كنت أسمع في الآونة الأخيرة وبكثرة كلمة تتداول في وسائل التواصل الاجتماعي لا تعجبني وأشمئز ممن يقولها، وأرمي هذا الشيء بأن من قالها ليس لديه خلق أو على الأقل ذوق، ومن ثم بدأت أسمع هذه الكلمة من بعض منهم في الأوساط السياسية والنخب الثقافية والتي لا أشك أبدًا بمعرفتهم وفهمهم، وهنا كأن ماسًا صعقني ولصوت الرعد أسمعني، حيث إني أعرف أنها لا ترتجل الحديث أو تبدي كلامًا غير مريح.

وبالصدفة المحضة عرفت المقصود من هذه الكلمة، حيث قرأت منذ فترة ليست ببعيدة للمفكر الدكتور علي شريعتي من كتاب النباهة والاستحمار، وهو مصطلح أتى على ذكره وتفصيله في محاضرة تم تجميعها ووضعها في كتاب، أوضح فيها كيف بالإمكان استحمار المجتمع، وهو بالمناسبة على وزن استعمار أي أنه ذهب الاستعمار فأتانا الاستحمار، ويعني به استحمار الفرد في المجتمع والمواطن بالدولة.

طبعًا شريعتي حديثه كان في السبعينيات من القرن الذي فات، وقبل أن تخرج وسائل الاتصالات الحديثة من برامج التواصل الاجتماعي والإعلام الإلكتروني، والتي معها أصبح استحمار الإنسان أسهل، ومع تطور سبل المعرفة تتطور بالجانب الآخر طرق الاستحمار، ليوجد له مسالك جديدة في مجالات عديدة، ليغزو بها تفكيرك ويحاربوا مفاهيمك ليبعدوك عن واقع أنت تعيشه، ويبررون لك هذا الواقع التعيس بعدة تبريرات لا يؤلون جهدًا أبدًا باستحمارك والتغرير بك، متبعين مقولة لكل مقام مقال ولكل حادثة تأويل، مهما حدث ويحدث أو سيحدث يخرجون ليقولوا لك لا تصدق إن هذه ما هي إلا مؤامرة كونية علينا تريد أن تهدم بيتنا وتأكل حلالنا وتسرق أحلام أبنائنا.

وكلما استشرى استبداد المستبد وشرع بضرب من يعتبرهم أعداءه، صفق له هؤلاء الموالون الطامحون بأن يأكلوا على موائد المستبدين من رغيف هذا المواطن المسكين، وليأخذوا شيئًا من الطحين وهم خارجون والذي يتحكم به هذا الطاغية اللعين، وكلما ابتكروا طرقًا لاستحمار العباد كبرت حظوتهم عند المستبد وزادت زهوتهم في المجتمع، يكذبون ويبررون يتبجحون ويؤولون على كل شكل ولون.

كان في وقت ما لترتفع أسهمك عند المستبد تكتب مقالة تمجده أو قصيدة شعر تمدحه، من جد جده مرورًا بكل الزمن الذي عاشه حتى وقت التقائك به وإعطائك من فتاته، أما الآن فهو أن تبرر أفعاله وتجعل ما يفعله من الكياسة وأصلًا من أصول السياسة، بل هو علم قائم بذاته يحتاج إلى الكثير من الذكاء والفطنة ويصحبها شيء من الفراسة، والتي لولاها لم يعتلِ شأنه ولم يصل لهذه المكانة، وعن قريب سوف يجني الوطن ثمار إبداعاته ونضج أفكاره فينعم الشعب بخيراته.

ومن يقول لك غير ذلك ما هو سوى كاذب حاقد حاسد، يريد خراب الدار والبيت وهلك الزرع والحرث، فيسوقون لك الأعذار الواهية، ويعطونك من الأحكام الشرعية التي يلوون أعناقها بحيث تخدم مصالحهم وأعمالهم، فما لا يدركه عقلك سوف تخضع له لأنه من دينك، وكأنهم يقولون لك سوف نوصد عليك الأبواب ونجعلك تسلمنا عقلك دون جدال، احتلال عقلي واستبداد فكري بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

عندما تقرر الوقوف ضد الظلم توقع أنك سوف تُشتم ثم تُخَون ثم تُكَفر لكن إياك أن تسكت عن الظلم من أجل أن يقال عنك رجل سلام!

ومن يتصرف تصرفًا عكس ذاك يعتبر من الشواذ مخالفًا لقواعد الاستبداد، حرب ضروس تقام ضدك لو كنت ممن في فهمهم من الشواذ، سوف يتعقبونك في كل زقاق ويتربصون لك خلف الأبواب، ليترصدوا عليك الهفوة ويعاقبوك عليها دون رحمة، ويرسلوا وراءك كل أهطل ليرميك ويقدح فيك ليعاب عليك، وليجعلوا منك كاذبًا مخادعًا بائعًا لأمته خائنًا لوطنه، ولربما تصل بهم أن يخرجوك حتى من الدين والملة فأنت أصبحت في نظرهم زنديقًا وحلت عليك اللعنة، يشيعون عليك بالكلام ويحركون ضدك كل زمرتهم من الأزلام وجوقة اللئام ومن هو سليط لسان وبعيد عن الإحسان، ليهاجموك بفجاجة ويحاربوك بخساسة دون أي غضاضة وبكل فضاضة، ليردوك عن طريقك ويخرسوك بأي طريقة، وإن لم تنتهِ بعد ذلك فالمكان الأنسب لهم أن تكون خلف القضبان ويصبح مصيرك حينها بيد السجان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد