الغربة كلمة تحمل في طياتها كثيرًا من المعاني والذكريات، كلمة ترتبط بها الكثير والكثير من المشاعر والأدعيه الصادقة، هي كلمه ما نلبث أن ننطقها  حتى نُحس بنار الشوق تلتهم قلوبنا  وتضيق  بذكرها صدورنا وصدور محبينا.

الغربة في اللغة تعني  النّوَى والبُعْدُ، سواءً كانت بعد العبد عن خالقه، فالبعد عن الله غربة، ولو كان وطنك  الناس أجمعين، وهي من أشد  الأنواع فتكًا بصاحبها. وكذلك شعورك بالغربة، وأنت بين أحضان وطنك يسمى غربة الروح، فبالرغم من وجود الجميع من حولك، إلا أن شعورك بالوحده هو المسيطر،  ويمثلها هنا بدر شاكر السياب في قوله:

يا غربة الروح في دنيا من الحجر  .. والثلج والقار والفولاذ والضجر

والنوع الثالث للغربه ـ موضوع حديثي لليوم ـ وهو المفهوم الشائع لها، أي البعد عن الوطن، وكل ما من شأنه أن يُشعرك بالغرابة في بعدك عنه، فالبعد عن الأهل غربة، والبعد عن ذكريات المهد والطفولة غربة وما إلى ذلك.

الغربة كلمة قاسية، ولعل من لم يعش آلامها  يظن أنها محض خرافه ودجل، بل يقسم إن خرج من وطنه بألا يعوده إلا محمولًا على جنازته . معذورٌ فهو  لايعلم  كم نعاني نحن من ذكرياتنا! وكم نتمنى سماع أصوات من نحبهم! أو حتى أن تلمس أقدامنا تربه أوطاننا، لا يعلم أننا لا نجد من نشاركه تفاصيل يومنا ولا حتى أفراحنا وأحزاننا، كم من مرة  كانت أقصى أحلامنا فيها هو حضن من نحب ورائحته! وكم من مرة مرضنا وانهمرت دموعنا وفضلنا الكتمان لئلا نسمع بكاء أمهاتنا وقلق آبائنا!

 المغترب أقصى أحلامه أن يرى ذويه وأهله وأن يحظى بلقمه طعام في جو عائلي ممتلئ بضحكاتهم، وحين يقرر  أو تسمح له الظروف بالعودة إلى وطنه لحظتها يُخيلُ لك أنه لم يذق طعم السعادة  في حياته قط  إلا حينما عاد لذاك الوطن الذي لطالما لعنه واقسم بأن لا يتوب إليه، فنجده  يسجد ويجثو على ركبتيه يقبل ترابه الطاهر وكأنه بعث إلى الحياة من جديد، ولكن فرحته تبقى ناقصة، فكل شيء قد تغير عما هو موجود في ذاكرته، فأصبح كالسائح في وطنه وبين أهله، يحادث  نفسه ويسألها: كم لبثت؟ وكم أضعت من عمري؟ ينظر لأهله وأبنائه لايعرف أحدًا منهم؛فابويه  قد شاخوا، وأبناؤه أصبحوا شبانًا، بل حتى طفله الصغير ذاك الذي رحل وهو لايزال في رحم أمه أصبح  رجلًا عشرينيًا  قويًا، وكأن كارثه أو  إعصارًا قد حل بهذا البلد، كل شيء قد تغير ، فهل كتب على المغترب الشقاء في وطنه وغربته؟

هذا هو حال أغلب المغتربين عن أوطانهم يعيشون النصف من كل شيء، نصف الحياة، ونصف العشق، ونصف الأبوة، هم الأنصاف من كل شيء، وإن أرادوا  إكمال حياتهم فلا مفر من الأنصاف فلا أحد يظل كما كان،  بل يكون محظوظًا إن لم يسبقه الموت إليهم أو إليه؛ هو  المغترب كُتب عليه أن يعيش حروبه وهزائمه وانتصاراته  وحده.

وإن كان الرجل قد جبل على القوة والصبر، فالمرأه  تعاني أضعاف ما يعانيه شقيقها آدم، ففي غياب رب الأسرة تكون هي الأب والأم والأخ والصديق لأبنائه، فنرى ذلك الملاك الناعم  المدلل قد انحنى كاهله من ثقل المسؤوليات الملقاة على عاتقه وأصبح قاسيًا، وربما نسى جنسه، فكم من الصعب أن تصبح المرأه رجلًا وأن تلعب دورًا ليس بدورها، فإلى جانب حملها الثقيل، المرأة في ظل هذا الغياب تحن للعودة إلى وضعها الطبيعي  وتفتقر إليه، فكما الشيء في النهايه يعود لأصله فالمرأة لابد لها من العوده الى حضن رجُلها، فقد خُلقت من ضلعه وإليه تعود. ويكفي المرأة شرف  الأمومه وتبعاتها، وأما ما تُحدثه الغربة من قلب للموازين والأدوار هو أمرٌ مرفوضٌ  ألبتة، وينبغي على كل رجل، إن لم يكن في غربته اضطرار ، أن يحفظ حياته وحياة كل من هو  راع عنهم، فالحياة قصيرة وما ألذها إن كانت بين أحبابنا وفلذات أكبادنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد