لم أعد أعرف على وجه اليقين متى وكيف ولماذا؟ صرت هكذا محلقًا بذاتي، بعيدًا عن كل ما يمت للعالم بصلة!

فالحقيقة أنني لست مؤمنًا بكل ما يدور بذلك الكوكب. والواقع ليس إلا مرآة تعكس ما صنعه الناس ولا جدوى من مكافحتهم أو ملازمتهم على الإطلاق. فصارت لغتي مبهمة، وأحلامي سيريالية، ووحدتي طوق نجاتي الوحيد.

فليس في مقدوري غير انتظار الانفجار العظيم لذلك الكوكب وابتسامتي ليست إلا سخرية مريرة عندما أرى البنائين، أولئك الحالمين الذين بنوا الجسر ليعبر الناس أجمعون، فعَبَرَ الطغاة والمجرمون والسفلة.

الذين وهبوا كل شيء لاقتناص غد عظيم، ولم ينتبه لهم قومهم بل فعلوا بهم الأفاعيل، فغرق الناس في قاع الكوكب في عبودية مطلقة إلى يوم يبعثون. تتلاعب بهم الأزمنة وتتخبطهم رياح الأنظمة حتى حكم الكوكب حفنة أشرار يصفق لهم سكان الكوكب المتهالك يطويهم الكذب والضلال المبين.

ودائمًا ما يكون فقدان الدوافع في الحياة، تعبيرًا عن كم هائل من تراجيديا تنتهي دائمًا ليس بهزيمة البطل فحسب وإنما بتحويله لشيء آخر. وتبقى الروح آملة في الارتقاء، دون رغبة في البقاء.

فما يهزم المنطق ويسحق الضمير ويدوي في سماء النفس البشرية كالصاعقة، هو أن تتدهور عقيدة الانتماء للوطن من حيث الحلم والفكرة، فلم يعد لنا حلم إلا وتم ابتلاعه، ولا فكرة إلا وتمت مصادرتها.

ليست دعوة للانسحاب من معترك الحياة وإنما جرس إنذار عن مدى الهوة التي أحدثتها مشاريع الحصار التي تطوقنا من كل جانب، فلا فجر يلوح في الأفق ولا قاعدة بشرية متماسكة يعول عليها، فآفة بلادنا الانقسام ولو أدى بنا ذلك إلى الانبطاح تحت حذاء المحتلين عبر الوكالة.

فالناس على دين سلاطينهم، والتغريد خارج السرب هو ضرب من الجنون في معتقداتهم، والقضايا الكبرى ليست في جدول اهتماماتهم. حتى بدا الأمر برمته ملهاة كبرى لا طائل من ورائها، ولا مناص من مغادرتها.

والملهاة الكبرى، في المسرح الذي يعج بأحداث جسام، واللاعب الأوحد شديد المهارة، يريد اقتناص الفرص واحدة تلو أخرى ويمر وسط حشود مثقلة بتركة فساد مستشرٍ واستبداد مؤسسي ضخم وهائل، وقد يلزم اللاعب الأوحد إلهاء الجميع بعيدًا عن فريسته الساكنة المستكينة، فيدفع بطلقاته صوب الجانب اللبناني فتلتفت الجموع هناك، في حين هو يتقدم نحو هدف آخر، والهدف هنا الداخل السعودي وما يترتب عليه من هدم للمملكة، فلو تُرك الغافل الجديد يخطو كما خطط له ولم يتصدَّ له أحد، فقل وداعًا للمملكة، وعندما تعود الناس لتلتفت جيدًا لبوادر الهدم للبنيان السعودي، سرعان ما يفاجئهم اللاعب الماكر بطلقات جديدة، فحين استعرت الأحداث في سوريا، تم إلهاء الشعوب بما جرى في مصر، ومشهده البانورامي الكبير، حتى غابت سوريا تمامًا، ثم عاود تدوير الرؤوس صوب المشهد السعودي القطري، حتى يعد الشارد الجديد في الداخل السعودي دون ترقب العالم لكيفية صعوده وكي لا يعزز ذلك الترقب من فرص مقاومته وعرقلته داخليًا، حتى اشتد ساعده وحانت فرصة اقتناصه ككنز استراتيجي، ونجح في الانقضاض على السلطة بمنطق أسد الغاب.

تم إلهاؤنا جميعًا بتلك الطلقات، وفي المشهد الأخير، يكون قد تورط الشارد السعودي في الهلاك الكبير عبر الرمال اليمنية المتحركة والعواصف الإيرانية العاتية، كنهاية مؤلمة وحتمية، ويكون الأقصى في جعبة إسرائيل، وتكون شمس مصر قد غابت دون رجعة قبل عقود، وتكون الأطراف العربية كومة رماد.

تلك أهداف تتحقق كما يرسمها ويقتنصها اللاعب الأمريكي وذلك أسلوبه في الخداع الاستراتيجي الذي يفهمه الروس جيدًا، وتستفيد منه إيران في التمدد أكثر وأكثر كالأخطبوط وبرعاية صهيوأمريكية.

أما آن أن نغضب حق الغضب. أن نترجل من سباتنا، أن نعلم علم اليقين أن للكون إلهًا عظيمًا ونكف عن الخضوع لسواه.

 فلم يدر بخلدي للحظة أن نتنطع هكذا دون حتى حياء، أن نشجب ونندد إزاء ما فعله بنا الفاعلون من كل حدبٍ وصوب، أن نتماهى مع واقع فرض علينا ولا يحمل سمات أمة هي خير أمة أخرجت للناس.

فاغترابي عن واقعي ليس إلا انتماءً شديدًا لواقع تم حجبه مع سبق الإصرار والترصد. وطن قد غاب وتوارى بوجهه الصبوح، ريثما توارى أبناؤه الأوفياء.

فعن أي وطن تتحدثون. وبأي لغة تنطقون. فالوطن أيها السادة هو أغلى ما تملكون. فابحثوا عن وطنكم، بالغضب حد الجنون، أما آن أن نملك حق الغضب، أم أنكم قوم لا يفقهون، وفي غيهم يعمهون؟

دمتم سالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد