في كل يوم وساعة تمر، ومصرنا تحت نير الاستبداد والعبودية، والحكم الجبري التخريبي، الذي لم يسبق لبلدنا أن شهدته منذ أن تكونت جغرافيا وتضاريس هذا الوطن، وهي إلى انحدار ودمار واضمحلال، وسقوط ليس له مثيل، ويا ليت أن الكائن المتصهين المتحكم فينا الآن له من الذكاء أو الحنكة أو المهارة أو الخبرة ما يجعله جاثمًا فوق صدور الأمة كل هذا الوقت.

ولكن الذي يجعله مستمرًا في غيه وإثمه وضلاله، واستقراره على عرش المنكوسة المحبوسة، هو تفرقنا وتشتتنا وضعفنا؛ فصرنا بهذا الغباء المستحكم الذي يغلبه حسن النية أحيانًا جنودًا له بعلم أو بدون.

وها هو الشعب الحيران المسكين الذي ينتظر النخب والتيارات والجماعات الوطنية أن تعلن عن توحدها لإعلاء قيمة المصلحة الوطنية، لانطلاق شرارة الموجة الثانية للثورة؛ لكي يهب وينتفض ويقوم، لكي يتخلص من الظلم القاتم الأسود الجاثم فوق صدورنا، وللأسف لا صريخ.

وباتت كل التيارات متمترسة حول أيدولوجيتها وأجندتها، والجميع متمسك بما يزعم أنه حق له في الوثوب على السلطة، بعد رحيل المستبد، وصارت الكراهية والأحقاد عنوانًا للحقبة.

بل والأدهى من ذلك والأمرّ أن الإعلام المناهض لفريق الانقلاب وأعوانه صار مجرد مكلمة لا تسمن ولا تغني من جوع، وصار عبارة عن مندبة صباحًا ومساءً، وبكائيات على مجازر وتصفيات يومية لا تزكي نار غضب في قلوب الشارع المصري؛ لأنها مستمرة مثل مسلسل من حقبة التسعينيات الذي شهدته الجزائر دون تقديم حلولًا واقعية، أو مناقشة آليات عملية للخروج من الأزمة، فصار في فريق الهدم دون البناء، وأصبح يلعب دور المخدرات والمسكنات، وكأنه أريد له أن يكون كذلك.

وبات ما تبقى من زهرة شباب الثورة المصرية خارج المعتقلات، والذي يشكل وقود الثورة، وقلبها النابض متحيرًا ومحبطًا، لا يرى زعامة على الأرض تمثل له فرقان في بحر الوطن اللجي يضيء له به الدرب.

وكلما فكر وقدّر أنه صنع ثورة بالأمس، تعاونت الذئاب والثعالب من أهل الباطل عليه لإسقاطها وإقصائه عن المشهد، تفنن في اللامبالاة، ولسان حاله يقول لا بد للشعب الذي هلل للطاغية، وخضع لمن بيده السوط، ومن غلب أن يتحمل مسئوليته في التغيير، وأن يدفع ضريبة الدم الذي دفعها هو من ذي قبل؛ لكي يخلص نفسه من براثن المجرمين، وإلا يفعل فليظل على هو ما فيه حتى تصير البلاد فاشلة، والذي يسودها ويسوسها هو قانون الغاب القوي يأكل الضعيف.

هنا وفي هذه الأثناء باتت الحقيقة التي تفرض نفسها على أرض الواقع زمانًا ومكانًا وشكلًا وموضوعًا، أن التوحد والتعاون والتجمع على أرضية وطنية واحدة من جانب كل التيارات لإسقاط الانقلاب ونظامه كاملًا، هو طوق النجاة الوحيد للأمة المصرية، قبل أن تحدث كارثة أكبر من ذي قبل.

فالمصائب التي خلفها المنقلب في أعوام محدودة فاقت ما فعلته الحقبة الناصرية والمباركية، فسادًا ليس له مثيل.

وإذا استمر الخلاف قائمًا؛ فسوف نجد أنفسنا تابعين في جغرافيا وتاريخ الألفية القادمة لأمة بني إسرائيل باعتبارنا خدمًا وعبيدًا في بلاط اليهود فعلًا على أرض الواقع وليس شكلًا!

وصارت الأيام تقترب وتدنو على وجوه كل العرب والمسلمين صفعة القرن؛ لكي تشكل آخر مسمار في نعش كل حركات التحرر على مختلف التوجهات، وشرعنة أخيرة لنظام المنقلب، خاصة وأنه تخلص من كل أعوانه الذين شاركوه الجرم، وطبق وبالحرف ما قاله «ميكافيللي» ليصبح أمرًا واقعًا لا يزيحه إلا الموت.

لذلك إن لم يلتفت الجميع، ويتوحد ويكون الأساس الذي يبني عليه قاعدة الانطلاق هو بقاء مصر كما عرفناها، أو ليبحث كل منا له عن وطن آخر، ويقطع جذوره، أو حتى يتلاشى في الأفق، ولينسى الدار التي جعلت منه إنسانًا له تاريخ وماضٍ عريق، ليس لأحد من الأمم، وفي النهاية لن يبقى إلا الخذلان مكتوبًا في صفحته، والعاقبة سوف تكون لمن قدر له الله أن يغير هذا الواقع المرير.

قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!