الغربة.. يبدأ الأمر برغبة في الخلاص مما تعانيه داخل وطنك حتى تصبح أقصى طموحاتك هي الرغبة في مغادرته، بل الأقسى أنه ربما ليس إلى مكان محدد، ولكن إلى أي مكان أو حتى إلى اللامكان المهم أن تتخلص منه تتخلص من العبء الذي على عاتقك بوجودك فيه.

لذا تتخلى أو تجبر على التخلي عن كل ما عرفته يومًا كل بنيته من ذكريات وتدعه يذهب أدراج الرياح في لحظة؛ لأن كل ما تريد هو أن تشعر بآدميتك تريد ألا يختاروا لك ميتتك كما اختاروا لك شكل الحياة التي تحياها لا تريد أن تعيش المصير الذي رسموه لك ولغيرك. ففي كل الأحوال أنت قتيلهم، إما بالقتل الفعلي، أو السجن حتى الموت، أو ربما المرض المؤدي إلى الموت، أو الاحتراق في قطار، أو الغرق في عبارة، أو ربما الخلاص بالانتحار. لذا فكل ما ترغب به هو التخلص من قيودك، فتكون النتيجة أنك تلقي بنفسك إلى المجهول تاركًا كل ما عرفته يومًا خلفك، وقد يكون الموت هو مصيرك أيضًا، ولكن على الأقل لن تكون الميتة التي حددوها لك.

وهذه المعاناة هي ما يدفعك إلى الفرار خارجه (الوطن) بأي طريقة وبأي ثمن حتى لو كان هذا الثمن حياتك. فكم من شخص لقي حتفه أثناء محاولته تخطي الحدود. ولكن تصبح الغربة مصير من نجا منهم من الموت. ولكن هل الغربة مصير من هجر وطنه وغادر فقط؟ هل الغربة هي الابتعاد عن حدود الوطن؟ إذا فما هو الوطن؟ هل الحدود؟ الأرض والسماء اللاتي تحيطانك؟ هل الوطن مكان الميلاد أم محل الإقامة أم حيث تنتمي أم هو الأشخاص أم الذكريات؟ في الواقع هو كل هذه الأشياء معًا. لذا ليس من خارج حدود الوطن فقط هم من يشعرون بالغربة، وإنما قد تكون الغربة قدرًا من داخله أيضًا. وهنا أود التنويه أنني لا أقصد الاغتراب، ولا أخلط المفهومين ببعض، فأنا لا أتحدث عن الإحساس الذي بات منتشرًا، حيث يشعر الجميع أنه وحيد، أو أنه غريب عن كل من حوله، وما حوله.

ولكني أتحدث عن شعور آخر، وهو الإحساس بالغربة، حتى وإن كنت داخل الوطن؛ لأنك ببساطة لست داخل وطنك، وإن كنت لم تتخط حدوده. وهو الإحساس الذي دفع الآخرون للهجرة الفعلية. تجد نفسك بعيدًا عن كل ما أفنيت عمرك في بنائه تجد نفسك وحيدًا بما تحمل الكلمة من معنى، وليس مجرد ذاك الشعور الداخلي الذي كنت تحسه في وطنك، فلا أحد تشاركه يومك، وأحداثه، فرحك، حزنك، غضبك، لا أحد لتخبره حتى بأنك وحيد تتمنى لو تعود، ولكنك بالكاد خرجت، والوطن لم يزل هو نفسه الذي هربت منه وألقيت بنفسك خارجه، كما أنك تدرك جيدًا أنك حتى لو عدت ستشعر أنك غريب، فلم يعد شيء مما تعرفه باق، فإن أعادوا لك المقاهي القديمة، فمن يعيد لك الرفاق كما قال محمود درويش.

ولكن على العكس ممن هو خارج حدود الوطن، لا يريد من بداخله العودة إليه، وإنما كل ما يرجونه هو عودته إليهم (وطنهم) فهو الذي اغترب عنهم، وسافر بعيدًا، وتركهم لا يدرون إلى أين أو متى يعود كل ما يرجون أن يصبح الوطن الذي يتمنونه لأنفسهم ولأبنائهم، أن يصبح الوطن الذي ضحى لأجله كثيرون بحياتهم، أن يشعروا بأنهم مواطنون حقًا، وأن حياتهم أولوية. بالانتماء إليه حقًا عن حب. يشعرون بالرغبة في العيش والموت من أجله وعلى أرضه. أن يتوقف عن طردهم، أو عن كونه سجنًا كبيرًا يتعرض من فيه للتنكيل. لذا فربما تكون أصدق إجابة عن سؤال ما الوطن؟ هو ما قاله نجيب محفوظ أنه المكان الذي تنتهي فيه كل محاولات الهروب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد