«يا خراااااشي»

من الكلمات العاميّة المشهورة في شوارعنا المصرية، ولا نكاد نجد مصريًّا لم يقلها يومًا في حياته، أو لم يسمعها من أحد، وجميعنا عندما نسمع هذه الكلمة نشعر بوقوع طامة، أو باستغاثة ملهوف، أو بصدمة مُصاب، فهل تساءلنا يومًا عن مصدر هذه الكملة ولماذا نستخدمها؟

تعود هذه الكلمة إلى الحكم العثماني لمصر عام 1090 هجريًّا/ 1679 ميلاديًّا حيث الشيخ محمد الخراشي أول شيخ للأزهر الشريف، وقد كان يوصف – رحمه الله- بنصرته للمظلوم حتى يسترد مظلمته من ظالمه، وكونه حليفًا للضعيف حتى يقوى وينتصر له من المستقوي عليه، يهابه كل من يراه، وكانت الناس تلجأ إليه في المصائب والكوارث والمظالم؛ لما أشيع عنه من القوة في الحق، فكان لا يخاف في الله لومة لائم حتى اشتهر – رحمه الله- في ربوع مصر بذلك، حتى إذا ظُلم أحد في شوارع المحروسة نادى بأعلى صوته «يا خراااااشي» مستنجدًا ومستغيثًا بالشيخ محمد الخراشي – رحمه الله- ثم تداولها الناس على مَر العصور حتى وصلت إلينا، وأصبحنا نستخدمها في يومياتنا ولا نعرف أصلها، ولو نظرنا إلى استغاثة المستضعفين والمظلمومين بشيخنا الخراشي، فإنما هذه هي مكانة العلماء، ومكانة الأزهر الشريف الحقيقية، التي يجب أن يعود إليها، أن يكون ملاذ المستضعفين، ونائبًا عن كل مكلوم من شعبه، وملجأ المظلومين، وهذه هي رسالته في الحياة بجوار رسالته العلمية، لا أن يكون كالمكتبة تحمل العلم وفقط، أو بالتشبيه القرآني «كمثل الحمار يحمل أسفارًا»، وهذا يأخذنا للفارق بين مشايخ الأزهر بالأمس، الذين كانوا ملاذًا لكل مصاب، فهم ينصرون الضعيف مهما كانت قوة الظالم، ويأخذون على يد الظالم مهما كان حجم الضعيف وحجم مظلمته، ويستنجد بهم المظلوم، ومن أبرز هؤلاء الشيخ محمد الخراشي، والشيخ عبد الله الشرقاوي – رحمهما الله- وبين مشايخه اليوم الذين يُكرّسون حياتهم وفتاواهم من أجل التبرير للظالم، والذود عنه، بل هم في كثير من الأوقات يكونون جزءًا من منظومة الظلم، والأمثلة يعرفها القاصي والداني.

أما في الآونة الأخيرة فقد شاهد الجميع الفيديوهات المتتالية، التي ينشرها الفنان المصري محمد علي عبر حسابه على فيس بوك، والتي يكشف فيها كيفية إدارة العسكر لمصر، وكشفه للفساد الذي يمارسه الجيش والسيسي، والإسراف في إقامة الحفلات والمؤتمرات والمشاريع التي لا جدوى منها ولا عائد، وإهدارهم المال العام بسفه؛ فلقد كانت شركته إحدى الشركات التي تُقيم هذه الحفلات والمشاريع، ولست الآن في موقف المدافع عنه أو المعارض لشخصه وموقفه، ولكن عندما رأيت شغف الناس على السوشيال ميديا وانتظارهم فيديوهات الفنان بتلهف وفرح، ومع الفارق الكبير بين شخصية الشيخ محمد الخراشي ومكانته العلمية والاجتماعية، وبين الفنان محمد علي، فإنني تذكرت شيخنا الخراشي، وخصوصًا عندما رأيت أحد الناشطين على السوشيال نشر صورة لأحد القضاة الذين حكموا عليه بالإعدام غيابيًّا كاتبًا على الصورة «اامحماااا اااعلي» في إشارة منه إلى الفنان محمد علي ليكشف عن فساد هذا القاضي وتحكم السيسي والجيش في شخصه، وآخرًا ينشر صورة لضابط شرطة كان قد عذبه كاتبًا عليها الشيء نفسه «اامحماااا اااعلي»، ومع كمية الصور التي ركبها المصريون ونشروها حول هذا الموضوع تجعلني أتساءل:

هل سيصبح الفنان محمد علي أيقونة تحفظها الذاكرة المصرية وتتردد على ألسنة المصريين وملاذًا كلما أرادوا كشف عوار فاسد أو ظالم؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد