يكتب الدكتور علي غازي مطر (كلية الفنون الجميلة، جامعة بغداد) عن العمل التالي لمصمم الجرافيك د. راقي نجم الدين:

قلب تلون مذ رآكِ

بأمسه

تتمايلين كزهرة القداح

في آذار.

تحمل عطرك ريح الصبا..

قلب تلون في تكسره

ورغم سحابة الحزن

المحمل من بكاء الأرض.

بين شغافه..

……

يا ليلة الصمت الشفيف..

ويا مرارة قهوتي..

يا صوت أغصان الصنوبر خلف نافذتي..

سؤال واحد!

يجتاح عقلي..

منذ أزمنة المحبة في ربوع العاشقين:

(أين حبيبتي؟)

يمتلك كل نص بصري مستويات دلالية متعددة تتعلق بتصدير الرسالة من الطرف الأول ومن ثم تلقيها عن طريق الطرف الثاني. ويمكن أن تكون هذه المستويات متعددة وغير نهائية بتعدد الظروف البنائية لوعي المصدر والمتلقي. لكن يمكن الإشارة إلى أنواع محدودة تخضع لمفاهيم العملية التصميمية وتمتلك معايير قصدية بالإمكان تحليلها لفهم وتحليل الرسائل المحورية في ذلك النص.

وربما بإمكاننا أن نشير إلى ثلاثة مستويات جديرة بالاهتمام في هذا العمل للدكتور راقي نجم الدين وكما يأتي:

المستوى الأول في هذا النص الجرافيكي هو المستوى الواعي البسيط (مستوى التلقي الدلالي الذاتي) وهو المستوى التعبيري الأدبي الذي يسمح بالتواصل مع الجمهور الأقل رغبة في التعمق بفهم الشفرة المكونة للوعي الدلالي. وينطلق هذا المستوى الواعي من الرمز الأول المعبر عن العواطف الإنسانية المتقاربة، إنه ذلك الهيكل الذي يرمز إلى القلب. سوى أنه كان متصدعًا في دلالته المباشرة والبسيطة لكنه لم يفقد ألوانه رغم كل شيء. إنه الأمل المؤجل في مواجهة الضرر الذي بات متجذرًا ومؤثرًا وحليًا كما يظهر في واقع الحال.

المستوى الثاني: المستوى الجرافيكي الرقمي في التنفيذ. وهو بطبيعة الحال أكثر عمقًا وتعقيدًا وأقل عاطفية من المستوى الأول. ويتبنى العقل الواعي في هذا المستوى: الإنجاز التقني، من حيث استخدام قصدية موجهة في إضافة لمسات من تأثير الموزاييك الرقمي Mosaic Effect على حواشي النص الجرافيكي الذي تقمص بدايةً شكل اللوحة المرسومة بالطلاء الكثيف المتقادم. لإعطاء قيمة دلالية حقيقية لدور التقنيات الحديثة Digital Art والتصريح بها بدلًا من استخدامها بشكل مضمر كما اعتيد عليه في السياق التنفيذي السائد من المنطلق الخاطئ الذي يحشر الفن الرقمي في خانة تتصف ظلمًا بإضعاف روحية العمل الفني.

المستوى الواعي الثالث (التحليل التصميمي الشكلي) وهو المستوى الأعمق والأعقد في تحليل الشفرة الدلالية للنص ويمكن تلقيه عن طريق التوقف أمام مجموعة من المفاهيم الإدراكية المعيارية خارج التأثر العاطفي الذاتي بالمطلق. وكما يلي:

الإيحاء الاتجاهي في الخطوط المقوسة أعلى الهيكل البنائي للعمل أضاف تلقيًا جشتالتيًا غير واع، على السياق الإدراكي العام من حيث اعتماد مبدأ (الإغلاق) بما أضفى استمرارية لإدراك الشكل وفق دلالة الدائرة وديمومتها في إعادة المسح البصري إلى نقطة انطلاقه الأولى من حيث يبدأ. الأمر الذي ألغى الفواصل البينية مؤديًا إلى اتصاف العمل الجرافيكي بالسلاسة والوحدة التصميمية. مما خلق توازنًا يعادل مستوى الإفراط في الإثارة البصرية التي يمكن أن يؤسس لها التناقض بين تقنية التقشر اللوني بإيحاءاته الكلاسيكية وبين تقنية الموزاييك الرقمي بإيحاءاته العصرية. على خلفية غامقة تبرز تضاد الألوان ضمن علاقة لونية تكاملية بين اللون الأخضر وتدرجاته واللون الأرجواني وتدرجاته. يعيدهما إدراكيًا – مرة أخرى – إلى الخلفية الغامقة: اللون الأوكر، الذي يتدرج إلى قيمه اللونية الغامقة في توازن ناضج.

ولا يمكن إهمال علاقة التكرار القصدية في الخطوط المنحنية أعلى اللوحة والتي مكنت العمل الجرافيكي من أن يحتفظ بهويته التصميمية ضمن إطار السياق الجرافيكي البصري خارج الحقول التعريفية للشواخص البصرية في الفنون الأخرى. لذلك اتصف العمل خلال السياق التحليلي بالنص البصري الجرافيكي لأنه يعبر عن ذلك بدلالات واضحة.

هذه المستويات الثلاثة في الوعي لا يمكن أن تسيطر عليها العملية التصميمية بالمجمل. لكن المصمم الواعي سيعمل وفق أدواتها في إطار خبرته البصرية وليس وعيه التصميمي فقط. لأن المستوى الأول منها على الأقل لا يمكن السيطرة على إشارات التلقي خاصته لتغيرها حسب البيئة النفسية والعقلية للمتلقي.

لذلك يتمكن المصمم الخبير من معالجة مشكلات إدراكية بشكل ارتجالي دون الحاجة إلى تحليلها نقديًا. رغم كونه يدرك تلك التفاعلات التحليلية في وعيه التصميمي بشكل غير مباشر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد