خلال لحظات سننطلق في رحلتنا الفضائية، وعلى عكس العديد من الرحلات الفضائية فإن هذه الرحلة لا تتطلب منك سوى الوعي، بمعنى أن تكون واعيًا بأنك تسكن في مركبة تسبح في الفضاء وتسير في مسار موزون جنبًا إلى جنب مع بقية الكواكب والنجوم، وأنه قد تم إرساء هذه المركبة بوجود عامل الجاذبية الكونية وهي الثقوب السوداء في الكون، إن هذه المركبة تدعى «كوكب الأرض». قد قيل إن النظر إلى النجوم هو «سفر عبر الزمن»، وقد قيل أيضًا «أننا نحن جميعًا مصنوعون من مواد النجوم»! هل تجد هذا الأمر هراء؟

نعم لا بأس في ذلك، لأن قبول هذه العبارات ليس سهلًا، فقد قال العالم الفلكي روبرت ويلسون: «أنه وفي حالات كثيرة وعندما يحدث تغيير لنموذج جوهري في العلم، فإنه يستغرق جيلًا كاملًا لكي يتقبله الناس».

إن هذه الأفكار سترشدنا أخيرًا إلى حقيقة أننا جميعًا متصلون ببعضنا البعض بطريقة ما! بل ومتصلون بكوكبنا الأرض والنجوم وكذا الكون بكل ما فيه. لذا سنسافر إلى الزمن البعيد وسنبدأ رحلتنا منذ التكوين الأول، قديمًا جدًا إلى حيث ذرة متناهية في الصغر ومتعاظمة في الكثافة، يحيط المنطقة السواد والعتمة والظلام الشديد، حيث لا وجود للمجرات والكواكب بعد، ولم يتشكل الضوء ولم توجد النجوم المضيئة آنذاك وهو ما وصفها الخالق تبارك وتعالى بقوله: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ) فالمصابيح توجد لتضيء العتمة والظلام.

نقف هنا على بعد حوالي 13.7 مليار سنة نترقب لحظة الإنفجار الأول ذاك الإنفجار الذي سيتشكل منه الكون لاحقًا، وعلى الرغم من اختلاف نظريات نشأة الكون سابقًا، إلا أن تطور العلم خلال أقل من 100 عام جعل علماء الفيزياء وعلماء الكون يتفقون على نظرية واحدة هي نظرية الانفجار الكبير «البيج بانج» وتتمحور فكرتها حول ما يسمى «بالمادة والمادة المضادة» والتقاء هاتين المادتين الذي يؤدي إلى تلاشي كليهما، هذا التلاشي هو الانفجار العظيم، وهي النظرية التي دعمها القرآن الكريم منذ 1400 سنة، حيث قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ» ومنذ تلك اللحظة تمامًا بدأ الكون في حالة التوسع وما زال مستمرًا في التوسع حتى الآن، يقول تبارك وتعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ).

على إثر هذا الانفجار تولد دخان كثيف، وهو كما وصفه القرآن الكريم في قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) وبفعل جاذبية الكون تجمعت وتركزت كثافة سحابة الدخان حول مركزها نتج عنها تكتل الغاز لتتشكل النجوم في صورتها الأولى، وتبدأ بداخل النجم سلسلة من التفاعلات تترتب في صورة أغلفة داخل النجم لتنشأ بذلك عناصر أثقل، يتشكل حينها السيليكون والنيون والكالسيوم والنحاس والكربون والكروم والأكسجين وغيرها من العناصر، وهذه العملية تؤدي إلى تمدد النجم بشكل أكثر وأكثر، إلى أن يتكون عنصر الحديد في مركز النجم فيفقد النجم قدرته على التمدد ويتحول إلى كرة منتفخة من الغازات يحمل في مركزه نواة الحديد شديد الكثافة كما لا يستطيع النجم حينها أن ينتج طاقة إضافية لينتهي النجم بانفجار ضخم يسمى «السوبر نوفا» ما ينتج عنه انبعاث للعناصر التي تكونت داخل النجم على هيئة تراب، وهي ذاتها العناصر التي تشكل النجوم الأخرى والكواكب بما في ذلك كوكب «الأرض» وكذا تشكل أجسادنا كوننا خلقنا من تراب هذه الأرض.

في واحدة من أفضل البرامج التي أقوم بمتابعتها ذكرت المذيعة البريطانية كلير فوريستير ببرنامجها الممتع «No Clash» أنه في عام 2004 انطلقت وكالة ناسا في مهمة لجمع عينات لتراب النجوم من الفضاء وإحضارها إلى الأرض ليتم تحليلها، وقد نتج عن هذا التحليل الخصائص الفيزيائية لهذا التراب، حيث وجدوا أنه لزج «مغطى بالمواد العضوية» ويبدو على شكل ترابة وهو التراب الذي يتصلب إذا اختلط بماء مثل الإسمنت والفخار، كما وجدوا أنه ناعم مصقول يحتوي على سيلكات ملساء وليست متبلورة. وفي دراسات أخرى وجد علماء أن ذرات هذا التراب مسودة «مثل القطران» وتحتوي حبيبات التراب على جيوب صغيرة من الماء، هذا الماء قد تشكل من اتحاد عنصر الأكسجين الذي نتج من تفاعلات النجم بعد انفجار «السوبر نوفا» مع ذرات الهيدروجين في الفضاء. ولم يكن هذا الاكتشاف لدى العلماء أمرًا جديدًا، فالآيات التالية من القرآن الكريم تدعم اكتشاف العلماء وتعطي تطابقًا تامًا لخصائص تراب النجوم، يقول تعالى:  (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ) وقال تعالى: (إنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ) لازب بمعنى يلتصق، وفي آية أخرى: (ولَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ) والحمأ يعني أنه مسود اللون كالقطران، أما المسنون فيعني الناعم والمصقول. لذا تقول كلير: لم يكن العالم الفيزيائي كارل ساجان يسخر حين قال: «نحن جميعًا مصنوعون من مواد النجوم».

يرى العلماء أن عناصر الكون تتلخص في ثلاث عناصر هي: الحديد المتصلب وصفها القرآن بكلمة «الصلب» ومصدره نواة النجم، والترابة التي تتحجر عندما تخلط بالماء وبما تحتويه من مختلف العناصر التي انبعثت من انفجار النجم «سوبرنوفا» وقد وصفت بالقرآن بكلمة «الترائب» وأخيرًا الماء والذي تشكل من انبعاث الأكسجين من انفجار النجوم واتحاد الهيدروجين الموجود في الفضاء معه. هذه العناصر الثلاثة مجتمعة تشكلت لتكوين أول خلية حية في الوجود بداية من السيتوبلاوم وحتى الحمض النووي DNA ومن هنا تطورت أشكال الحياة والمخلوقات. يقول تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ). وقال تعالى: (وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ).

ترى هل ما زلت تشعر أنك منفصل عن الآخرين من حولك؟! هل ما زلت تؤمن بتواجدك في تلك المساحة الضيقة من منطقتك وأنك لا تنتمي لسواها؟!
هل ما زالت تقف خلف حدود رسمتها لنفسك تاركًا خلفك ذاك العالم اللامحدود؟! ترى هل ما زلت تعتقد أن انتمائك يقف عند حد مدينتك أو بلدتك أو منطقتك دونا عن بقاع الأرض؟!

إن المجرات ومنذ الخليقة كانت وما تزال تتباعد عن بعضها البعض بفعل قانون الاتساع الكوني، ومع ذلك فإن هذا الاتساع لم يحجب التواصل فيما بينها، فنقاط جاذبية الكون تشكل نقاط اتصال لها، ستشعر بذلك تمامًا إذا وضعت خطاك في أرض الحرم المكي، هناك حيث بناء الكعبة والتي تمثل نقطة مركزية في الأرض شبيهة بنقاط الجاذبية الكونية، ستشعر هناك بعمق الاتصال بينك وبين الآخرين من كافة الأجناس والأعراق، ستشعر وكأنما تعرفهم منذ زمن بعيد.

هذا التقارب يؤكد لنا أن الله الخالق العظيم لم يخلقنا لحدود منطقة دون أخرى، كانت رسالة صريحة جدًا: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فيها) كما كانت رسالة صريحة جدًا أيضًا من النبي محمد صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة وعمرها وعمر ما فيها على الرغم من حبه وولائه لأرض مكة، ورسل وأنبياء كثيرون لم تضع الأقدار أقدامهم على بقعة من بقاع هذه الأرض إلا وعمروا بها.

هذا حال الوعي إنه ينقل الإنسان إلى فضاءات أعلى وأوسع ويكشف الحجب له لرؤية تكوينه ورسالته الحقيقية خلال رحلته، تلك الرسالة الواضحة التي تخبرك أنك لا تنتمي لحضارة ولا لبناء ولا لتراث ولا لبلد بعينه، وأن جميع هذه المكونات ما هي إلا أثر خطوات لإنسان مثلك وجد في منطقة ما وفي لحظة زمنية ما، ثم عاد إلى حيث انتمائه وتكوينه الحقيقي، تمامًا كحالة عبورنا الحالية والتي ستصبح جزءًا من تاريخ آخرين بعدنا. فليس علينا سوى أن نتقن العبور ونكون خير سكان لأمنا الأرض، ولا يعني ذلك أن يتخلى الإنسان ويهمل حضارات وتراث الأمم والأجداد، فإنما هي محطات وجب احترامها وتقديرها وهي رسائلهم إلينا تحكي لنا تجاربهم وتنبئنا من أخبارهم لنتعلم منها ونستفيد.

أصبح الهبوط من هذه الرحلة الفضائية وشيكا، كلمات جلال الدين الرومي تقف على حدود مسمعي يقول: «وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر» وأنت جزء من هذه الأرض، وأنت جزء من هذا الكون، وإننا عائدون إلى حيث انتمائنا الحقيقي ( ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) سيتوقف عمل قانون التوسع في يوم ما وسيعود كل شيء إلى حيث بدايته (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد