يُشكِّل العقل خلال تجاربه نماذج يرجع إليها، وكلما وجد شيئًا مشابهًا أرجعه للنموذج المحفوظ، وبذلك تتراكم خبراتنا، فنرتدي ملابسنا، ونقود السيارة، ونكتب، دون عناء؛ لأننا نُرجِع العملية إلى خبراتنا المتراكمة، وبدون هذه النماذج لاحتاجت الأفعال التلقائية اليومية إلى عناء كل مرة كأنها أول مرة!

لا يختلف الأمر في عالم الأفكار. يقول (إدوارد دوبونو): «من منظور ما نجد هدف التفكير هو التوقف عن التفكير، أي تحديد نماذج نرجع إليها، ومع كل حدث نُرجِعه إلى نماذجنا فنحدد مسارنا بسهولة، عندها سنتوقف عن التفكير كل مرة» [1] فإعمال العقل لاختيار المناسب في كل فعل وفكرة مجهد، لذا نحتفظ لأنفسنا بمجموعة من المعتقدات تكون بمثابة العادات، الثوابت، الأسس التي نبني عليها.

تظهر المشكلة حين يفعل الشرير خيرًا أو الخيّر شرًا، أو نجد معلومة تتنافى مع نماذجنا، عندئذ نشعر بانفلات في نماذجنا لا يستطيع العقل الإلمام به، وحتى لا يفقد الثقة في نماذجه المحفوظة، سرعان ما يبرر الحدث الجديد ضمن نماذجه القديمة، فينكر، ويضلل، ويقمع، ويبرر حتى يظل متماسكًا.

يفسر د. عمرو شريف هذه الحالة فيقول: «إذا استقبل المخ معلومات جديدة لا تنسجم مع منظومته الاعتقادية، فكيف يسلك؟ أحد البدائل أن يمزق أوراقه القديمة ويبدأ في عمل تصور آخر يستوعب المعلومات الجديدة. المشكلة أننا إذا فعلنا ذلك مع كل جديد لا ينسجم مع منظومتنا، فستكون أفكارنا وسلوكياتنا مشوشتين غير مستقرتين، ماذا يفعل نصف دماغنا الأيسر؟ إما أنه سيهمل المعلومة تمامًا، أو أنه سيلويها ويحرِّفها لتتلاءم مع منظومته، وهذا هو تفسير الدفاعات النفسية التي طرحها فرويد؛ كالإنكار والقمع والكبت والتضليل، وهي ثمن بسيط يحقق لنا التوافق مع منظومتنا الاعتقادية والمعرفية، بدلًا من أن نصاب بالتخبط والجنون.

ويضرب (راماشاندران) لذلك مثلًا: تصور أن جنرالًا في الجيش على وشك أن يخوض حربًا، ووضع خطته بناء على معلومات جمعها عن العدو، منها أن العدو يمتلك 400 دبابة مقابل 500 دبابة لديه، وقبل دقائق من بداية المعركة جاءه جندي قائلًا: لقد أعدت إحصاء دبابات العدو فوجدتها 700 وليست 400 دبابة. ماذا سيفعل النصف الأيسر من مخ الجنرال؟ إن التوقيت سخيف، ولا يتسع لإعادة تنظيم الخطة، لذلك أمر الجنرال الجندي بألا يخبر أحدًا بهذه المعلومة (إنكار)، وإذا كان متعسفًا أطلق النار على الجندي ليخفي المعلومة إلى الأبد (قمع)، وربما أمر أن يؤكد أنه رأى فقط 400 دبابة (تضليل). إن لجوء النصف الأيسر إلى هذه الآليات الدفاعية يهدف إلى الحفاظ على المنظومة التي كوَّنها من قبل».[2]

وبهذه الطريقة نظل نبحث عما يثبت آراءنا، فتلفتنا الأخبار والمقالات المؤيدة لآرائنا، ونكتفي بالكتب الداعمة لتوجهاتنا، عندئذ نفقد الموضوعية ويصيبنا الانحياز، فلم نعد نفكر قدر أننا في موقف التابع المقلِّد، والغريب أن المقلِّد هو نفسه المقلَّد، فنحن نقلد أنفسنا، نسير على المسار الذي سبق ورسمناه، الآن نسير عليه فقط دون اختباره!

إن أشد خسارة يتجرعها المرء حين يفني حياته في نضال نحو فكرة دون أن يتساءل عن دوافع النضال وواقعية الهدف وأخلاقية الوسائل، وبعد أن يفوت العمر يجده قد ضاع سدى وراء سراب لم يقف لتبيّنه!

الحل في محاكمة البديهيات، وإعادة تقسيم النماذج والقوالب المحفوظة، والتشكيك في المعتقدات.

الشك

ليس عيبًا وجود ثوابت وأسس يبني عليها المرء أفكاره، لكن العيب أن نضعها بمنأى عن الشك والسؤال والفحص. حتى الدين – وهو أقدس المعتقدات – لا نجد حرجًا في التشكيك في صحته، (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ).[3]

بدأت الآية بإباحة الشك وإباحة السؤال للتثبت، وانتهت بمنع أن تكون من الممترين – أي الشاكين – فهل تحوي الآية الواحدة على تناقض بين أولها وآخرها؟!

الشك بوصفه مذهبًا يقوم على مبدأ أن الإنسان غير مؤهل للوصول للمعرفة، ولا يقين على الإطلاق، وبالتالي يشك في كل شيء، حتى أنه يشك في أنه يشك. وهو مذهب يتنافى مع مهمة العقل البشري وتميزه.

أما الشك بوصفه منهجًا: فهو الامتناع عن إبداء حكم، وذلك في مرحلة يتم خلالها البحث عن أدلة، وحين نصل لأدلة كافية لترجيح رأي، ننتقل من الشك إلى اليقين.

وبذلك فالشك المذهبي مرفوض، (ولا تكن من الممترين)، أما الشك المنهجي الباحث عن الأدلة لليقين فهو طريق الحق والحقيقة، (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ… فَاسْأَل).

لكن لاحظ أن الشك لا يعني الإنكار؛ فالشك: هو تعليق الحكم لعدم وجود أدلة كافية. أما الإنكار: فهو الرفض، وبالتالي فالإنكار حكم. مثلًا حين أقول: الأرض تدور حول نفسها. يمكنك التشكيك في المعلومة، فلا تنكرها ولا تقبلها، تظل ممتنعًا حتى تتبين، أما إنكارك لها فهو إيمانك بأن الأرض ثابتة، وهو حكم يحتاج لدليل.

إذن يجب أن يترسخ في الأذهان أن الشك في فكرة لا ينتقص منها قدر أنه يتفحصها، ينقيها، يدعمها، يسلِّحها بالأدلة. يقول طه حسين: «يُحبَّب إلى الناس أن يأخذوا بالقديم تجنبًا للبحث عن الجديد، لكن الله لم يرزقنا هذا النوع من الكسل؛ فنحن نؤثر عليه تعب الشك ومشقة البحث»، ومن قبل قال النظَّام: «ولم يكنْ يقينٌ قط حتى كان قبله شكّ، ولم ينتقل أحدٌ عن اعتقادٍ إلى اعتقاد غيره حتى يكون بينهما حال شك»، كما قال الغزالي: «الشكوك هي الموصلة إلى الحق، فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي فى العمى والضلالة»، ويقول كارل بوبر: «النقطة الهامة أنه عندما نقترح حلًا، ينبغي بشتى الطرق أن نسقط حلنا بدلًا من الدفاع عنه، ولسوء الحظ فإن قليلًا منا يفعلون ذلك» [4]، ويقول برتراند رسل: «قد يكون الشك أليمًا، لكنه على الأقل مخلص أمين، وثمرة من ثمار البحث عن الحقيقة». [5]

التبرير

أعلنت (ماريون كيش) أنها تتلقى رسائل من مخلوقات فضائية تعيش في كوكب كلاريون (الذي لا وجود له)، وأن هذه المخلوقات قد أخبرتها أن البشرية ستنتهي ليلة 20/12/1954 عبر فيضان هائل سيغرق المعمورة بأسرها. تمكنت من جمع عدد من المؤمنين بها، بعضهم ترك وظيفته وباع منزله، وصاروا يجتمعون في منزلها لمتابعة آخر ما يقوله الفضائيون. الأمر حفز (ليون فيستنجر)، وهو أستاذ في علم النفس الاجتماعي في جامعة (مينيسوتا) آنذاك، وقرر أن يخترق المجموعة متظاهرًا بتصديقه لها، وذلك ليدرس ردود أفعالهم عندما يمر اليوم المنتظر ولا يحدث شيئًا.

في ليلة الفيضان المزعوم تجمع أتباعها في منزلها، منتظرين نهاية البشرية. عندما مرت دقائق بعد الساعة الثانية عشرة بدأ البعض يقلق: لقد خذلتنا الكائنات الفضائية أمام الجميع!

خلال 20 دقيقة استلمت (كيش) برقية عاجلة من الفضائيين تقول: الضوء الذي نشره المؤمنون جعل الكائنات الفضائية تغير رأيها؛ سنُبقي على البشر حاليًا لأن فيهم هذه المجموعة الطيبة!

وجد (فيستنجر) أن المؤمنين بكيش لم يشعروا بالخدعة، بل زاد إيمانهم بها بعد هذا التفسير؛ لقد صاروا منقذين للبشرية! والآن عليهم جعل المزيد من الناس يؤمنون بما حدث.

كانت هذه الحادثة هي الأساس الذي أسس عليه فيستنجر (نظرية التنافر المعرفي Cognitive Dissonance) حيث يتصارع داخل العقل اعتقادان متناقضان أو اعتقاد وحقيقة واضحة، فيعمد إلى اختراع اعتقاد ثالث (تبرير) لينسق بينهما.[6]

نبحث جميعًا عن زوجة بمواصفات محددة، لكن حين نقع في الحب، تعمى بصائرنا عن هذه المواصفات، يختل التقييم، ويتغلب القلب، لكن العقل دائم الإلحاح: هل هذه هي المناسبة حقًا؟ هنا يبحث العقل عن كل ميزة، مهما كانت تافهة، ويخفي كل عيب، مهما كان جليًا، فقط يبرر، يخلق انسجامًا بين العقل والقلب ولو كان مزيفًا! وهكذا كل اختيار، قبله نحن موضوعيون، أما بعده فكلنا منحازون، لأن القرار أصبح منسوبًا إلينا، ندافع عنه ضمن دفاعنا عن أنفسنا!

واقعيًا يعتبر الإنسان أن ذاته هي كل ما يُنسب إليه؛ فإذا قلت لك أن ملابسك رديئة، وأفكارك متخلفة، ومنزلك متسخ. هل ستعتبر هذه الانتقادات آراء عن أشياء حولك أم تمسُّكَ؟! بالتأكيد ستعتبرها إهانة إليك. وأقرب ما يُنسب إلى الإنسان ويعبر عنه هي آراؤه التي تسكن عقله، لأن الناس عقول، لذا يحرص المرء على أن تخرج أفكاره للناس في أقوى صورها، وحين يتبنى موقفًا يبحث عن سبب حقيقي، وهو الدافع الخفي، ويهتم ويبني سببًا آخر منطقيًا (تبرير)، وهو مجرد سبب ظاهري مصطنع، يقوله للآخرين ليظهر أنه راجح الرأي ويظهر لنفسه أنه متسق الفكر.

هنا تتجسد المشكلة: أننا نتبنى قناعات بدافع الهوى أو المصلحة، ثم نبحث عن أدلة تؤيدها. الوضع الطبيعي للأدلة أنها تقود لاستنباط رأي، وإذا سبق الرأيُ الدليلَ، عندئذ تفقد الأدلة قيمتها وتصبح معلولة النية، نشأت في ظروف مشوهة لتنتج حجة مشبوهة.

يقول محمد عبده: «الاستدلال ثم الاعتقاد، وليس العكس»[7]، ولأن لكل فكرة مؤيديها، ونظرياتها، وأدلتها، إذن في مقدور أي شخص اكتشاف مجموعة أدلة تبرر أي رأي! لذا قالوا: افعل ما تقرره وستجد نصًا يبرره!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1].(علِّم نفسك التفكير).
[2].(ثم صار المخ عقلًا) ص80.
[3].يونس: 94.
[4].(منطق الكشف العلمي) ص52.
[5].(النظرة العلمية) ص90.
[7].(الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده في الاجتماعيات).
عرض التعليقات
تحميل المزيد