التغريب هو حالة مؤامراتية وإن أردت تبديل الحروف لتكون إماراتية فلا بأس حالة تهدف إلى نزع هوية المجتمعات الشرقية التي صبغت بالصبغة الإسلامية منذ فترات انتشار الإسلام بل وغيرت بعضًا من هذه المجتمعات هويتها بعد أن دخلها الإسلام واستبدلتها بالهوية الاسلامية كما في بلاد العراق التي كانت تابعة للدولة الفارسية بل إن دخول الإسلام إلى قلب بلاد فارس أنتج علماء وأشعل فتيل العلم في هذه المدن ويكفي هنا أن تعرف أن خمسة من أصل ستة ممن قاموا بجمع الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا من هذه البلاد ولم يكونوا عربا أحقاق.

نعود إلى عملية التغريب وأتحدث هنا عن مصر وكيف بدأت هذه العملية ومتى. بدأت هذه العملية منذ الحملة الفرنسية على مصر وأنا هنا لست ممن يؤيدون حالة الجمود الفكري التي تسمح لصاحبها بأن يدعي أن الحملة الفرنسية لم ينتج عنها إلا كل سوء وأن الدولة المصرية كانت في نعيم مقيم فكلا الأمرين ليس صحيحًا إلا أن هذا الأمر أيضا يدخل تحت بند التغريب موضوع المقال، وهو كيف يأتي الغرب ببضاعته إليك حتى أنك حين تحملها على راحلتك يكون قد دس لك في رحلك ثعبانا جائعا يلتهم البضاعة التي اشتريتها ثم ما يلبث أن يلتهمك أنت، ولا عجب من أن ثعابينهم لا تتوجه إليهم بسوء أبدًا فهم من روضوها ومن يعلمون كيف يحركونها.

ادعى الفرنسيون أنهم سوف يقيمون ديموقراطية داخل مصر حتى إذا ما قضوا على كل القوى الوطنية وغير الوطنية تربعوا على عرش مصر وأعلنوا حربهم على عادات هذا البلد وآدابه إسلامية الطابع ولمن أراد أن يرجع إلى أدلة على ذلك فليرجع إلى كتابات الجبرتي عن الاحتلال الفرنسي.

كان الاحتلال الإنجليزي أحد مراحل التغريب. زادت حدة التغريب مع بروز وسائل الاعلام وانتشار مساحات تأثيرها خصوصا وأنها في ذلك الوقت (القرن الماضي) كان معروفا تبعيتها لمن بيده تغيير دفتها على الوجه الذي يريد أو قل على الوجه الذي يرضي السيد الغربي.

لعبت السينما المصرية دورًا هو الأعظم في هذه العملية التخريبية من خلال إظهار نماذج الخلاعة والانحلال حتى أنك لو راجعت أفلام الأربعينيات تكاد لا تخطئ إن لم تجد امرأة واحدة عليها علامات العفة ثيابها وضع في اعتبارك أن هذا الأمر توحش على نحو عظيم في الآونة الأخيرة بحيث باتت رسالة التغريب معلنة بعد أن كانت متدثرة .

لا ينفصل ذلك الأمر عن عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني التي بدأت متدثرة أيضا تحت عبارات البناء والسلام حتى انتهينا إلى ما نحن عليه اليوم بعد أن خلعت الأنظمة العربية برقع الحياء تجاه التطبيع وصارت تعلن عنه آناء الليل وأطراف النهار وكأنها كانت تتعبد في الخفاء وأن لها الآن أن تتعبد في العلن فتعلن الاستغفار والإنابة للدولة المتصهينة كلما لاح لها ذلك عما فاتها من عقود ظلت تتعبد في الخفاء .

أخيرًا أقول بأن التغريب يتم على قدم وساق ولن ينتهي إلا أن تفيق هذه الامة من سباتها العميق لتعلن التمرد على هذه الحالة الجامدة وتنطلق إلى عصر الحرية الذي يحق للجميع فيه ممارسة حقوقهم لا أن يقتصر الأمر فقط على داعمي التغريب وأسرى الديموقراطية الغربية التي لا نرفضها بالطبع ولكن نرفض عملية تسويقها داخل بلداننا وفقا للمعيار الأمريكي وبحيث يمر الإنسان من داخل فلاترها إن كان مغموسا بأفكارهم أو كان داعما لهم وإن كان مستبدا، أما إن كان يحمل رؤية للنهوض فسرعان ما تعلن الفلاتر انسدادها لتلقيه في اليم لتأكله أسماك القرش .

على ذكر القرش كان القرش في ثلاثينيات القرن الماضي يساوي ١\٢٥ من الدولار والآن صار يساوي ١\١٣٠٠ من الدولار .
فاعتبروا يا أولي الأبصار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التغريب
عرض التعليقات
تحميل المزيد