كان يوم الامتحان الشفهي، سارت الأمور على خير وكان الجو به كثير من المرح، فقرابة العشرين يومًا لما أر أحدًا من زملائي، وعدت حامدًا لله على توفيقه لنا أنا وكثير من الزملاء، تلقيت اتصالًا هاتفيًا بعد عودتي للمنزل من أحدهم والذي أنهاه مبكرًا ولم أكن قابلته بعد الامتحان، وهاك النص:

زميلي: السلام عليكم، كيف سارت الأمور معك؟

أنا: الحمد لله، كله تمام بفضل الله، وماذا عنك؟

زميلي: لم تكن كذلك فقد أخفقت كثيرًا ولم أكن في كامل تركيزي.

أنا: لا تقلق، ستكون الأمور على خير إن شاء الله.

زميلي: وماذا عن فلان وفلان زملائنا؟

أنا: تمام ولكن هناك إخفاق بعض الشيء، لكن سارت الأمور على أي حال والحمد لله.

زميلي: تمام تمام، طيب كويس! أتريد شيئًا؟

أنا: لا، شكرا الله يكرمك، السلام عليكم.

زميلي: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

فكرت لثوان ماذا يحدث؟ كيف يتأتى له أن يفرح بإخفاق بعض منا، نعم التمست ذلك في كلامه، في نبرة صوته عند إجابته بـ«تمام تمام طيب كويس» هي إذن كذلك يفرح بعضنا بتقصير البعض، نفرح عند عجز بعضنا عن إتمام أمر ما!، هل هي حالة حقد وبغض توغر الصدور وتذهب بأنفسنا أدراج الرياح؟!، ما الأمر؟، هل أحزن على صديقي؟!، هل أسأت فهمه؟!، حالة ارتباك ودهشة، أمور لا توصف انتابتني لدقائق، لم يكن ذهني صافيًا للتفكير، ولكني واثق من إيجاد الإجابة.

لم أكن أبحث عن إجابة لحالة صديقي، لم أكن أريد الاطمئنان عليه فهو صديقي، ذهب الأمر بي بعيدًا وذهبت للبحث عن سبب تلك المشاعر السيئة التي انتابتني بسبب حديثي الهاتفي، وتلك التي تواجهك كل يوم عن ضغط عمل ما، أو تلك التي توغر صدرك وتجعل وجهك عبوسًا عند موقف سيئ قد يعكر صفو يومك، لا شك أن هذا إغراق في التفكير كنت أعتقد أنه لا داعي له، ولكن عندما عثرت على ضالتي في تلك الإجابة التي طالما بحثت عنها أدركت أن الأمر كان يستدعي ذلك.

ها أنا أقف أمام الإجابة أخيرًا، وقفت أمام الآية التي يقول فيها الله عز وجل على لسان إبليس عليه لعنة الله: (قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82 ) إلا عبادك منهم المخلصين) نعم هو الأمر كذلك أمر تحد خبيث استدرجنا الشيطان إليه لنقع في تلابيبه كل يوم، في الواقع إننا نرمي إليه على حين غفلة دون أدنى تركيز أو انتباه، هو سوء الفهم الذي يستدرجنا الشيطان إليه دون دراية، هو الغضب الذي يذهب بعقولنا والذي يقودنا إلى حدود بعيدة تؤدي إلى الندم حين لا يجدي فهلا تريثنا.

إن سنام الأمر وخلاصة القول في ذلك هو إننا قدرننا أمورًا على نحو خاطئ، أمورًا قوضت صداقتنا وعصفت بأركان علاقاتنا، كل ذلك لأن الأمور لم تكن تحسم كذلك، إن صديقي لم يخذلني، فهو ضحية تصور وضعه الشيطان أمامه، ذلك التصور الخبيث الذي ذهب بي إلى الشك في الكلمات، في العبارات، في الضحكات في كل الأمور التي لطالما كانت يومًا تبهجني، الآن جاء دوري ودورك لنعيد ترتيب الأوراق، لننجو من خيوط العنكبوت التي يحكم الشيطان نسجها، ولنتريث.

عندما تعود إلى رشدك وتسلم إلى سكينتك ستتعلم أنك تحتاج أن تقول آسف ألف مرة لصديق أو قريب أو زوجة أو أخ أو جار أو حتى غريب عبثت في وجهه أو اغتبته بكلمة أو اسأت معاملته لأنك أخفقت في الحسبان، وجعلت أبليس يفرح لأننا جميعًا أخفقنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد