ثمة آراء كثيرة يعج بها رأسك حول قضية ما. فتهرب مضطرًا من التفكير فيها تجنبًا لذلك الصدام الذي قد يقودك دون أن تشعر إلى نهاية عصيبة. نهايات قد تحاصرك من كل جانب وتسألك: أتصدق هذه الأفكار؟ أم لا تصدق؟ تزجك غصبًا في هذه الأخاديد الضيقة الكائنة بذهنك. وتمسك بك من ياقتك، تجرك بعنف وتقول لك مهددة: والآن ماذا قلت؟

لمحت كتاب (مهزلة العقل البشري) للدكتور علي الوردي صدفة من بين بضعة كتب. ولحسن الحظ أو لسوء الحظ (لا أدري تحديدًا) كان في جيبي المبلغ الكافي لشرائه. لم أقرأ من قبل للدكتور الوردي إذ كنت أعتبر قراءتي له (حربًا داخلية مؤجلة). بداية، حاولت أن أقرأ الكتاب من دون مسلمات واجهتدت في ذلك، ولكني سرعان ما أخفقت. إذ استفزني الكاتب ببعض المفردات التي جعلت ذهني يبني مضادات تجاهه، ويرفض أي معلومة تأتي من هذه السطور ويحاول نقدها بل وحتى شتمها.

استأتُ من ذهنيتي أول الأمر وتركت الكتاب ساعاتٍ من أجل استرجاع ذهنية المتعلم وتغليبها على الذهنية الحاكمة. بدأت أقرأ، وكان أكبر همي أن لا يؤثر أي مسلم أو معلومة سابقة ضد الكاتب على قراءتي. ولإحداث التوازن بدأت بحثًا بسيطًا عن آراء تثني على الكاتب وترفع من شأنه. لا أزعم أني وصلت إلى هذه النقطة ولكني كنت قريبًا منها. قريبًا بالشكل الذي يسمح بالقراءة الموضوعية.

أثناء القراءة كنت أدون بعض الملاحظات التي كانت تقفز إلى ذهني وأسجل ردود أفعالي. سجلت الكثير من الملاحظات، إيجابًا وسلبًا ولكني ارتأيت أن لا أكتب عن الكتاب باعتباري ناقدًا بل ملاحظًا. لقد أُلفت كتبٌ عدة ومقالات كثيرة في نقد الكاتب واعتبرته متناقضًا ومستشرقًا وانتقائيًا. ولقد دافع عنه الكثير. لست هنا لأدخل في تفاصيل كل ذلك؛ ولكن وددت أن ألفت الانتباه إلى عدة فقرات.

ذات يوم انتهى مطاف الجولة التسوقية بي إلى مكتبة في مكان متسخة من سوق بعقوبة القديم. كان صاحب المكتبة أقرب إلى الجنون منه إلى العقل، غريب الأطوار لا يبحث إلا عن المال. لمحت كتاب (وعاظ السلاطين) الذي قد سمعت عنه كثيرًا فيما مضى. استشرت صاحب المكتبة بكل لطف: عن ماذا يتحدث هذا الكتاب؟ فقال بأسلوب طارد: لا ينفعك هذا الكتاب إذ يتحدث عن زمن غير هذا الزمن.

لم أكُ لأقتنع بهذا لولا وسوسة جيبي الماكرة: سعره 20 ألفًا يمكنك شراء أربع روايات بدلًا عنه! عندما أنهيت قراءة الكتاب استعادت ذاكرتي هذا الموقف وقادتني إلى معيارية الزمن. يمكن لكاتب ما أن يبهر أبناء جيله وتكون كتبه الأكثر مبيعًا حينها وتشتهر كلماته. ولكن يصعب على القراء أحيانًا المفاضلة بين كاتب وكاتب آخر.

قد تندثر بعض الكتب أعوامًا بعد وفاة كتابها ثم تعود إلى الحياة. وقد يعجب العين بريق كتاب ما ثم وبفعل الزمن يبدأ البريق بالتلاشي تدريجيًا حتى يصدأ ذكر الكتاب بعد مدة. الكلمات قوية جدًا، قوية بالدرجة التي تجعل المقارنة أمرًا شاقًا. وحده الزمن من سيخبرنا هل الكلمات التي قيلت كانت جيدة أم لا؟ قوة الكلمة بقدرتها على عبور الزمان وخصوصًا تلك الكلمات التي تكتب في العلوم الاجتماعية.

وجدت في كتاب (مهزلة العقل البشري) زمنًا يتباعد عن زماننا الذي نعيشه الآن، فنحن نعيش في (عالم مضطرب) أنهكته كثرة النزاعات والحروب والدمار، والكتاب يعيش في عصور ثورية قديمة. يمكن النجاة من حفرة الزمن بالتمسك بالثوابت والأسس وأعني بها: نصوصًا لا تكترث إلى تغير الزمان والمكان. لقد أجاد الكاتب في فصلي كتابه (الخامس والسادس) واللذان تحدثا عن مفهوم التنازع والقوقعة البشرية مبينًا واقعًا عامًا يعيشه البشر في أغلب أوقاتهم.

يمكن للناس أن تقول أشياء كثيرة، تعتقد أنها صواب ويمكنها استخدام وسائل عدة لإقناع الآخرين بها ولكن نهاية المطاف لا أحد يقول ما يحلو له، إذ إن أي صوت يصدر تتلقفه موجات صوتية معاكسة ما لم يحكم هذا الصوت تردده ويضمن موجاته بالأسس التي لا تترك فرصة لأي تشويش.

حتى لا نذهب بعيدًا قد نتجرأ ونقول إن العلوم الاجتماعية قابلة لصناعة عقليات أكاديمية متشعبة أكثر من العلوم التجريبية. سنواتي في كلية هندسية ربما جعلتني أبحث عن القوانين كلما داهمتني مشكلة أريد تحليلها. ولعلّي مضطر لشكر علم الهندسة كثيرًا لأنه أخرجني من العقلية الأدبية التي تغرق في الوصف كثيرًا.

ربما كانت عقلية المهندس تميل إلى المعادلات مما يجعلها حرجة من اختيار المفردة؛ لأن الكلمة عند هذه العقلية أكبر من كونها مفردة مجردة. العقليات الأكاديمية الاجتماعية مبدعة في الاشتقاق والتفاصيل أكثر من تكوين المعادلات. وهذا الرأي أميل إليه كثيرًا في نفسي مع ملاحظة مهمة أن عقلية المهندس أو الاجتماعي لا تنحسر شرطًا بطالب الهندسة أو طالب علم الاجتماع مثلًا.

بشكل أو بآخر وجدت عقلية الوردي ميالة إلى الاشتقاق أكثر منها إلى تكوين المعادلات وهذا الأمر قد يعطي المدكر مرونة عالية ولكنه مهدد بغياب البوصلة.

الخروج على التراث في سبيل الحقيقة!

الناس لا يحرقون أنفسهم بسهولة، ولا يقطعون أطرافهم بطرًا ولا يبدلون جلودهم. إنهم مجبولون على التمسك بما يملكون يأخذون العهود على حفظه وحمايته من التشويه والتمييع حتى لو دفعهم الأمر إلى التطرف أحيانًا.

استبدال جلد تالف وقطع طرف فاسد من أجسادنا صعب. لن تقنعنا أقوال مثالية عن الحياد والموضوعية لنكون كذلك. لن تخرج أذهاننا من قوالبها بشكل سليم. لذا ووفق هذه المهمة الصعبة علينا الكف عن الادعاء أولًا والمحاولة ثانيًا.

يشرح الوردي في كتابه (وعاظ السلاطين) حدثًا تاريخيًا مثل انعطافه في مسار المجتمع المسلم، ومن الصعب على السيد المولود في بيئة دينية أن ينزع زيها ويرتدي ما يرتديه الباحثون.

لقد أجاد الوردي في الغوص عميقًا في النفس البشرية ومقارباته بين المنطق القديم والمنطق الجديد منطقية؛ ولكنه كلما أسقطها على الواقع التاريخي سقط معها من العقلية العلمية إلى العقلية التراثية.

قد يكون هذا الكلام قاسيًا بداية الأمر ولكن تعززه الشواهد التي استند عليها الكاتب في تفسير مرحلة حرجة مر بها المجتمع المسلم. لقد بنى الوردي بناءً رائعًا وجميلًا ولكن لسوء الحظ لم يكن يعلم التربة التي بنى عليها فكرته، وما هي إلا بضع سنين حتى وعى المجتمع المسلم الكثير من المبادئ التي كان يعتبرها مسلمات ووجد اليوم أنها ليست سوى خرافات.

إن تراث مجتمعنا واسع كبير مليء بالمتناقضات والمختلفات والمتناطحات. إن اعتماد قول جاء في رواية ما في بناء فكرة كبيرة مخاطرة كبيرة. نحن نتعلم لنكون محايدين ولكننا عندما نعود إلى التراث نعود إلى ملابسنا وبيوتنا القديمة ونتمسك بها وهذا لعمري خطأ كبير، أزعم أن (مهزلة العقل البشري) قد وقع فيه.

اللغة

شدني مفهوم (التنازع) الذي فسر على نحو إيجابي واستغربت من غياب مفهوم (التدافع). يبدو أن علماء الاجتماع يستخدمون مفردة التنازع وفي ذهنهم معنى مختلف ربما. قد يعود السبب في ذلك إلى الترجمة أو كون الباحثين ليسوا عربًا أو لأسباب أخرى (ربما). إيجاد ضابط للمفاهيم يشبه بكتابة معجم أو قاموس. إحكام المفردات يتطلب جهدًا ذهنيًا ذكيًا وملكة معرفية.

لقد كانت بساطة المفردة هي ما استفزني أول قراءتي للكتاب وتميل نفسي إلى اعتبار بعض الفصول أدبية لا علمية وهذا أمر ليس باليسير إذ يقلل من القيمة المضافة للكتاب.

الأمر أشبه بجلوس شخصين في حديقة ما، شخص بدأ يتغنى بالمنظر معبرًا عن إعجابه به فذاك بعد أدبي. وشخص بدأ يسقي ويزرع ويرتب وذاك بعد عملي علمي. إن إحكام المفردة يعتمد قطعًا على النص الذي ننوي إضافته. ربما لو اعتمد الكاتب على القرآن في تحليله للواقعة التاريخية التي أشرنا إليها سابقًا لكان أكثر إحكامًا ولعاشت كلماته وقتًا أطول. ولكن قد حدث ما حدث لأسباب تعرف أغلبها وتخفى أخطرها.

لقد غادرنا الدكتور علي الوردي في عام 1995 وهو نفس العام الذي ولدت فيه. وكم تمنيت أن يكون موجودًا لأوجه له الكثير من الأسئلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد