لا شك أن الأدباء والمثقفين المغتربين عامة، لا يمكنهم تحييد تيمة «الغربة» عن كتاباتهم، لا لشيء إلا لأنهم صوت دافق بهموم واقعهم وحضورهم «الاغترابي»، ولا يمكن لأي منهم أن ينزاح عن وشيجة «الغربة» وهو ضمن آليات سطوة يومياتها العاتية، يترنح بين حرقة أسئلتها الملتاعة، وأجوبتها المخيبة، إنها مكابدة غير مشروطة لواقع غير مشروط.
لكن هل فعلًا الإحساس بالغربة ضمن اجتياح وسائطي اجتماعي عام يبيح للكاتب أو المثقف في بلاد الهجرة الآن، مشروعية تناول تيمة «الغربة» وحدها، كلما استلم القلم ليدق نعش آهاته وأحلامه وآماله وآلامه، ويدبجها حرفًا مرموقًا رائقًا للقراءة والإنصات؟
ما معنى أن نعيش «الغربة» كواقع وتيمة في بلاد المهجر الآن وهنا، لا كمثقفين فقط ينصتون إلى العالم المحيط بهم بطرقهم الخاصة، بل كأناس عاديين، يعيشون اليومي برحابة أو على مضض، في ظل «بذخ» تواصلي آني، قرب المسافات، وجعل الواحد منا كأنه يعيش وطنه دقيقة تلو أخرى كسبحة معلوماتية لا نهاية لها؟
هل يحق أن نتمثل تيمة «الغربة» عزلى، وحدها دون «التيمات» الأخرى، في كتاباتنا واهتماماتنا الأخرى، نحن المثقفين «المغتربين» في بلاد المهجر الآن وهنا، ضمن زمن تعدد شبكات التواصل الاجتماعي، وقهرها «لليومي» الذي كان جاثمًا علينا في «غربتنا» ردحًا من الزمن، حيث أباحت لنا هذه الشبكات نقل هذا «اليومي» ليس القريب منا فقط، بل الأبعد عنا مسافات زمنية ومكانية خارقة، كاشفة عن تفاصيله المملة إلى حدود الحط والإسفاف؟
أليس بهذا وفي هذا السياق يمكننا أن ندعي أننا نشعر بـ«الغربة» بنفس طعم ولون الرواد، ونحن نلحظ أمامنا أولًا بأول وعن طريق هذه الشبكات ظهور مغتربين جدد يعيشون في صميم أوحال أوطاننا؟
قد نلحظ ونزكي، جليًا، المرارة التي عاشها مثقفو المهجر السابقون (أدباء أو أشباههم)، والذين وجدوا في «الكلمة» وبها، صدى للإحساس المقيت بالغربة والاغتراب، وهم بعيدون عن أوطانهم، وملتجئًا وحيدًا لاتقاء شر واقع «مهجري» كان مريرًا، لقد كان الرواد بالفعل أولي حق في تناول هذه «التيمة» وحدها دون غيرها، لأنهم هجروا قسرًا عن أوطانهم، ولم يعد لهم مع هذه الأوطان أي وشائج تذكر، لقد كانت تجتاحهم قطائع بحد السيف مع مناشئهم الأولى على كل المستويات السيكولوجية والجغرافية والمادية والإنسانية عامة، فهم أولى، في نظري، أن يتناولوا تيمة «الغربة»، كمشروعية أدبية وفكرية عامة، وكإحساس إنساني مرهف دافق وأساسي لاستمرار الحياة وقهر الوحدة وتحدي العزلة في بعدها النفسي والكينوني، وفي حالة تقاعسهم وانكماشهم، فإن الجنون هو مآلهم، لأن لا شيء يقهر هذا الواقع المتعجرف وانتكاساته آنذاك، سوى «الحرف الاغترابي» بكل تداعياته الأنطولوجية، لذلك لا يمكن مؤاخذة الرواد على «فبركتهم» لواقعهم عن طريق ركوب تيمة «الغربة» فلا مجال ولا مواضيع تعبر عن واقع المهجر دون المرور من سكة الغربة والاغتراب وقنواته.
وبالمقابل فماذا عن الأجيال الحاضرة من المثقفين في بلاد المهجر، التي تعيش تجاوزًا نفس «الكد النفسي»، إلا أنها، وهنا وجه الاختلاف، تترنح بين فرص للإنصات متعددة تتيحها لها وسائل ووسائط الاتصال والتواصل الاجتماعي الحديثة، هذه الوسائل التي جعلت العالم «غرفة صغيرة» وليست بالأحرى «قرية صغيرة» كما ترسخ في الأذهان ردحًا من الزمن، الكل أصبح يتجانس مع الكل على «المباشر» وسائط تنقل الغث والدم والحروب وأشياء أخرى؟
أضمن هذا الواقع الجديد الموسوم بـ«تخمة» تواصلية فائقة وما تنقله من أحداث دامية تجتاح رقعة جغرافية من العالم، يمكن للمثقفين «المغتربين» الآن، وفي الوقت الحالي، وفي بلاد المهجر (الغرب عامة) اللجوء دائمًا إلى تيمة «الغربة» وحدها «لتدبيج» هزائمهم وانتكاساتهم وأحلامهم «الإنسانية»، الشخصية والذاتية، في حياد تام عن ما يجمعهم بأوطانهم الأصلية، هل فعلًا يشعرون بالغربة كما شعر بها الرواد آنفًا؟ هل نفس الإحساس يراودهم؟

أم أن هناك بداية انتشار إحساس «اغترابي» مختلف من لون وطينة أخرى يفرضه واقع العالم الجديد، الأحرى أن يكون ضمن اهتماماتهم و«فطنتهم» الفكرية والإنسانية والوجودية عامة، لابد أنه عن واقع أوطانهم الأصلية أولًا، والتي تكابد الويلات والقهر والجوع والتشرذم والبلقنة، بحيث إن هذا الواقع يحثهم أخلاقيًا على إعادة النظر في سطوة تيمة «الغربة» وحدها على مخيلاتهم أو أذهانهم، ويوجب عليهم بذل مجهود فكري وأخلاقي، لتدبير هذا «الإحساس الاغترابي» بذهنية وميكانيزمات أخرى، تأخذ بعين الاعتبار واقعهم «الأصلي» كأولوية «فكرية» وإنسانية للتناول والنظر والبحث والشهادة التاريخية، لأن ما يعيشه المثقفون المغتربون «الآن» و«هنا» وبالضبط في بلاد الغرب، من «رغيد» عيش وتواصل، لا يمكن مقارنته بمعاناة أقرانهم في بلادهم الأصلية، مما يؤهلهم لرؤية العالم من وجهة أخرى تتجاوز الذاتي الضيق إلى الموضوعي الأعم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الغربة
عرض التعليقات
تحميل المزيد