هي ليست دعوة لقراءة الرواية الشهيرة للكاتب البريطاني «لويس كارول»، والتي كتبها في أواسط القرن الثامن عشر، ولا هي صف للكلام المنمق، والمليء بالمعاني السامية، ومحاضرات «الثقة بالنفس»، التي تملأ الفضاء الحقيقي والافتراضي، بل هي محاولة لمقاربة الواقع الذي يمر فيه كل فرد في هذا العالم، ويتحامل على نفسه، ويراكم الضغوط والهواجس؛ حتى يتحول إلى ما يشبه بالون «الهيليوم» الكبير، الذي ينتظر أي ضغط إضافي؛ كي ينفجر.

تتكون متلازمة «أليس في بلاد العجائب»، أو متلازمة «تود» نسبة للطبيب البريطاني «جون تود»، من مجموعة من الأعراض العصبية والحسية، والتي تؤدي إلى تشوه الحس المكاني والزماني للمريض، فيرى الأشياء بأبعاد وأطوال مختلفة عن الواقع، مثل أحداث الرواية الشهيرة، والتي فيها تتقزم «أليس»، وترى الفطر بأحجام كبيرة. وقد يرى المريض جسده مشوهًا، فمثلًا قد يرى ذراعه وقد صارت ممتدة، وطويلة جدًا أو العكس.

بالطبع ليست هذه المقالة للحديث عن هذا المرض اللئيم، بل للتعبير عن حالة الصراع اليومي التي نتعايش معها نحن معشر البشر – بمن فيهم كاتب المقال بالطبع – مع الوعي الذاتي لأجسادنا. ربما سال الكثير من الحبر في الحديث عن الذات وماهية الذات، ولربما صارت مفاهيمنا وعلاقاتنا مع ذواتنا مشوشة وغير واضحة، إلا أن ذلك لا يمنع من أن نوقف عجلة الحياة السريعة، والتي تلتهمنا لحظة بلحظة، ونقف لنتفكر قليلًا.

منذ غابر العصور والإنسان مهووس بفكرة الكمال الجسدي، وإذا طالب البعض بتعريف لمفهوم الكمال هذا، فنحن نقول أن هذا هو بيت القصيد في هذه المقالة! بالطبع إذا نظرت إلى إحدى الصور القديمة لأناس في القرن قبل الماضي، أو القرن الماضي، من ثقافات مختلفة، ستلاحظ وجود فروق كبيرة في قصة الشعر واللباس والمكياج، بل حتى الابتسامة! «كانت الابتسامة عند التصوير في العهد الفيكتوري شيئًا منبوذًا». وقد تلاحظ توجهًا معينًا للناس؛ في المحاولة للوصول إلى وزن معين أو شكل جسدي معين، ففي بعض الثقافات تعد السمنة رمزًا للجمال، بينما في بعض الثقافات الأخرى تعد النحافة رمزًا آخر. مع تحول أغلب التجمعات البشرية من مرحلة الصيد والقطف إلى المرحلة الزراعية، ومع تشكل صورة أعمق لفكرة المجتمع البشري، وانبثاق فكرة الملكية الفردية، أصبح للصورة الاجتماعية والوضع الاجتماعي في التجمعات البشرية مكانة خاصة، ارتبطت بفكرة غريزة التكاثر، وحفظ النوع الموجودة في اللاوعي البشري في المراحل السابقة.

لقد ساهمت الثورة الصناعية ومن بعدها الثورة التكنولوجية والرقمية في دفع عجلة المجتمعات البشرية بصورة سريعة جدًا؛ بحيث لم تسمح لهذه المجتمعات باستيعابها والتماهي معها، حتى أصبح الإنسان المعاصر محاصرًا ما بين بيئة محيطة تتطور وتتغير بسرعة فائقة، وبين وعي وعقل مرتبط بشكل لاشعوري بقيم الماضي وعناصره: ففي اليوم الواحد يتعرض الإنسان المعاصر إلى كم هائل من المؤثرات الحسية والصورية، والتي تقتحم لا شعوره بدون إذنه، وتصنع له صورًا مختلفة عن ماهية الحياة المثالية، وماهية صورة الجسد المثالية. لقد صنع الإعلام من نفسه ماكينة ضخمة، تغسل أدمغة البشر دون أن يشعروا، بل ـ بالعكس ـ يتقبل الإنسان المعاصر الصور والأفكار المبثوثة بكل صدر رحب.

بالتأكيد في يوم من الأيام استيقظت من النوم، وذهبت إلى الحمام؛ لتغسل وجهك، ووقفت لبرهة أمام المرآة تنظر لوجهك وتشعر بأنك ناقص، يتبع ذلك شعورٌ بعدم الأمان، فتفر من أمام المرآة؛ لتلبس ملابسك؛ كي تذهب إلى عملك، وبينما أنت في السيارة في الطريق، ووسط الأزمة اليومية المعتادة، ومع ضجيج محركات السيارات وأبواقها، ورائحة عوادم السيارات، وخطوات المارة المتسارعة والمتخبطة، و«تكات» الساعة التي تهضم الزمن ثانية بثانية، تشعر بالخوف والقلق؛ ليس فقط بسبب التوتر الناتج من الأزمة والفوضى التي تحيطك، بل بسبب «لاشعورك» المجروح، الذي يملك تصورًا معينًا للوجه الوسيم المثالي، وقد تم طعنه في الصباح عندما تأملت في وجهك، وشعرت – وإن كنت لا تود الاعتراف بذلك – بالخزي والنقص.

لربما ساهمت التركيبة الاجتماعية الذكورية في أغلب مجتمعات العالم في تركيز الضغط على فكرة المثالية الجسدية على الإناث، وذلك في الأساس له أسباب ودوافع كثيرة وعميقة في التاريخ البشري منذ الإنسان البدائي، لكن ذلك لا يمنع من أن الصورة المشوهة لأجسادنا قد ترسخت في عقولنا جميعًا ذكورًا وإناثًا عبر وسائل الإعلان والدعاية المختلفة، والمرتبطة بمجموعة ضخمة من الشركات ورؤوس الأموال التي تتربح من تصنيع وتخليق الجسد، والشكل، والوعي المثالي لبني البشر، بمن فيهم الموظفون والرؤساء في تلك الشركات.

قد تلاحظ بأن جميع من حولك، بمن فيهم نفسك، ليسوا راضين عن عناصر معينة في وجوههم وأجسادهم، بل إن نسبة معتبرة ليسوا راضين عن كل شيء. وقد يبدو السؤال: «هل ترى نفسك جميلًا؟» وقحًا قليلًا، ولكنه يفتح الباب لإجابات تتراوح من الإجابة بـ«لا» إلى الإجابة بـ«عادي» أو «مقبول» أو حتى بالإنجليزية «Average»، ولكن إجابة من نوع: «نعم أنا جميل» تفتح الباب لتأويلات عديدة، من الاتهام بالنرجسية، إلى الاعتقاد بأنك تشعر بالنقص، ولذلك تحاول أن تخفي ذلك بالظهور بشكل الإنسان الواثق من نفسه، بل إن مثل هذه الإجابة قد تكون كافية؛ لفتح الباب لسيل من السخرية والنكات، والتي تحاول إيضاح مظاهر النقص فيك بحسب الصورة المثالية المرسومة إعلاميًا. طبعًا المناقضة الكبرى في كل ذلك تتلخص في فكرة أنك قد ترى فلانًا من الناس «آية من الجمال والكمال»، وهو نفسه يرى جسده بصورة مشوهة.

ستقابل وستقرأ عن العديد من الأشخاص الذين تغلبوا على الصورة المشوهة للجسد، والذين يفخرون بأنفسهم كما هم، ويرون كل البشر بعدسة الجمال والكمال، وستسمع كثيرًا عن فكرة الجوهر والمظهر، وأن الجوهر هو الأساس، لكن ذلك لا ينفي أن اللاشعور الجمعي العام لكل البشر مليء بالصور المشوهة عن الذات، والصور المثالية التي لا يمكن لأي أحد أن يصلها؛ فجميعنا نتأثر بهذه الصور ونتفاعل معها، ومنا من يقاومها بقوة وثبات، وتقضي العمر وأنت تدافع عن فكرتك، وتحارب الإعلام والأفكار المشوهة، وتقاوم الإحباط، وتدفع بذاتك بقوة وثقة نحو التسامي والأفكار المثالية والروحانية. كل ذلك لا غبار عليه، ولكنه يشعرك بالحزن! نعم الحزن، الحزن للمرحلة التي وصلنا إليها من الضياع والهزيمة، ليست الهزيمة بالمعنى السياسي الدارج، بل الهزيمة بالمعنى الإنساني الشامل: إن العقل الذي صعد بهذا الكائن الحي «الإنسان» إلى الفضاء عاجز عن الصعود بهذا الكائن الحي من حطام الحاضر إلى الذات الجديدة المتفتحة المتصالحة مع نفسها المحبة لذاتها ولما حولها، وإن كانت بعض الأديان والمعتقدات والروحانيات بحسب أتباعها تحاول الوصول إلى تلك المرحلة.

قد يبدو كلامًا مكررًا وسخيفًا الحديث عن أولوية شخصية الإنسان وتفكيره لا جسده وشكله. وقد يبدو من نافلة القول الحديث عن أن الشخصيات المشهورة بجمالها المثالي تملك نواقص وعيوب تخفيها شركات وأطباء التجميل، غير استخدام برامج تعديل الصور. هذا كله كلام معروف، ولكن عقل الإنسان يملك القابلية لأن يعلم الشيء ويتصرف ويفكر بنقيضه تمامًا. يكافح العديد من الناس من أجل التصالح مع أجسادهم، وتدفع المليارات في عمليات التجميل، ودورات ومحاضرات الثقة في النفس، والجسد، والتنمية البشرية، والبرمجة اللغوية العصبية، واليوغا والتأمل وغيرها من الأدوات، ويتداول الحديث كثيرًا حول الجسد، وصورة الجسد في الإعلام، وعدم ثقتنا في أجسادنا، ولكن ذلك كله لا يساعد! لماذا؟ لأن الوصول إلى الحل في أية مسألة يتطلب دراسة الجذور لا الظواهر، وما دمنا معشر البشر نبحث عن الحلول في ظواهر المسألة لن نتصالح مع أجسادنا. إن دراسة الجذور وراء هذه القضية سيفتح المجال لفهم بشري أشمل وأوسع، عندها فقط نستطيع الحديث عن مفهوم مختلف للجمال، هذا المفهوم الذي يحب فيه الإنسان جسده أخيرًا، ويرى فيه مصدرًا للجمال والحياة لا للشرور والرذيلة، فيتصالح أخيرًا معه ومع ذاته. مشكلتنا ليست مع رغبة الإنسان في أن يتبع حمية غذائية لتخفيف الوزن، أو أن يمارس الرياضة لتنمية العضلات، وليحصل على جسم رشيق، ولا حتى أن يخضع لعملية تجميلية لتغيير شيء معين في شكله، بل في الفكرة المنقوصة لدينا عن أجسادنا، وفي المسافة الهائلة التي تبعدنا عن استيعاب أجسادنا وتقديرها كما هي، وفي القلق والإحباط الدائم اللاشعوري من شكلنا وهيئتنا، الذي يضاف إلى كم هائل من ضغوطات الحياة المعاصرة، فتعصرنا عصرًا.

نعم، هذا الكلام خيالي ومثالي وتنظيري، وقد سمعتَه كثيرًا، بل إنك قد مللت منه، لكن يحق لبني البشر أن يحلموا بعالم آخر ممكن، ويحق لنا أن نسعى لذلك؛ فرغبة الإنسان الدائمة في قلب الوضع الراهن هي المحرك الرئيس لعجلة تطور المجتمعات البشرية. هنالك مقولة جميلة باللغة الإنجليزية، لم أستطع تحديد مصدرها، تعبر عن ذلك بشكل واضح: «في مجتمع يتربح من شكك في ذاتك، محبتك لذاتك هي في حد ذاتها عمل ثوري».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد