علي عزت بيجوفيتش – رحمه الله – هو مفكر وفيلسوف إسلامي وزعيم سياسي بوسني سُنّي، اختير رئيسا لجمهورية البوسنة والهرسك بعد استقلالها عام 1992، وكان أول رئيس للمجلس الرئاسي في البلاد عام 1995 بعد انتهاء حقبة حرب الاستقلال وما شهدنه من تطهير عرقي مارسه الصرب على المسلمين.

المولد والنشأة
ولد علي عزت بيجوفيتش في شاباتس بالبوسنية، لأسرة عريقة في الإسلام يمتد وجودها في البوسنة إلى أيام حكم الدولة العثمانية لمنطقة البلقان. وانضم لجميعة الشبّان المسلمين عندما كان عمره 15 عامًا التي تشكّلت على غرار جماعة الإخوان المسلمين في مصر، في وقت تحوّلت فيه البوسنة لمسرح دموي خلال الحرب العالمية الثانية، يتصارع عليها الشيوعيون الصرب من جهة ومن جهة أخرى النازيون، الذين احتلّوها في النهاية، وضمّوها لجمهورية كرواتيا المستقلة برئاسة المارشال جوزيف تيتو، وأصبحت البوسنة آنذاك جُزءًا من جمهورية يوغسلافيا الاشتراكية، بعد هزيمة النازيين، في الحرب العالمية الثانية.

دولة الحزب الواحد التي يحكمها المارشال تيتو بالحديد والنّار:

لم يسلم منها علي ورفاقه الشبّان المسلمين، فاعتقل عام 1946، وحُكم عليه بالسّجن لمدّة ثلاثة أعوام مع الأعمال الشاقّة، قضاها في زنازين المحكومين بالإعدام، عندما خرج من السجن عام 1949 وعاد لنشاطاته السياسية بالتواصل مع القيادي في جميعة الشبّان المسلمين حسن بيبر
الأخير الذي اعتقل بعد 40 يومًا من خروج علي من السجن، وأعدم نهاية عام 1949، ومع مرور انهارت البنية التنظيمية للجماعة باعتقال وإعدام جميع قياداتها وسجنهم، ولم يعد أمام بيجوفيتش أيّ خيار سياسي تحت حكم تيتو، فتفرّغ لدراسته وبناء نفسه، وحصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد عام 1962، وتعلّم العربية، والإنجليزية، والألمانية، والفرنسية، وبرع في الفكر والفلسفة والعلوم الإنسانية، إلى أن نضج فكره بإعلانه عن كتابه «الفكر الإسلامي» عام 1970، وقدّم فيه مشروعه السياسي للدول في العالم الإسلامي.

بسبب هذا الكتاب اعتبره – النظام الشيوعي المجرم – آنذاك – دعوةً لإقامة الشريعة الإسلامية وحظرت نشره! ثم استخدمته لاعتقال بيجوفيتش عام 1983، بتهمة الثورة المضادة عليهم والتآمر لإنشاء دولة مسلمة!

فحكمت عليه بالسجن 14 عامًا بجانب 11 مُفكّرًا إسلاميًا آخر، فيما عُرف تاريخيًا باسم «مُحاكمة سراييفو الشهيرة».
دخل علي رحمه الله السجن هذه المرّة كهلًا، ولكنه بإيمانه بالله عزّ وجل لا شريكّ له، ثم بصبره وعزيمته استطاع تجاوز هذه المحنة، مُستعينًا برسائله أبنائه التي يصفها بـهروبي للحريّة خرج بيجوفيتش بعفوٍ عام 1989، وقتها كان النظام الشيوعي المجرم، الذي سجنه يزداد ضعفًا، وشهدت يوغوسلافيا أجواء سياسية جديدة، صعود بالخطاب الوطني والانفصالي، ومطالب بالحرية على غرار الدول الغربية، وتعدُّديّة حزبية للمرّة الأولى منذ تأسيس البلاد، فبدأت الأحزاب بالتشكل على أساس عرقية دينية، شارك فيها علي بالطبع.

وبدأ بالاجتماع مع المفكرين والمثقفين لتأسيس حزبه الجديد العمل الديمقراطي الذي يُمثّل مسلمي يوغوسلافيا، دون الانفصال عنها، مقابل كلٍّ من الاتحاد الكرواتي الديمقراطي الداعي لانفصال كرواتيا، والحزب الديمقراطي الصربي، الداعي لتشكيل صربيا الكبرى، التي تضم البوسنة والهرسك، في عام 1990 أجريت أول انتخابات ديمقراطية برلمانية ورئاسية بتاريخ يوغوسلافيا، حاز فيها حزب المفكر المسلم علي بيجوفيتش على أكبر مقاعد برلمانية، بنسة 33%.

ووصل بذلك لمنصب رئيس مجلس الرئاسة، الذي يضمّ سبعة أشخاص من جمهوريات يوغوسلافيا، فعمل على تشكيل تحالف حكومي، مع الصرب والكروات، التحالف الذي انهار بعد أقلّ من عامين إثر انسحاب الحزبين الآخرين، تصاعدت التوترات وأعلن الصرب مناطق حكم ذاتي، وبدا أنّ نار الحرب تلوح في الأفق، النار التي حاول علي – رحمه الله – تجنُّبها واقترح حلولًا سلمية، تحافظ على وحدة البلاد، دون أن يقبل بأن يكون هذا الامر على حساب سيادة شعبه.

وبعد أن انفصلت كرواتيا وسلوفانيا في مطلع الـ90، لم يعد هناك يوغوسلافيا حقيقية، وإنما صربيا التي يحكمها نظام، سلوبودان ميلوسوفيتش، رفض علي – رحمه الله – البقاء تحت هذا البلد، وطالب باستقلال البوسنة والهرسك، فأعلن عام 1992 عن استفتاء للانفصال عن صربيا، بالرغم من تحذيرات الصرب وتهديداتهم له!

ليصوّت 99.4% من المشاركين به بنعم للانفصال عن صربيا، وتم الإعلان عن جمهورية البوسنة والهرسك التي حازت اعترافًا أوروبّيًا وأمريكيًا، وراهن بيجوفيتش على أنّه سيدفع المجتمع الدولي للدفاع عن سيادة بلاده، لكن هذا لم يحصل، وتحوّلت الاشتباكات المتفرقة في البلاد إلى حرب دامية، قادها الصرب المجرمون منتصف عام 1992.

بهذه الحرب استعاض بها البوشناق بالعزيمة والبقاء والإرادة، عن السلاح والعتاد القليلين، في ظل الحظر المفروض على يوغوسلافيا؛ مما دفع بيجوفيتش للتعامل مع التجّار لتسليح جيشه، هذا التعامل الذي اتسم بالدّقة والحكمة والشجاعة، عندما وصل العرب الأفغان إلى البوسنة والهرسك عرض عليهم بيجوفيتش العمل والانضمام تحت الجيش البوسني أو الرحيل عن البلاد، وافق العرب الانضمام للجيش البوسني وعُرف باسم الفيلق السابع

كان بيجوفيتش يتجول بنفسه بين المدن البوسنية ويٌسافر من دولة لدولة لِيوضح للعالم ماذا يحصل في البوسنة، أصبح بيجوفيتش – رحمه الله – رمزًا لنضال البوشناق المسلمين وتوقهم للحُريّة، بينما بقي الغرب يتفرّج على قصف الصرب المجرمين، والتظهير العرقي والاغتصاب للناس المسلمين، حتّى وقعت مذبحة سربرنيتسا عام 1995 التي راح ضحيّتها أكثر من 8 آلاف شخص مسلم من مسلمي البوسنة والهرسك، تحت قيادة الجزّار الطاغية المجرم الصربي رادوفان كاراديتش، وتلك المنطقة كانت تحت الحماية الدولية!

أجبرت هذه المذبحة على تغيير موقف العالم من حرب البوسنة والهرسك، وتدخلوا بالقوّة ضدّ قوّة كاراديتش، فقصف الناتوا نهاية أغسطس (آب) 1995 مقرّات لقوات كاراديتش، وأجبر الصرب على التفاوض، بعد أن قُتل أكثر من 100 ألف بوسني، واغتصاب أكثر من 20 ألف امرأة، وتشريد أكثر من مليوني إنسان من منازلهم، ما بين عام 1992 وعام 1995.

وانتهت الحرب الدامية باتفاقية دايتون للسلام والتي نتج عنها المجلس الرئاسي لجمهورية البوسنة والهرسك المستقلة، شارك فيه بيجوفيتش حتّى أعلن تنحيه عنه في عام 2000 بعد أن لاحقت لعنات التاريخ والعدالة سجّانيه وجزّاريه، إذ استدعت المحكمة الدولية 161 شخصًا ليُسألوا عن جرائم الحرب التي ارتكبوها في البوسنة وعلى رأسهم كاراديتش، وميلوسوفيتش.

تنحى بيجوفيتش لكنّ لم تتراجع شعبيته كما يحب أن يُناديه البوشناق ديدو إلى أن رحل عام 2003 وكانت جنازته – رحمه الله – أكبر جنازة شعبية في تاريخ البوسنة والهرسك التي أجبر العالم على الاعتراف بها، وحماها في الحرب والسلم وبقيت وبقي علي، ورحل كلّ أعدائه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد