لا يحاول المقال أن يكون سردَ مختصر للسيرة الذاتية الخاصة بشخص الدكتور الكريم، وإنما ستكون جل المحاولة هي لفهم هذه الشخصية وتحليلها من منظور هادئ بسيط عقلاني إلى حد ما، بعيد كل البعد عن اللغة العنيفة المسترذلة التي لا تؤدي على الإطلاق إلى نتيجة حسنة.

تولى الدكتور منصب الإفتاء من عام 2003 حتى أحيل إلى التقاعد عام 2013، ولمن لا يعرف فالدكتور ليس أزهريًا خالصًا منذ نشأته فقد تخرج في كلية التجارة جامعة عين شمس عام 1973، والتحق بجامعة الأزهر بكلية الدراسات الإسلامية والعربية، وحصل على الدكتوارة في أصول الفقه عام 1979، وتدرج في المناصب الأكاديمية حتى حصل على منصب أستاذ دكتور أصول الفقه إلى الآن.

ومع أن نشأته غير أزهرية، إلا أنه قد تلقى العلم الشرعي على فطاحل علماء الأزهر في ذلك الوقت بطرق الدراسة القديمة التي كانت وما زالت غير متوافرة لأي أحد.

تميز منذ ظهورة بكاريزميته الخاصة والتي كانت مفتقدة منذ غياب الشيخ الشعراوي برحيله عن عالمنا، صحيح أنها لم ترق إلى منزلته ولكنها على كل حال كانت مختلفة في مظهرها وصورتها عن الصورة النمطية التي كان يظهر بها الشيخ الأزهري في ذلك الوقت.

كان ظهوره الإعلامي كثيفًا مقارنة بالظهور المعتاد الذي كان يظهر به الشيخ الأزهري، وازداد هذا الأمر طبعا بعد ظهور الفضائيات وكان الانفجار الكبير مع ظهور وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وإن كانت تلك قد أسهم فيها بالقدر الكبير والواضح طلابه ومريدوه والمتأثرون بمدرسته حتى ممن لم ينهجوا نفس نهجه السياسي.

كان له الدور الأكبر في إحياء الأروقة الأزهرية بما تتميز به من طرق الدراسة القديمة للعلوم العربية والشرعية وقد كانت قد تكلست وتجمدت في الآونة الأخيرة.

لكن استطاع الشيخ من خلالها أن يكون لديه طبقة من التلامذة والطلاب انتشرت وأسست أمكنة أخرى غير الأروقة الأزهرية تسير على نفس نهجها من طرق الدراسة القديمة كان لها النصيب الأكبر والرافد الأعظم لمواجهة المد السلفي.

أما عن التلامذة والطلاب فقد تخرج من تحت يديه مجموعة من التلامذة والطلاب أقل ما يمكن أن يقال عنهم أنهم أقدر بكثير من كثير من الأساتذة الحاصلين على شهادات أكاديمية، وإن كان يدور  الجدل حول بعضهم من ناحية حصولهم على شهادات متوسطة، ويقومون بالتدريس في تلك الأروقة ولم يتوجوا علمهم الشرعي الذي حصلوه بشهادات معتمدة، ويدور الجدل حول البعض الآخر من اعتمادهم على كتب معينة يدورون في فلكها لا يتجاوزونها ويعتمدون طريقة شرح معينة لا يبدعون أو يجددون فيها.

تميز الدكتور علي جمعة قبل الإفتاء وبعده بتلك الآراء التي يمكن أن نقول عنها إنها لم تكن مهادنة للتيار العلماني في مصر، وإن كانت خفتت تلك الآراء بعد توليه منصب الإفتاء.

لم يختلف الدكتور عن بقية الأزهريين الذين صعدوا إلى مناصب في تأييد السلطة تأييدًا مطلقًا بدون قيد أو شرط إلا أن للناظر لنشاط الدكتور قبل وبعد الافتاء يجد أن معظم هذا النشاط قد تركز في تكوين طبقة علمية قوية تواجه وباقتدار إلى حد كبير المد السلفي ولم يكن تأييد السلطة – في نظر الكاتب على الأقل – إلا وسيلة مساعدة لتقوية هذا التمكين وبسطه إلى أبعد حد.

ويمكن أن نقول إن أقرب الأدلة على ذلك هو تقربه للإسلاميين بعد الثورة، بما عرف آنذاك من أن الإسلاميين هم الأقرب لكرسي السلطة. حدث ذلك بالرغم من العدواة التاريخية والمتمكنة بين الإسلاميين والسلطة الدينية الرسمية.

هذا آخر ما استطاع أن يصل إليه الكاتب، ولعل هناك من يكمل هذا التحليل بعدنا أو يصصح ما كان فيه من خطأ أو يعدل ما كان فيه من نقص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء, دين, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد