الوطن الذي نفكر فيه ليس مجرد قطعة أرض نشعر أننا جبلنا من طينها، ليس بعضًا من الذكريات أو الأحلام التي تركناها مذعورة تحت ويلات الحرب، ليس مستقبلًا يخصنا وحدنا، كما أنه ليس تلك الخيبات التي نجرها معنا في شتاتنا المتعاقب، ليس بعضًا من الشعر أو الكلمات الجميلة التي نتداولها كلما أردنا تمثيل دور بطولةٍ ما، ليس خليطًا من الشوق والانتماء والحنين والدموع.

إنه يا صاحبي كرامة شعب بأكمله.. شيء يستعصي على الخذلان والمزاودة والفناء، سيبقى مهما حاولت التخلص منه، لأنه لم يكن يومًا أنت وحدك.

نحاول أن نجعلها تعتاد على الأمكنة الجديدة، نلعن الوطن الذي يتآكل من حولنا، وكلّ من فيه أشقياء، معدمون، يقتاتون على أمجادهم السخيفة.

نمجد معاني الهجرة الحميدة باعتبارها بداية جديدة للوهم المريح الذي نجتاحه بكليتنا، أو لصندوق جديد نفصله على مقاس طموحنا الرديء.

نزايد على من نسميهم الأغبياء أو الصامدين أو أصحاب العواطف المستهجنة، أولئك الذين ما زالوا يشعرون بالحنين لحاراتهم المدمرة وبيوتهم الخربة ولفقرهم القديم.

نمثل أحيانًا دور السياسيين الذين يعلمون مآلات الأمور، وندعي فهم ما نحن فيه، وفي الواقع نحن لا نعرف إلا مقدار ضعفنا وخيبتنا.

وأحيانًا أخرى نمثل دور العائدين مع الشمس التي خبأناها في حقيبة السفر يوم غادرنا، وتعهدنا أن نعيدها بحجم الوطن المدمر، ولكنها إلى اليوم ما زالت على مقاسنا فقط، ونمني أنفسنا بالزمن الذي سيجعلها تكبر يومًا ما، إذا لم تمت كما يحدث غالبًا.

ندعي أنّ من يسكن هذا الوطن مجموعة من اللصوص والحاقدين وأمراء الحرب والقتلة، الذين أحالوه إلى غابة لم تعد تليق بنا، لم تعد ذلك المكان الذي يليق بمغتربٍ أفنى عمره من أجل خدمة وطنه كما يقول، ليس مكانًا أفضل، أو ليس مكانًا يستحق العيش، ففي الوطن اليوم ينتشر الموت في كل زاوية وعند كل مدخل زقاق قديم، ليلهُ حافل بالاغتيالات، ونهاره مليء بالعذابات والشجون والذكريات الدامية.

لم يعد ذلك الوطن الذي ناضلنا من أجله، واضطررنا أن نغادره من أجله، وأن نعيش الغربة من أجله، وأن نعدّ أنفسنا من أجله، ياللكارثة، سنضطر للبقاء غرباء، لأنه لم يعد صالحًا لتضحياتنا العظيمة، ولم يعد قادرًا على استيعاب جهدنا وعرقنا وغربتنا المريرة التي عشناها بكل بؤس بعيدين عنه، سنضطر لمشاهدته ينهار كاملًا، وسنضطر لرؤية دماء من تبقى به تسفك بشكل يومي، سنقلق راحتنا لساعات، سنعتصم ونتظاهر، وسنكتب عنهم وعن آلامنا بسببهم، أو بسبب معاناتهم، وسنأمل أن يساعدنا العالم لإنهاء عذاباتهم، ثم سنعود لبؤسنا الذي ندعي أننا نعيشه، وسنلعن ساعات الغربة، ونعلن شوقنا للوطن، ذلك الشوق الذي ينتقص من أرواحنا كدوامة لا تنتهي، ولكن..

«ما معنى الوطن إذا لم يكن قادرًا على احتضان أبنائه»، أليس كذلك؟! بمثل هذه العبارات نحاول فقط أن نبرر هزيمتنا.

هذه هي الحقيقة التي نحاول تجنبها دائمًا، لقد خسرنا الحرب يوم خطونا أول خطوة خارج البلاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

صمود, غربة, مهجر, وطن
عرض التعليقات
تحميل المزيد