ما هي أشكال الاغتراب في العالم العربي؟

ظاهرة التقوقع والانطواء على الذات الآخذة بالتوسع والانتشار في المجتمعات العربية الناتجة عن تأثيرات سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وتكنولوجية باتت تؤثر بالمجتمعات العربية، لكن على شكل فردانية مفرطة، هذا التقوقع الذي بات يطلق عليه المثقفين بالاغتراب، أي شعور الفرد العربي بالغربة والعزلة داخل وطنه وبيته وأهله وأقاربه وأسرته، و الاغتراب هنا يأخذ شكلين مهمين وبتأثير مزدوج، حيث يأخذ الشكل الأول اغتراب الفرد عن الدولة كمؤسسة أم لكل الشعب وكراعية لمصالحه واحتياجاته، حيث بات يشعر الفرد العربي إن الوطن ليس ملكًا له، وأن هذه المؤسسة ليست أكثر شركة استثمارات ربحية محدودة ينعم بخيراتها القلة القليلة من الطبقة الرأسمالية المتحالفة مع أجهزة الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتكون في هذه الحالة السلطة الرابعة المتمثلة بالإعلام ملكًا أصلًا لهذه الطبقة التي يمكن تسميتها بالجهاز الأول في الدولة، وما عداه ثانيًا فما فوق.

وأما الشكل الثاني فهو التقوقع والانعزال عن المجتمع الذي يتحول في ظل الاستبداد السياسي إلى ظاهرة نفاق لكل ما له صلة بالشكل الأول، يشعر حينها الفرد المتقوقع أنه ضائع بلا هوية فلا هو هنا ولا هو هناك، يفقد الثقة بكل ما حوله ويصل إلى مرحلة من اليأس والاشمئزاز والقرف بلا حدود، مما يؤثر أوتوماتيكيا على قدراته التفاعلية المجتمعية، ويحد منها، قد تسمع أن فلان لا يحب الذهاب الذهاب إلى المناسبات الاجتماعية أفراحًا كانت أم أتراحًا لما يراه من مظاهر النفاق والتملق الخسيس والمخجل أحيانًا لأحد المتنفذين أو الاغنياء الذين قد يكونون متواجدين في هذه المناسبات، وهم على وفاق تام بالمناسبة، خصوصًا إذا ما كان  أحدهما أو كليهما قد لا يتمتع بأي مستوى علمي أو أكاديمي أو حتى حضاري ذوقي بالترافق مع حالة الغرور والتبجح التي قد ترافقهما أو ترافق أحدهما مع الأخذ بعين الاعتبار أن بعض  المتنفذين الفاسدين خصوصًا، قد يتمتعون بنوع من الدهاء التمثيلي بما يتناسب والأجواء والظروف المحيطة، كالتمثيل بالتدين مثلًا أو الوطنية الزائفة، وبعضهم يمثل الاستعراض عن طريق الصمت، وهو أسلوب لتغطية عيوبه الفكرية التي كما يقال قد تكشف من أول نقاش، لكن المخجل حقًا عندما لا يتقيد أحدهم بهذا الأسلوب، ويبدأ بطرح أفكاره عديمة الوزن؛ لتجد شبانًا متعلمين يهزون رؤوسهم مؤيدين ومهللين لأطروحاته غير المترابطة أو المنطقية التي تنبع من جهل.

كيف يكون الفقر والفاقة سببًا للاغتراب؟

في رسالة كتبها الرئيس الثاني والثلاثين للولايات المتحدة فرانكلين روزفلت إلى الكونجرس الأمريكي عام 1944: إن التحرر من الخوف مرتبط دائمًا بالتحرر من الفاقة. يعتبر الفقر والعوز وما نتج عنهما من ارتدادات تمثلت بظواهر كالإرهاب والنزوع للعنف الناتجين أساسًا عن سياسات قمع ممنهجة على شكل إرهاب دولة من أبرز مظاهر غياب العلم والبحث العلمي في المجتمعات العربية، حيث  يعادل دخل دولة مثل إسبانيا دخل الوطن العربي مجتمعًا، هذا  إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مداخيل الدول النفطية الذي يسمى اقتصادًا ريعيًا، بمعنى آخر هبة الله، أو هبة الطبيعة، وليس دخلًا نتيجة العلم والصناعة والإدارة الحسنة، كتركيا مثلًا، لفتني قبل فترة إنشاء تركيا أكبر مطار في العالم بتكلفة 23 مليار يورو، والذي سيوفر خلال شهر فبراير (شباط) القادم 255 ألف فرصة عمل في بلد أيضًا إنتاجه الأدبي والفكري يفوق إنتاج العالم العربي مجتمعًا، قارنت ذلك بدولة عربية، وهي مصر حجمها من حجم تركيا، وهي أكبر دول عربية، قوة عددية وعسكرية وعلمية، عندما استقرضت من البنك الدولي 12 مليار على 4 دفعات حيث تشكل كل شريحة 3 مليارات، مقابل إصلاحات وإجراءات تقشف اشترطها البنك الدولي؛ أثقلت كاهل المواطن المصري وأنهكته، حيث تصاعدت الأسعار إلى حد بات الموت أرحم من ضنك العيش، كل ذلك مع حجم التهريج الإعلامي والسياسي الذي يستخدمه الرئيس المصري وجوقاته الإعلامية المعروفة، بشكل يفتقر إلى أدنى منطق وعلمية وموضوعية.

إلا أن أخطر نتائج غياب العلم وتغييبه، وهو نتاج الفقر أيضًا، هو الإرهاب أو النزعة للعنف والتطرف، لعل أخطر ما وصل إليه الوعي العربي مؤخرًا هو صورة الإرهابي الكاريكاتورية في أذهان الناس، ويمكن اختصارها تصويريًا بما يلي (شيخ ملتح، يلبس اللباس الباكستاني ويحمل سيفًا أو سلاحًا أو قنبلة، وشكله ومظهره غير وسيم)، لكن لو بحثنا عن جذور الإرهاب جيدًا؛ سنجد أن الدول نفسها في العالم العربي هي أم الإرهاب وأبوه وأصله وفصله، لا يوجد شخص يقرر فجأة أن يتحول إلى إرهابي أو قاتل، لا أحد في هذه الدنيا يحب أن يكون قاتلًا، لا يوجد مبحث في العلوم الجنائية أو النفسية أثبت بشكل قاطع النزعة الوراثية أو الميل الوراثي للعنف، ثم ما لا يخطر ببال كثيرين، ما هي علاقة الإرهاب والفساد في الدول العربية؟ لو بحثنا جيدًا؛ سنجد تحالفًا خفيًا ضمنيًا أو مباشرًا بين المجموعات الإرهابية في الوطن العربي، وهذه الحكومات وأجهزة قمعها، كلنا نتذكر حادثة تفجير الكنيسة القبطية في الإسكندرية أواخر عام 2010، وبدأ الحديث بقوة بعد ثورة يناير عن ضلوع أجهزة الدولة، خاصة وزير الداخلية آنذاك حبيب العادلي، لا توجد كلمة أكثر من الإرهاب تطرب عليها آذان أجهزة الأمن في الدول الاستبدادية، لأن هذه الكلمة تعني شرعية ومشروعية تجاوزاتهم وانتهاكاتهم الخطيرة بحق مواطنيهم، خصوصًا في بلدان لا زالت تحكم بنظام الطوارئ الذي يبيح اعتقال الناس والتنكيل بهم تحت حجج الأمن القومي وأمن الدولة والمجتمع، وهي المسوغ التشريعي والقانوني الأقوى إن كان للتشريع دور في هذه البلدان للاستمرار على هذا القانون الفاقد للشرعية والقانونية في البلاد العربية.

كيف عكست السينما والدراما العربية حالة الاغتراب في المجتمعات العربية؟ (سوريا ومصر مثالين)

حاولت السينما المصرية والدراما السورية بشكل ذكي وخفي تسليط الضوء على هذه الظاهرة وبعض الظواهر في بلدين عاشا تحت أنظمة استبداد عسكرية عنيفة مع اختلافات موضوعية هنا وهناك لكل قطر منهما، لكن فهم ضمنًا من خلال هذين الوسيلتين أنهما احتجاج قانوني وهادئ وذكي على حالة الاغتراب الشديد الذي يعيشه شباب هذين البلدين، ومن خلالهما كان واضحًا أن ثورة ستحرق الأخضر واليابس، إذا ما اندلعت في أحدهما أو في كليهما معًا، كثيرًا ما تناولت السينما المصرية الأكثر جرأة والأكثر حرية من نظيرتها السورية حجم الفساد المتفشي في أجهزة الدولة الأمنية والشرطية والقضائية، فيما تناولته الدراما السورية من منحى آخر أقل جرأة، حيث دائمًا تظهر أجهزة الدولة الشرطية على هيئة ملاك مخلص، لكنه أكثر ذكاءً وحرفية، لمن أراد أن ينظر إلى العمق بمعزل عن القشور.

لقد تناولت الدراما السورية حجم الفقر وحجم الذل والقهر الذي يعيشه المجتمع السوري والشاب السوري العادي من غير أن تظهر الدولة كمسبب ظاهر في الصورة الدرامية، لكن يفهم ضمنًا من سياق هذه الأعمال الدرامية المؤثرة جدًا في بعض الأحيان أن ما يجري هو مسؤولية، وبسبب النظام الرسمي، الذي يحكم البلد بالحديد والنار، عبر أفرع مخابراته المتعددة، وبأسمائها الغريبة، ذات الرهبة كفرع المخابرات الجوية، ودائرة الأمن العسكري، والأمن السياسي، حتى الدائرة المسماة دائرة فلسطين، وهي دائرة مخابراتية تثير الفزع في المجتمع السوري، أذكر أن إعلامي الجزيرة الشهير فيصل القاسم المثير للجدل كان قد نشر على لسان الشباب السوري من خلال تعليقاتهم الفيسبوكية من على صفحته “أن ما يطمح إليه الشباب السوري ديموقراطية كتلك التي كانت في عهد الرئيس المصري حسني مبارك، تخيلوا أن ما ثار عليه الشعب المصري يتمناه الشباب السوري بثورتهم، كانت هناك أيضًا محاولة جريئة وبشكل كوميدي ساخر عبر مسلسل يوميات مدير عام، الذي أبدع فيه الفنان السوري أيمن زيدان الذي وقف إلى جانب النظام بعد اندلاع الثورة السورية، ويعتبر حتى هذا المسلسل من المرجعيات النقدية الساخرة التي يلجأ إليها أكاديميو الإدارة للشرح للطلاب الفساد المستشري في الإدارات العامة في عالمنا العربي.

كيف عكست الرواية والأدب العربي والكتاب العرب حالة الاغتراب؟

محمد الماغوط الكاتب والشاعر والأديب السوري الشهير مؤلف مسرحية (كاسك يا وطن) والتي مثلت على المسرح، ولم تطبع، وصاحب رائعته الأدبية (سأخون وطني) ما معنى أن يخون الإنسان وطنه؟ لعل في ذلك الرفض، والكفر بكل ما له علاقة بأنظمة الحكم والثقافة السياسية العربية القبلية، حيث قال: جربوا الحرية يومًا واحدًا؛ لتروا كم هي شعوبكم كبيرة، وكم هي إسرائيل صغيرة.

انتقد الكاتب بشدة الديكتاتوريات العربية الثورية منها والرجعية؛ لأنها تختلف في الشكل والقشور، لكنها تشترك بجوهر وعصب العملية السياسية، ألا وهو الاستبداد والفساد الذي ينخر عظم المؤسسات والإدارات العربية كالسرطان في جسد المريض، كما أدان بشدة النعرات الدينية والطائفية والعرقية في الوطن العربي، إضافة إلى البروباغندات والاستعراضات فارغة المضمون وعديمة الوزن التي تمارسها الديكتاتوريات على الشعوب المصلوبة.

الكاتب الساخر والأديب المصري جلال عامر نموذجًا آخر، الرجل الذي شارك في 3 حروب مع القوات المصرية، وكان ضابطًا في حرب أكتوبر، حيث مات في فبراير 2012؛ إثر نوبة قلبية أثناء مشاركته مظاهرة، هجم عليها البلطجية، وهو يردد ”المصريين بيموتوا بعض”، الرجل مات وله عدد من المؤلفات أهمها الصادر 2009 عنوانه: مصر على كف عفريت. ومقالات صحفية ناقدة كثيرة جدًا أحدها مثلًا: أضحك كثيرا عندما يقولون ضبطنا شحنة قمح فاسد، بالذمة القمح هو الفاسد؟ لقد صور الكاتب جلال عامر مصر كما لو أنك تتابع مسلسلًا مصورًا أو كأنه يوتيوب خيالي على شكل صور تتخيلها في عقلك وأنت تقرأ له.

أذكر أنني قرأت له مؤلفًا عبارة عن تجميع لمقالاته: عندما كنت في السجن، فتخيلت نفسي كأني أعيش في مصر، ركز الكاتب على حالات الفساد والرشوة والنفاق التي تفوح من كل زاوية وركن من أركان الدولة المصرية عقب ثورة يوليو حتى عهد مبارك الذي ثار عليه المصريون يوم 25 يناير 2011، كتب أيضًا الأديب وعالم الاجتماع والمؤرخ العراقي د.علي الوردي مؤلفاته التي عبرت عن حالة الغربة الذي يعيش فيها في مجتمعه الذي شهد عبر التاريخ الإسلامي الكثير من الفتن والحروب والاقتتال من واقعة الجمل وكربلاء وفتنة الزنوج حتى الحروب والحصار الذي شن على العراق والذي توج بغزوا العراق عام 2003 والحروب والإبادات الطائفية التي توفاه الله قبل يراها، قد يكون ذلك جيدًا له، الرجل الذي عاش تحت ظل حربين عنيفتين عاشتهما العراق، وحصار قاس، وانتفاضات داخلية، وانقلابات وأنظمة ديكتاتورية متعاقبة.

كتب هذا الرجل كتابه عن مهزلة العقل البشري، ودراسة في طبيعة المجتمع العراقي، حيث درس المجتمع بطريقة أشبه بطبيب جراح وطبيب شرعي شرح أحدهما الجسد والآخر، كشف كل عيوبه وضرباته، كتب أيضًا عن وعاظ السلاطين، حيث كتب: ما دام السلطان الظالم محاطًا بالفقهاء، وهم يؤيدونه فيما يفعل، ويدعون له بطول البقاء، فمتى يستطيع أن يحس بأن هناك أمة ساخطة.

فيما يكتب اليوم الأديب والروائي اللبناني إلياس خوري مقالاته التي تقرأ بين سطورها غربة تامة يعيشها في مجتمعه المنقسم سياسيًا إلى 8 و14 مارس (أذار) في بلد عاش حروبًا أهلية قاسية ومذابح دموية عبر التاريخ، لا زال هذه البلد الصغير الجميل المتعدد طائفيًا والمحكوم بملوك الطوائف على شكل سياسيين برلمانيين أو قادة أحزاب طائفية في بلد لا يمكن لغير المسلم السني أن يكون رئيسًا لوزرائه، والمسلم الشيعي رئيسًا لبرلمانه، والمسيحي الماروني رئيسًا للجمهورية، فيما البرلمان مقسم مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وكل قسمة من هاتين القسمتين موزعة حسب الطوائف لكل ديانة، لا يجد الرجل نفسه مع هاتين القوتين السياسيتين اللتين تجمعان في بوتقتهما تحالفات حزبية وطوائف، ومن ليس مع هاتين القوتين في لبنان فهو لا شيء، إلياس خوري انضم سابقًا إلى صفوف حركة فتح التي كان لها الحضور الأقوى في لبنان قبل اجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، والتي كانت الملجأ لكل المثقفين الوطنيين اللبنانيين والفئات اللبنانية المسحوقة والفقيرة، خصوصًا من الطائفة الشيعية التي تهيمن  سياسيًا على لبنان اليوم عبر حزب الله وحركة أمل حلفاء إيران وسوريا، حتى عماد مغنية قائد حزب الله الذي اغتيل في دمشق عام 2008 تدرب وعمل في صفوف فتح وكثير من المثقفين والكتاب اللبنانيين، مثل ناصر قنديل وأنيس النقاش وغيرهم الكثير، ينتاب القارئ شعور أن هذا الرجل، أي إلياس خوري، تطغى عليه فلسطينيته أكثر من لبنانيته، حيث كتب ذات مرة ”أنا لا أحب فلسطين، أنا أحب الشعب الفلسطيني”، تجد الاغتراب أيضًا في مقالات الأديب والروائي المصري علاء الأسواني المعارض صاحب الصوت الأعلى لنظام السيسي في مصر اليوم، وهو من القلائل الذين يكتبون، وإن بمجلات غير مصرية، لكن صوته يصل، كتب الرجل كثيرًا عن الفساد والنفاق والاغتراب الذي يعيشه شباب مصر اليوم في ظل التهريج السياسي والإعلامي الذي تعيشه مصر بشكل لم يسبق له مثيل في دولة أشبه ما تكون في علم السياسة بالدولة المسرحية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد