استرعى انتباهي حديث الكاتبة التركية الشهيرة «إليف شافاق» صاحبة رواية «قواعد العشق الأربعون»، وهي تسرد جزءًا من مذكراتها الشخصية في روايتها «حليب أسود»، حيث تحكى عن حياتها وتنقلاتها بين البلدان المختلفة بدءًا من تركيا حيث موطنها الأصلي إلى فرنسا، حيث مسقط رأسها، ثم الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تعمل محاضرة بجامعة أريزونا، ومرورًا بألمانيا ومدريد وعمان، وتكرار السفر ذهابًا وإيابًا من وإلى هذه البلدان؛ وقد تَركز حديث الكاتبة حول الجانب الإنساني من حياتها فذكرت معاناتها ووقوعها فريسةً لاكتئاب ما بعد الولادة إثر ولادة طفلها الأول، وما ترتب على ذلك من اضطراب لحياتها، وتأثرٍ كبير في إنجازها وطموحها ككاتبة.

لفتني حقًا عدم ذكرها للغربة من قريب أو بعيد كمعنى شاع تناوله في الأدب العربي كمرثية؛ حيث ركزت فقط على تدوين تجربتها الشخصية مع الأمومة بكل سلبياتها وإيجابياتها التي عاشتها حينذاك، دون ذكر الغربة كعاملٍ مؤثر في حياتها.

بالطبع لست بصدد البحث وراء السبب في كون الروائية «إليف شفق» لم تطرح مفهوم الغربة في روايتها التي تٌسطر فيها معالم وتفاصيل الفترة الأكثر حرجًا في حياتها، والتي كادت تعصف بمستقبلها الأدبي والمهني، بل الإنساني؛ لكن مجرد اختفاء لفظ ومضمون الغربة في سياق مذكراتها كان لافتًا للانتباه، لاسيما أن معنى الغربة في وجداننا بات مقترنًا بالكثير من معاني الألم والمشاعر السلبية؛ وهي بالمناسبة معاني ومشاعر حقيقية، فقسوة الغربة وسلبياتها لا تَخفى على من جربها، ومرارة الوحدة والاغتراب والبعد عن الوطن لا تحتاج إلى الكثير من الشرح والبيان، فلست هنا بصدد إثبات عكس ما سبق أو محاولة تزيين الغربة وتصويرها كجنة،ولكن هي محاولة لنفض الغبار عن الوجه الآخر للغربة، وجه ربما اعتبره البعض من ملامح قسوتها، وربما اعتبره آخرون امتدادًا طبيعيًا ونتيجةً حتميةً لها، وقد يعتبره غيرهم من إيجابياتها وحسناتها، وأيًا كان فهو وجه لا يمكن إنكاره أو التنصل له.

الغربة بالرغم من آلامها، وبالرغم ما تسلٌبك إياه من عمرٍ وطاقةٍ نفسية وذكرياتٍ جميلة وأناس تحبهم، هي أيضًا تمنحك أكثر مما قد تتصور؛ فالغربة مدرسة من مدارس الحياة المتعددة، قد تكون مدرسة قاسية صارمة تضع ضوابط ولوائح غير مسموح لك بتجاهلها أو الاستهتار بها، لكنها تصنع منك إنسانًا مختلفًا صلبًا قويًا بما يكفى لتحمل مشقات الحياة وصعابها، بل وصدماتها، ففي موطنك حتمًا، ستجد من يساندك في أزماتك، ويقوي ظهرك في تحدياتك وملماتك، ستجد حتمًا من يحنو عليك، ويستمع إلى شكواك، ويواسيك ويتفقدك، وعلى طرف النقيض، فلن تجد في الغربة كل هذا، وقد تمر بأزمة تلو الأخرى، لكن الواقع يفرض عليك أن تظل واقفًا، وأن تظل قويًا بما يكفى لتواجه مشكلاتك وأزماتك وتتجاوزها، دون أن تنكسر، غير مسموحٍ أصلًا أن تنكسر؛ لأنه ببساطة أنت وحدك الآن، وانكسارك قد يعني انهزامك، فالخيار الوحيد في الغربة هو أن تتجاوز أزماتك، وتنطلق مرة أخرى لاستكمال حياتك، فالغربة مثل محرقة الذهب تنقيه تمامًا حتى يزداد بريقًا ونقاءً وصلابة.

وفى الغربة أنت مطالب بالاعتماد الكامل على نفسك في جميع شؤونك، فلن يكون بجوارك أهل أو أقارب يتحملون معك جزءً من أعباء الحياة ومهماتها، لذا ستجد نفسك مع الوقت قد اعتدت على تسيير جميع أمور حياتك دون انتظار دعم من قريبٍ أو مساندةٍ من صديق، سوف تعتمد على نفسك كليًا لدرجة قد تبهرك أنت شخصيًا؛ إذا توقفت قليلًا للتفكير والنظر إلى سابق عهدك.

وللغربة حديثٌ ذو شجون؛ فهي تجبرك على ألا ترتبط بشدة؛ غير مسموحٍ لك أن ترتبط أكثر مما ينبغي بالأشخاص، ولا بالأماكن، ولا بالأشياء، لا أقصد بالطبع توقف القلب عن الشعور، لكن ما أعنيه هو أن الغربة تجعلك دائمًا في حالة جاهزية للرحيل، دائمًا سيكون حاضرًا في ذهنك أنك حتمًا ستغادر، مهما طال بك الوقت، وأن وجودك في مكانٍ ما، ومع أشخاصٍ ما، مهما أحببتهم، هو وجودٌ مؤقت مرهون بميعاد إقلاع طائرتك؛ لذا ستجد نفسك دائمًا تفرح بحساب، تستمتع بحساب، ترتبط بحساب، تتواجد أينما تحب، ومع من تحب، وعينك على صالة المغادرة بالمطار، فالغربة تجعلك دائمًا في حالة استعداد نفسي لفراق من تحب وما تحب. تجعلك تتخفف من الأشياء؛ لأنك تعلم أنك ستتركها وترحل عاجلًا أم آجلًا.

وفى الغربة ستجد لديك مساحة كافية من الوقت لتقف مع نفسك وتفكر، ربما ستجعلك تعتاد الوحدة، لكن في وحدتك سوف تعيد تقييم نفسك وحياتك، وربما تعيد هيكلتها من جديد، قد تستطيع ممارسة هوايتك المفضلة أو مطالعة ألبوم صورك القديمة، أو التقليب في أوراق ذكرياتك ربما، وستجد نفسك مضطرًا لأن تحتسي قهوتك وحدك، وستعتاد ذلك، وتستمتع به، وعلى كل حال سوف تتيح لك الغربة الفرصة للتصالح مع نفسك، ورؤيتها بمنظور جديد، وبمساحة كافية من الوقت لإصلاحها، وإعادة صياغة طموحاتك وأهدافك.

وفى الغربة سوف تنظر لأهلك وأصدقائك بشكلٍ مختلف، وستشعر بأنك تحبهم أكثر مما كنت تتصور، وأن ساعةً واحدةً من الجلوس والحديث معهم تُعد بالنسبة لك كنزًا ثمينًا، سوف تشعر بأن أي خلافٍ كان بينك وبين أحدٍ منهم قد بات لا قيمة له؛ إذ أنت الآن في غربتك بعيدًا عنهم، وستجد نفسك مدفوعًا لأن تُسامح أيًا منهم على إساءةٍ قد يكون وجهها لك يومًا ما؛ لأنك ببساطة سوف تشعر أنه لا شيء يستحق الخلاف أمام الاغتراب، والبعد، لذا ستجد لديك طاقة نفسية أكبر على التسامح.

وفى الغربة سوف تلتقي بشرًا من أجناسٍ وأعراقٍ متعددة ومختلفة، ولكلٍ منهم عاداته وتقاليده وطقوسه الحياتية التي تختلف عنك تمامًا بما يفتح لك بابًا رحبًا لتعلٌّم الكثير من الخبرات الحياتية والعملية المتنوعة، وفهم لنفسيات البشر وطباعهم، وبالتأكيد فإن لذلك انعكاسًا إيجابيًا على شخصية الإنسان؛ فمخالطة الناس والشعوب المختلفة من أعظم فوائد السفر.

وفى الغربة سوف تجد الوقت الكافي للاقتراب من أولادك وعائلتك الصغيرة: تقضى معهم إجازتك الأسبوعية، وتلتقون بانتظام على مائدة الطعام، وتتشاركون الكثير من لحظات الحياة معًا، فستصبح عائلتك الصغيرة هي البديل عن العائلة الممتدة، وعن الأصدقاء والأقارب؛ لذا فالغربة تقرِّبٌ كثيرًا بين أفراد العائلة وتجعل علاقتهم قائمة على الصداقة والترابط.

وفى الغربة ستجد مزيدًا من الوقت للتركيز مع أبنائك في جوانب تربيتهم، وبناء شخصياتهم، مع المحاولة الدائمة لانتقاء الأنشطة التي تملأ أوقاتهم، والتقييم الدائم لكلٍ منهم على حدة، وسوف تجد لديك من القوة النفسية ما يكفى لاتخاذ قرارات خاصة بأسلوب تربيتهم قد تعجز عن اتخاذها حيث موطنك الأصلي؛ لتتحرر من بعض الموروثات التربوية السلبية في المجتمع، والتي قد لا تتناسب مع الأجيال الحالية من الأبناء، وربما ساعدتك الغربة أيضًا على سهولة غرس بعض القيم القويمة في أبنائك بعيدًاً عن أي مؤثراتٍ سلبية من المجتمع أو وسائل الإعلام أو ما شابه، فستجدها بيئة مثالية لأن تٌبدع في أساليب ووسائل تربية أبنائك، ولتصنع لنفسك النموذج التربوي الملائم، والذي تراه صوابًا.

وفى الغربة سوف تكتشف بنفسك معادن هؤلاء الأوفياء الذين ما زالوا على عهد الصداقة القديم، بالرغم من بُعد المسافات وغياب السنين، ستجدهم من بين الكثيرين الذين عرفتهم ما زالوا يتفقدونك ويتذكرونك بين الحين والآخر، وستصطفى هؤلاء القلة ليكونوا هم رفاق العمر، وسوف تستمتع كثيرًا بذلك الشعور.

ومن المعروف أن الغربة لا تصنع أصدقاءً؛ فعلاقاتها عابرة تعتمد على تمضية الوقت؛ لكن ابحث عنهم هناك وسوف تجدهم، قد لا تجود عليك الغربة وسنواتها الطوال، إلا بصديق أو اثنين، لكن صدقني هذا يكفى، وحين تجدهم سوف تكتشف أنهم من خيرة الأصدقاء؛ فالوفاء لعهد الصداقة أهم بكثير من العدد الذي لا قيمة له.

قد تتفق معي فيما سبق أو تختلف؛ فأمور الحياة تخضع للتجارب الشخصية، ولكلٍ تجربته الخاصة، لكنها محاولة للتركيز على بعض إيجابيات الغربة؛ حتى لا نقع ضحايا لها، ونفيق على أنيابها الحادة، وقد سلبتنا أعمارنا ببهجتها وجمالها، لكن ـ على أية حال، وسواء اتفقت معي أم اختلفت ـ عليك أن تصنع تجربتك بنفسك، ولا تستسلم لمرثيات الغربة الموروثة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الغربة
عرض التعليقات
تحميل المزيد