التبرير الأخلاقي

«علي بابا والأربعين حرامي» واحدة من أشهر قصص التراث الشعبي، والتي ورد ذكرها في حكايات «ألف ليلة وليلة»، وهي قصة أو حكاية تتبوأ مكانة كبيرة في الوعي الشرقي عمومًا، والعربي على وجه خاص.

«علي بابا» لص أثيم لا يختلف عن باقي اللصوص الأربعين الوارد ذكرهم بالقصة، ومع هذا احتفى به المؤلف المجهول للحكاية، ورآه بطلًا مغوارًا رغم أنه سرق ما سرقه اللصوص، وعاش حياة رغدة، وبسببه قُتل أخوه «قاسم»، وسارت الحكاية لتمجيد «علي بابا» والتحقير من شأن فعلة «قاسم» أخيه «واللصوص أجمعين»، لدرجة تدفعنا للوقوف أمام المغزى الذي تسعى وراءه القصة والغاية.

وكما قرأنا كان «علي بابا» فقيرًا معدمًا، يعمل حطّابًا، يتمسك بقيم ومُثل أخلاقية ويرضى بحياته، أو هكذا أخبرتنا الحكاية، ثم تسوقه الأقدار ويرى اللصوص الأربعين وزعيمهم يدخلون مغارة بالجبل بعد أن يُتلى عليها كلمة سر محددة، سمعها، وبدافع الشغف وحب الاستطلاع، انتظر حتى خرجوا مرة أخرى من المغارة، ودخلها فرأى ما لا عين رأت من الأموال والمجوهرات والنفائس.

ونقف هنا على تحوّل درامي في القصة، فقد زاغت عيناه وترك أخلاقياته وقيمه، وآثر أن يهجر الفقر وأن يدع حياة الفقراء وراء ظهره رغم وعيه الكامل أن هذه مسروقات مملوكة للغير، وأنها نتاج عمل إجرامي ونشاط لصوص ينبغي عقابهم.

وبتأثير المال ووهج وبريق الذهب والمجوهرات، ذهب عقله من وجهة نظر المنطق والقانون، لكنه أيضًا استرد عقله من زاوية شخصية تقوم على المنفعة وتبررها القصة فيما بعد، ويصيغها الكاتب تعاطفًا معه،فرأى «علي بابا» أن الفرصة سانحة كي يحيا حياة جديدة، وأن يبدأ من حيث انتهى اللصوص، فكان أن غرف غرفة بيديه من مسروقاتهم (وربما لم تكن غرفة واحدة فقد أمعن في الغرف ورأى أن هذا مال قد نُهب من أصحابه من قبل فحق له أيضًا أن ينهب منه ما يشاء دون تقتير على النفس، لذلك فكّر قليلًا فيما أخذ فرأى أنه قليل مقارنة بالموجود والمتاح، فرجع على عقبيه طمعًا في المزيد).

جميعنا قرأنا القصة مطبوعة على الورق ضمن حكايات «ألف ليلة وليلة» أو سمعناها من أحدهم، كلنا ولا ريب قد أُعجبنا من جرأة وذكاء «علي بابا»، وتعاطفنا مع قصته وحلمنا كثيرًا بثروة تهبط على رؤوسنا من وسع ودون جهد كما حدث مع «علي بابا».

ومن عجب أننا وقعنا في غرام «علي بابا» وما فعله، وبررنا له فعلته وباركنه جهده وأثنينا على ذكائه في سرقة اللصوص والاستيلاء على أموالهم، وكرهنا «قاسم» شقيق «علي بابا» رغم أنه سار على خطى شقيقه اللص الأكبر، ولا يتجاوزهما فعل، وحنقنا على اللصوص وزعيمهم رغم أن جميعهم لصوص.

فلمَ هذه الازدواجية؟ وكيف منحنا «علي بابا» الحق في سرقة أموال ومسروقات اللصوص، ومنعنا الحق ذاته عن اللصوص وأخيه «قاسم»؟!

ثم الأهم كيف أسقطنا الجانب الأخلاقي في القصة؟ وبررّنا فعلة «علي بابا» وأنكرناها على أخيه واللصوص؟! فهل للحكاية مغزى أراد الكاتب المجهول أن يحيطنا علمًا به حول ما يستقر بالعقل الجمعي الشرقي من تباين القول مع الفعل؟! وأن ما يُقال ربما وهم ومجرد ستار نروّج له، ثم لا يصمد عن التطبيق الفعلي، أو نتخلى عنه عند التجربة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد