إذا أخبرتك أن رجلًا في عنفوان شبابه في الثالثة والعشرين من عمره قد فقد بضعة عشر من أهله في ساعة واحدة، قُتلوا وذُبحوا جميعًا على بُعد أمتار منه، هل تعتقد أنه سينشأ شابًا سويًا صالحًا؟ لا بد ستراوده الرغبة في الانتقام وسيشب رجلًا يميل إلى التدمير والعدائية.

في العاشر من محرم سنة 61 هجريًّا وقعت واحدة من أبشع مذابح التاريخ الإسلامي، والتي سُميت بواقعة الطف، أو معركة كربلاء. الأمر باختصار ودون الدخول في تفاصيل أن أهل الكوفة عندما علموا بأن الحسين بن عليّ بن أبي طالب قد رفض مبايعة يزيد بن معاوية بالخلافة في مكة، أرسلوا له يطالبونه بالقدوم هو ورجاله ليقود ثورة الجموع لخلع يزيد ثم يلي هو أمور الخلافة.

وأثناء قدوم الحسين إلى أرض العراق كان يزيد قد نجح في أن يسني جُلّ أهل الكوفة عن ثورتهم إما بالترهيب أو بالترغيب، فعندما قدم الحسين إلى مدينة الكربلاء لم يجد أحدًا يناصره، بل وجد جيش يزيد في انتظاره! لقد تخلى عنه من أحضروه إلى هنا وتركوه للموت وحده هو ورجاله. عندما يقابل اثنان وسبعون رجلًا جيشًا بأكمله، وعندما يكون هذا الجيش في قمة الوحشية والعدائية، بإمكانك أن تستنتج ما آلت إليه المعركة. قُتل كل رجال الحسين قتلًا بشعًا، ثم قُتل الحسين وقُطعت رأسه وأرسلت للشام إلى يزيد بن معاوية.

في الحقيقة قُتل كل الرجال في معركة كربلاء إلا شابًا واحدًا، هو الناجي الوحيد، هو عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب. أثناء المعركة كان محمومًا مريضًا يداوى في الخيمة التي يجلس فيها النساء على بعد أمتار من المعركة. فأرسله جيش يزيد مع رأس أبيه ومع أهله من النساء إلى الخليفة يزيد في دمشق، ولكن يزيد لم يمسه بسوء بل عفا عنه.

عليّ بن الحسين يعد حالة إنسانية استثنائية، فرغم ما حدث له فإنه لم ينشأ عدوانيًّا ولا امتلأ قلبه بالكراهية، ولم تسيطر على رأسه الرغبة في الثأر، ولم تجره الفتنة إلى شباكها ليتوه في طرقها المعوجة، بل على العكس تمامًا، فقد جنّب نفسه شرور الفتن ونشأ رجلًا تقيًّا فقيهًا عالمًا، حتى قال عنه معاصروه إنه أفقه أهل زمانه وأورعهم وأتقاهم. حتى أنهم لقبّوه بزين العابدين من شدة ورعه وتقواه، ولقبوه كذلك بالسَجّاد كناية عن كثرة صلاته.

والسؤال هنا كيف يمكن لإنسان أن يلامس هذه الحالة من السلام النفسي، ليصبح مضربًا للمثل في خلقه وتقواه برغم من كل ما حاك به من ألم ومصائب؟ كيف نجا زين العابدين عليّ بن الحسين من الفتنة؟ أربعة مشاهد تشرح لك الأمر:

 

 

1.    “من أتى اللهَ بقلب سليم”

 

 

 

 

إن أول أمارات سلامة القلب هو أن تكون مطمئن القلب هادئًا واثقًا في ربك العظيم، وأن تقدم مصلحة عموم الناس على مصلحتك الشخصية. بعد أن استقر الحكم لبني أمية قام بعض أنصار الحسين وعلى رأسهم المختار وعبد الله بن الزبير بقتل قتلة الحسين، ثم حاولوا إشعال ثورة جديدة في الحجاز، ثم دعا المختار عليّ بن الحسين كي يبايعه حاكمًا.

عليّ بن الحسين الذي كان يكثر البكاء على أهله ويقول: إن يعقوب عليه السلام بكى حتى أبيضت عيناه على يوسف، ولم يعلم أنه مات، وإني رأيت بضعة عشر من أهلي يذبحون في غداة واحدة، أترون حزنهم يذهب عن قلبي أبدًا؟!

لو أن رجلًا آخر غيره يُحاصر بمثل هذا الحزن كان سيقبل بيعة المختار ليثأر لأهله، ولكن لأن الله في قلبه، كان يفكر في الأذى الذي سيلحق بالدولة كلها وبالمسلمين، فرفض البيعة. بل وصعد على منبر رسول الله وأعلن براءته من دماء المسلمين التي يسفكها المختار وشيعته. لقد كان مطمئن القلب حتى أنه فضّل أن يحفظ دماء المسلمين واستقرار دولة الاسلام على أن يثأر لأهله.

 

 

2.    نفس سمحة

 

 

في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك كان هشام بن إسماعيل واليًا على الحجاز، وكان رجلًا ظالمًا بلغ فجره أنه كان يسب عليّ بن أبي طالب وزوجته فاطمة بنت رسول الله وهو واقف فوق منبر رسول الله! وذلك إرضاءً لبني أمية لأنهم كانوا أهل السلطة حينئذ. كان عليّ بن الحسين يسمع السباب الذي يوجَّه لجده عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، ويضايقه هذا كثيرًا ويؤذيه.

عندما عُزل هشام بن إسماعيل، وعُين عمر بن عبد العزيز واليًا على الحجاز بدلًا منه، قام عمر بربط هشام بن إسماعيل في جزع نخلة عند دار الإمارة بأمر من الخليفة، حتى يقتص منه الناس لفساده. حينها قام عليّ بن الحسين بجمع فتيان قومه وأصحابه وقال لهم: لا يتعرضنَّ له أحد منكم، إنما نكله إلى الله. (أي نسلم أمره إلى الله)

فنجد أن عليًّا كان ذا نفس صافية سمحة لا تعرف الغل، فاكتفى بما يراه هشام بن إسماعيل من ذل وهوان في وقفته تلك، ونهى الناس عن إذائه، بل سامحه وترك أمره إلى الله تعالى.

 

 

3.    فضيلة الزهد

 

 

كان الأرامل والأيتام والمساكين في المدينة كل يوم يصبحون فيجدون الدقيق والطعام أمام أبواب دورهم، وما كانوا يعرفون من يترك لهم هذا الرزق، حتى مات زين العابدين عليّ بن الحسين، فانقطع الرزق.. علم الناس حينها أنه هو من كان يفعل ذلك. لقد كان يحمل الخبز على ظهره ويسير في الليل يتتبع المساكين والفقراء ليطعمهم، وكان يقول: إن الصدقة في سواد الليل تطفئ غضب الرب. حتى أنه عندما مات وجدوا في ظهره أثرًا نتيجة لحمله الطعام والخبز على ظهره للمساكين والأرامل.

كان يفعل كل هذا دون أن يعرف أحد إلا بعد وفاته، فإنه لم يكن طامعًا حتى في أن يقول الناس عنه خيرًا، بل كان يرفض أن يسرف أحدًا في مدحه وكان يقول: لا يقول رجلٌ في رجلٍ من الخير ما لا يعلم، حتى أوشك أن يقول فيه من الشر ما لا يعلم.

لقد كان زاهدًا الدنيا بكل ما طوت، رفض الصراع على كرسي خلافة لن يسمن ولن يغني من جوعه للآخرة، وفضّل أن يقضي حياته يعلّم الناس دينهم، ويساعد ويطعم فقراءهم.

 

 

4.    “ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا”

 

 

 

لا يمكن أن تجتمع كل تلك الصفات في جاهل أو أحمق أبدًا، فكان عليّ مثل جده فقيهًا حكيمًا. فقد سُئل ذات مرة: كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأشار بيده إلى قبرالرسول الذي دُفن بجواره كل من أبي بكر وعمر، ثم قال: بمنزلتهما منه هذه الساعة.

يُروى أيضًا أن رجلًا يُدعى أبو شهاب الزهري قتل رجلًا بالخطأ، فاعتزل الناس وخرج إلى الصحراء مستوحشًا ما فعل، فلما علم عليّ بن الحسين خرج وراءه وقال له: قنوتك من رحمة الله التي وسعت كل شيء أعظم من ذنبك، فأتق الله واستغفر وابعث إلى أهل القتيل بالديّة.

كما يروي معاصروه أنه كان أكثر من روى الأحاديث النبوية التي نقلها عن أبيه، وعن عمه الحسن، وعن جدته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة.

هكذا كانت سيرة رجل نجا من الموت، ليقرر أن يعيش.. لا أن يعيش حياة من الفتن والانتقام والقتال، بل ليعيش حياة من الزهد والتقوى ونشر مكارم الأخلاق ومساعدة الناس. أختار أن يوقف تيار الفتن ليعلّم الناس كيف يعبدون الله إخوةً بدلًا من أن يقتتلوا باسمه أعداءً!

 
نجا زين العابدين عليّ بن الحسين من الموت، ليعلمنا بسيرته كيف ننجو نحن في أوقات الفتن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

أولًا: أما في شأن وقائع معركة الكربلاء وما تلاها من ثورة المختار فقد اطلعت عليها في مصادر عدة، وهناك اختلافات بين السنة والشيعة في بعض الأمور ولكن ما ذكرته رواية متفقًا عليها، وقد ذكرت في اختصار شديد ما يخدم المقالة، أما القصة كاملة فمذكورة وقائعها في: 1. بداية ونهاية لابن كثير – المجلد 11 – من صفحة 521 حتى نهاية المجلد. 2. تاريخ الرسل والملوك للطبري – المجلد 5 – من صفحة 400 حتى نهاية المجلد. 3. الحسين ثائرًا. والحسين شهيدًا لعبد الرحمن الشرقاوي. 4. دم الحسين لإبراهيم عيسى.
ثانيًا: بخصوص واقعة هشام بن إسماعيل وعفو علي بن الحسين عنه، فذكرت في كتاب الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد البغدادي – المجلد الخامس – صفحة 220. وقد ذكرها الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي في كتابه عمر بن عبد العزيز.
ثالثًا: بخصوص واقعة التصدق ليلًا وما كان يتركه للأرامل والمساكين أمام أبواب بيوتهم، فذكرت في: 1. سير أعلام النبلاء للذهبي – المجلد الرابع – صفحتي 393 و394. 2. حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني – صفحة 136.
رابعًا: بخصوص واقعة بكائه على أهل بيته، فذكرت في حلية الأولياء للأصبهاني – صفحة 139.
خامسًا: بخصوص واقعة الرجل الذي سأله عن مكانة أبي بكر وعمر، فذكرت في سير أعلام النبلاء للذهبي – صفحة 395.
سادسًا: بخصوص واقعة أبي شهاب الزهري فقد قرأتها في كتاب عمر بن العزيز للأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي، ثم عند كتابة المقال تأكدت من وجود تلك الواقعة في مصدرين وهما: 1. المجالسة وجواهر العلم لأبي بكر الدينوري. 2. تاريخ دمشق لابن عسكر.
عرض التعليقات
تحميل المزيد