ثمةَ حكمة يتداولها النَّاس، مفادها، أنَّ «الفقرَ في الوطن غربة والغنى في الغربةِ وطن»، في ظني أنَّ الشَّطر الأول من هذا النَّص المكثف يُراد به الاغتراب، والشَّطر الثَّاني يُراد به الغربة!

إذا اعتبرنا أنَّ «الغربة والاغتراب» دلالتين أو مفهومين مختلفين؛ فالغربة في اللغة تعني: بعد وتنحَّى، وغرب الشيء أي لم يعد مألوفًا، واغترب الشَّخص أي نَزَح عن وطنه فهو مغترب؛ أي إنَّ الفردَ يترك بلده مضطرًّا أو طواعية نتيجة إحساسه بالضَّعف، أو الخوف، أو الضياع وعدم الأمان من تقلباتِ الزمنِ الرديء الذي يعيشُ فيه.

أمَّا الاغتراب «فهو الإحساس بالغربة داخل الوطن»، وهو أقسى أنواع المشاعر الإنسانية، وتتولد نتيجة طبيعية للظُّروف المحيطة بالشخص، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو ثقافية أو غيرها… والملايين ممن ينوون الهجرة والغربة وهم في داخلِ أوطانهم، يكونونَ قد هاجروا نفسيًّا لحظة تقديمِ الطَّلب، وهجروا الوطن على المستوى الشعوري. فيعيشونَ في أوساط مجتمعهم بأبدانهم، بينما رحلت أرواحهم إلى المكانِ الذينَ يحلمونَ به. كأنَّها أبدان الموتى الذين فقدوا أرواحهم، ولم يبقَ لديهم إلا الحلم الباهت بالرحيلِ النَّهائي!

انطلاقًا من هذه المقدمة، نستطيعُ أن نخلص إلى نتيجةٍ مفادها – في الغالب- أنَّ من يعيش غربة خارجَ وطنه، فقد عاشَ اغترابًا في داخله!

وإذا ركَّزنا الحديثَ عن المغترب/ النَّاجي من ويلاتِ الاغتراب، أجدني أستهدفُ بالحديثِ شريحتين منهم؛ شريحة الطُّلاب الذين آثروا الخروج من أوطانهم بحثًا عن بيئةٍ مناسبةٍ للتعلُّم، واكتساب المهارات المعرفية، والشريحة الأخرى التي خرجت تضرُّرًا بفعلِ الوضعِ السِّياسي والمعيشي داخل الوطن.

ولأننا نأملُ ونتمنَّى أن تأتي اللحظة المواتية التي نعودُ فيها إلى الوطن، لنسهمَ في بنائه، ونزيح عن أبنائه شعور الاغتراب الذي اتسعت دائرته؛ حدَّ قولهم: «ربَّنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنَّا ظالمون»، أي أخرجنا من أوطاننا التي نحيا فيها غرباء! وهذه حالة شعورية متقدِّمة في الشعور بالعدمية واللاجدوى لدى شريحة كبيرة من المجتمع القابع في دوامةِ الاغتراب! ولذا، وجب علينا الاستعداد بمفهومه الشامل، الاستعداد الدائم لنكونَ جنودًا تركوا معركةً للدخول في أخرى، ومن ثمَّ سيعودونَ إلى المكانِ الأول لاستكمالِ المسير، لا فارِّين من الزَّحفِ فرارًا بأنفسهم، ضنًّا بها من مشاق الطَّريق، أعني طريق الوعي والتَّنوير والاستنهاض.

شريحة الطلاب، عليها أن تعي معنى وجودها في الدول التي يعيشونَ فيها خارج أسوار الوطن، أن يقفوا على الرسالة، والأهداف الكبرى من الوجود، فالآلاف من النَّاس هناك، يأملونَ آمالًا عظيمة عليكم، يرونَ فيكم بقعة الضُّوء في زمنٍ معتم.

والشريحة الأخرى؛ عليها أن تدرك أنَّ خروجها يعني مزيدًا من التَّفكير في العودة بصورةٍ أكثر إشراقًا؛ بمعنى الاستفادة من المتاح في الدولِ التي ذهبوا إليها، واستنطاقِ التجارب، واستلهام النجاحاتِ التي حقَّقها الآخرون، والبناء على المشتركاتِ التي تجمعُ بيننا. الأخذ بكلِّ ما من شأنه فائدة لوطننا الذي يعيشُ على هامشِ الحياة!

على الجميع أن يدرك أننا في مرحلة تدريبٍ وتأهيل، مرحلة بناءٍ للإنسانِ والفكر، ونضوج للوعي، لحمل كل هذه المقدرات إلى الداخلِ في يومٍ ما.

من المعيب أن تمضي الأيام بنا في عبثٍ وتيهٍ وضياعٍ للهدف، وحياة هامشية تفتقدُ لهمِّ النَّهضة، وقلقِ المعرفة، والتَّفكير الجاد بعمليةِ الإصلاح الجذري، والتطوير المجتمعي، والسعي نحو الترقي والنهوض!

لن نبتعد عن الحقيقة إذا قلنا: إنَّ الإنسان يستمدُّ مكانه – في درجات السُّلم الحضاري – من قدرته على الوعي المحيط به، ومن فهمه العميق لما هو مقبلٌ عليه، ومن استجابته اللائقة للتحديات التي تفرض نفسها عليه باستمرار.

ولهذا؛ علينا أن نعي جيدًا بمحيطنا الذي نعيشُ فيه، ومحيطنا الذي خرجنا منه لسببٍ أو لآخر، ثم معرفة ما نريد أن نفعله في قابلِ الأيام، والأهداف الكبرى التي نسير إليها، والمآلات التي نحلم بالوصولِ نحوها، والوقوف وجهًا لوجه في وجه التَّحديات التي تقفُ حجر عثرة أمامنا. فإما أن نحيا حياةً تقوم على العطاء، ونفع الآخر، والاستفادة من الموجود لخلقِ مناخ آخر في مكان هو بأمسِّ الحاجة إلينا؛ أو أننا نستسلمُ، ونقول كما قال الأول: أنا ربُّ إبلي وللبيتِ ربٌّ يحميه!

إنَّ من يعيش الغربة يدفع لذلكَ ثمنًا، طبيعة الثَّمن يختلفُ من إنسانٍ لآخر. ما نريده أن نجعل الغربة هي من تدفعُ الثمن لنا! بمعنى أن نجعل منها جسرًا تمرُّ عليه كل الأهدافِ المنشودة، والخطط المرصودة، والأحلام المنتظَرة، أي: تتحول إلى عاملٍ مساندٍ فاعل بدلًا من أن تجعل منَّا خرقًا بالية دفعت ثمنًا باهظًا في مكانٍ لم تتواءم معه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اغتراب, غربة
عرض التعليقات
تحميل المزيد