها”.

 

هذه الحقيقة عبر عنها بطريقة مختلفة رجلان ينتميان إلى ثقافتين لا تشبه إحداهما الأخرى، أحدهما هو المستعرب الياباني نوبوأكي نوتوهارا صاحب الكتاب ذائع الصيت (العرب، وجهة نظر يابانية)، والآخر هو عالم الاجتماع العراقي الشهير الدكتور علي الوردي، قضى الأول أربعين سنة من عمره متجولًا في أنحاء العالم العربي، مصاحبًا لأبنائه ومطلعًا على آدابه وشاهدًا على أحوال مجتمعاته، بينما أفنى الآخر حياته دارسًا ومراقبًا ومحللًا – بأسلوب أكاديمي رصين – لمراحل تطور البيئة الاجتماعية في وطنه العراق واتخذه نموذجًا لفهم المجتمع العربي الأكبر، وتوصل الرجلان إلى نتائج متشابهة تكشف عن الطابع الموضوعي لمشاكل المجتمع العربي التي يصعب إنكارها.

 

قمع الطفولة في التربية والتعليم
تبدأ إشكالية التخلف في البيئة العربية من محيط الجماعة الأصلية (العائلة أو العشيرة أو الطائفة) التي يحيى الفرد في كنفها لحظة خروجه إلى هذه الدنيا، حيث تلعب دورًا رئيسيًا في تشكيل تصوراته الأولى للحياة، وتقوم بتأطيره وفق قيم وتعاليم محددة تبلورت مع مرور الوقت وتحولت إلى قوانين رادعة لأي محاولة تمرد على ذلك الكيان، هذه القوانين يطلق عليها الدكتور علي الوردي “التماسك العائلي” وهي السبب في العصبية الشديدة التي تترجمها عادة الثأر بصورة واضحة، وهي تتسبب بصورة مباشرة فيما يسميه نوبوأكي نوتوهارا بـ “قمع الطفولة” حيث تذبل المواهب الفردية التي يحملها الطفل، بل إن مصير الطفل ومستقبله – في بعض البلدان العربية – يتحدد بمجرد ولادته.

 

عندما يكبر الطفل بهذه الشخصية المقموعة فإنه يطور أنماطًا معينة للتكيف مع المجتمع ورعاية مصالح العائلة، ويبرز عدم الشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع كإحدى إفرازات التعصب للعائلة أو العشيرة أو الطائفة أو غيرها من الانتماءات الضيقة، وغالبًا ما تشتهر البيئات العربية بعدم محافظتها على نظافة الممتلكات العامة لأنها لا تنتمي لنطاق المقتنيات الخاصة للعائلة، يقول علي الوردي متألمًا: “لقد بنى عمدة البلدة عددًا من المراحيض لكن الأهالي لا يزالون يتبعون عادتهم القديمة في التبول والتغوط في الشوارع وسواحل الأنهر”، ولا يخفي نوتوهارا دهشته من معاملة الناس “العدوانية” لكل ما يخص الملكية العامة، فالمقاعد في الحدائق مكسورة والأبواب في المتنزهات مخلوعة ودورات المياه قذرة “بشكل لا يوصف” ومعظم مصابيح الشوارع محطمة وحتى المباني الحكومية لحق بها مختلف أنواع التخريب، في إشارة إلى اللامبالاة التي تطبع تصرفات الناس تجاه مجتمعهم.

 

يشير الدكتور علي الوردي إلى أن عملية سحق الفرد تتخذ أسلوبًا منهجيًا في التعليم خصوصًا في المرحلة الابتدائية، حيث يعطي الأب الضوء الأخضر للمعلم بقوله :”لك اللحم ولي العظم”، ويذكر نوبوأكي نوتوهارا كم تألم وهو يسمع بكاء الأطفال في المدارس التي زارها، فهذا الإرهاب الذي يمارسه المعلم – بتشجيع مباشر من الأب – يجعل الطفل يشعر بالعجز وفقدان الحماية، “واحترام الطفل لذاته هو الثمن الذي يدفعه لتعزيز سلطة الأب، والسلوك العدواني الذي يتبعه الأطفال الكبار تجاه الصغار ليس مجرد استئساد عليهم بل هو أيضًا محاكاة لسلوك الكبار ووسيلة للتفريج عما يعانونه من إذلال”، ولذا فإن احتقار الضعفاء ومن هم أقل شأنًا يصبح طريقة عفوية لتأكيد قوة الذات، حيث يصبح الحط من قدر الآخرين والاستهزاء بهم الطريقة المثلى للشعور بالعزة والأنفة.

 

ازدواج الشخصية والكبت الجنسي
ازدواج الشخصية ملمح آخر من ملامح إشكالية القمع الناتجة عن أساليب التربية، وهي – كما يؤكد علي الوردي – ناتجة من تصارع منظومتي قيم متناقضتين في ضمير الفرد، تنتمي إحداها إلى المثل الدينية بينما تتعلق الأخرى بالمتطلبات الاجتماعية المعاصرة، الأولى تركز على احترام التقاليد بينما تصر الثانية على ضرورة التغيير، فيضطر الفرد أحيانًا إلى إظهار التمسك بالأولى مراعاة لشرف العائلة بينما يندفع وراء الثانية تحت ضغط الواقع، يقول نوبوأكي نوتوهارا: “الرجل العربي في البيت يلح على تثمين قيمته ورفعها إلى السيطرة والزعامة، أما في الحياة العامة فإنه يتصرف وفق قدراته وميزاته ونوع عمله، وهذان الوجهان المتناقضان ينتج عنهما أشكال لا حصر لها من الرياء والخداع والقمع”.

 

والكبت الجنسي نتيجة طبيعية للقمع اتفق عليها معظم علماء النفس، ولقد أكد سيغموند فرويد على تأثير هذا الكبت على التطور الذهني، وألف تلميذه الشهير فيلهلم رايخ كتابًا بعنوان (تحليل النفسية الفاشستية) جاء فيه ما نصه: “عندما يكون الجنس محرمًا ينتج عن ذلك إضعاف القوى الذهنية لدى الفرد وخصوصًا مقدرته على النقد والتقييم”، ولهذا السبب لاحظ المستعرب الياباني أنماطًا مختلفة لانفجار المخزون الجنسي المقموع في البيئة العربية على الرغم من اعتبار الجنس “أمر قذر” في الوعي الاجتماعي، ويشدد عالم الاجتماع العراقي على الارتباط الطبيعي بين التزمت ضد النساء وانتشار الكبت الجنسي “مما جعلهم يلجؤون إلى أنواع من اللهو غير سليمة وقد لا تخلو من رقاعة والتياث”.

 

احتقار المرأة وتقديس القوة وعقدة الشرف
وتبدو العلاقة مع المرأة والنظرة إليها نموذجًا صارخًا للإخضاع وكسر الشوكة، وبما أن دورها في تنشئة الطفل محوري وأساسي فإنه من الصعب أن نتوقع حدوث تغيير إيجابي في المجتمع إذا بقيت العلاقة والنظرة إلى المرأة على حالها، ويستغرب نوتوهارا من عادة حجب المرأة الشائعة في المجتمعات العربية خصوصًا في الأرياف حيث يقول: “وفي الريف على المرأة الجميلة أن تختبئ في البيت وكأن الجمال لعنة أو ملكية ضيقة ليست للظهور أبدًا”، ويوافقه في هذا الرأي علي الوردي حين أكد أن السبب وراء هذه الظاهرة هي اعتقاد الرجل أن المرأة أقل مكانة منه لضعفها وعدم قدرتها على القتال “ولذا فهي اختصت بالأعمال التي يستنكف الرجل من القيام بها وهي إدارة شؤون البيت”، بل بلغ به الأمر أن يستغلها اقتصاديًا ويعرضها للبيع باسم الزواج.

 

احتقار ضعف المرأة يربطه علي الوردي بطبع متأصل لدى الإنسان العربي وهو “تقديس القوة وحب الغلبة”، فالفرد في المجتمعات العربية لا يحترم إلا الأقوياء ويتسلط على الضعفاء ويقدس قيم الفخر والقتال ويكره الضعف والجبن بل ويراه عارًا يخدش المروءة، وقد لاحظ نوتوهارا أن الناس في العالم العربي غالبًا ما يكررون سؤاله عن سر عدم انتقام اليابانيين لـ “كرامتهم” من الولايات المتحدة بعد تدميرها لمدنهم! فيجيبهم أن المسألة لا علاقة لها بالكرامة وإنما بفهم الواقع وتقدير المصالح ونقد الذات والتخطيط للمستقبل، وعندما اتهم الكاتب يوسف إدريس الشعب الياباني بأنه يعاني من عقدة الدونية؛ رد نوتوهارا على هذا الاتهام بقوله: “العرب هم من يعانون من عقدة الشرف لأنهم يخافون مما يسمونه العار”!

 

تقديس الزعماء ومستقبل الإنسان العربي
الزعيم الحقيقي – في تصور نوبوأكي نوتوهارا – لا يلهث وراء السلطة نظرًا لارتباطها بالمسؤولية والوعي بالواجب، ولذا فهو يتعجب من الصورة الرمزية الكثيفة للزعيم في العالم العربي، فبعد وفاة كل رئيس يخرج الناس إلى الشوارع يصرخون ويندبون ويهتفون للرئيس الراحل، يتساءل المستعرب الياباني: “لماذا يحتاجون زعيمًا إلى هذه الدرجة؟”، ويأتيه الجواب من عالم الاجتماع العراقي الكبير حين تحدث عما يسميه بـ “العقدة النفسية” التي يحملها الكثير من أفراد المجتمع العربي تجاه الحكام، حيث انتشرت عادة “التباهي” بمعاشرة الزعماء والتقرب إليهم، بل بلغ بهم الحد إلى افتراض أن السلوك المتكبر والمتعالي من قبل الشخص المحترم أمر بديهي، فإذا تواضع لهم وخفض لهم جناحه استهانوا به وتجرأوا عليه، “وهذا جعلهم يتخيلون أن التعالي والمكانة أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، فإذا تواضع أحد الكبراء لهم كان ذلك دليلًا على فقدان مكانته العالية”.

 

في عالمنا المعاصر الذي أصبح قرية صغيرة يتناقل فيها الناس ما يحدث حولهم بسرعة خارقة، صار من الطبيعي أن تظهر مأساة المجتمع العربي الذي جمع بين عقدة الشعور بالذنب والخطيئة مع سلوك إنساني مغرق في الهمجية والبدائية، وكأن قدر الإنسان العربي أن يحمل معه عقدة الذنب إلى الأبد، وهو يصارع نفسه لكي ينسى لعل النسيان يساعده على اكتشاف ذاته اكتشافًا مباشرًا بلا توسط للحقائق الزائفة والأوهام، ولكنه لم يفلح فالذاكرة أقوى من النسيان لدى أصحاب النفوس المعذبة!

 

يقول نوبوأكي نوتوهارا: “تحت ظروف غياب العدالة الاجتماعية تتعرض حقوق الإنسان للخطر، ولذلك يصبح الفرد هشًا ومؤقتًا وساكنًا بلا فعالية لأنه يعامل دائمًا بلا تقدير لقيمته كإنسان”، وعندما يحاول الإنسان العربي ترميم ذاكرته الثقافية (نصوص وتعاليم وعادات وتاريخ) من خلال تأويلها وإعادة اكتشافها وتلوينها فإنه يفجع بمقدار التماهي الذي يكتشفه بين ذاكرته وبين التخلف والانحطاط الحضاري، فيتألم حينها لأنه اكتشف سقوطه في براثن ذنب لم تقترفه يداه، وهو لا يتوقف عن البحث عن بصيص من نور يدفعه إلى تحقيق الغفران وصفاء النفس وطهرها، ولكنه لا يختم فصول حياته في هذه الدنيا إلا بذلك الإحساس الأزلي بالذنب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد