إنّ إيمان الإنسان بالحرّيّة، وترويضه النّفس على عدم الانصياع لأيّ شخصٍ مهما كانت النّتائج سلبيّة على المستوى الشخصيّ وحده – برأيي الخاصّ – من ينجي الإنسان من الوقوع في جريمة مثل هذه، أمّا والإنسان قد تعوّد على أن يكون عبدًا ومتبوعًا فهوَ معرّضٌ بنسبة كبيرة لارتكابها، وعندها لا يمكن لي أن أبرّئ المتبوع لأنّ طبيعته البشريّة اقتضت ذلك!

عام 1963 قام ستانلي ميلغرام باختبار مشهور في علم النفس الاجتماعي يعنى بدراسة مدى الانصياع للسلطة عنوانه (دراسة سلوكية للطاعة) كان الهدف من الدراسة قياس مدى استعداد المشاركين لإطاعة سلطة تأمر بتنفيذ ما يتناقض مع ضمائرهم.

السؤال الذي طرحه ميلغرام في تجربته تلك هو عما إذا كان هناك إحساس مشترك بأخلاقية تلك الجرائم عند الذين تورَّطوا بها، ليصل بعدها إلى نتيجة أن أولئك المتورِّطين كانوا يتبعون الأوامر، بغض النظر عن مخالفتها أو تعارضها مع ما يؤمنون به من أخلاق وقيم. التجربة تكررت أكثر من مرة، وفي أكثر من مجتمع، ومع ذلك جاءت نتائجها متقاربة جدًا.

التجربة تشمل ثلاثة مشاركين: يجلس الرّئيس والمعلّم «المتطوْع» في نفس المكان، ويجلس التلميذ في غرفة أخرى على أن يتمكّن المعلّم من سماعه كما نشاهد في الصّورة، يقرأ المعلّم على التلميذ مجموعة من المفردات ويطلب إليه حفظها، ثمّ يبدأ بسؤاله عنها وهذه هي النّقطة الحاسمة من الاختبار، فعند كلّ خطأ يقع فيه التّلميذ على المعلّم أن يستخدم بشكل متصاعد جهازًا للصعق الكهربائيّ تتراوح شدّته بين 30 إلى 450 فولت.

في الواقع جهاز الصّعق الكهربائيّ لا يعمل ولكنّ التّلميذ يمثّل الإصابة بالتّزامن مع أصوات صراخٍ مسجّلةٍ مسبقًا، ومع ارتفاع الفولتيّة يبدأ التّلميذ بضرب جسده في الحائط والشكوى من مرض في قلبه، هنا أتوقّف لأسأل نفسي وأسألكم: هل يمكن لي أو لك أن نستمرّ بإجراء تجربةٍ نمارس فيها مثل هذه القسوة على إنسان بريء مقابل 20 دولارًا؟

في الظّروف العاديّة نحن ندّعي الطيبة والمثاليّة، ولا نتصوّر بأنّنا – أو أيّ شخصٍ عاقل – يمكنه فعل ذلك، لكنّ نتائج اختبار ملغرام أثبتت أنّ الكثير من النّاس قادرون على الاستمرار في تجربة مخيفة كهذه بدمٍ بارد، فحوالي 65% من المشتركين وصلوا إلى الدرجة الأقصى من الفولتية، 450 فولت. بل إنّ بعض المشاركين أظهر متعةً بسماع أصوات صراخ الضحيّة!

في هذه التّجربة أثبت ميلغرام كيف يقع النّاس في الجريمة والعنف إذا أصبحوا متبوعين وأُقنعوا بألاّ ذنب لهم في الأمر، فكلّما أظهر أحد المشتركين تردّده في الاستمرار كان الرّئيس يستخدم معه ألفاظًا تحفيزيّة تُخلي مسؤوليته ممّا يفعل، 100% من الرّجال لم يظهروا عزمًا على عدم الاستمرار قبل 300 فولت!

يفسر ميلغرام نتائج تجربته بأنها تشرح كيف أنه وبإمكان أي مواطن عادي أن يسبب آلامًا لأشخاص قد لا يعرفهم، لسبب بسيط، وهو أنه يتلقى الأوامر من المسؤول عن التجربة،فما نحن إلّا موظّفون/ أتباع/ مسيّرون… وبأن درجة انصياع الأفراد لأوامر السلطة هي مسألة تتطلب بحثًا وتفسيرًا قد يُلقي الضوء، ولو قليلًا، على ما تشهده البشرية من قتل ودمار وعنف بأيدي بشر يشاركونهم الهواء والأرض.

أنتم – وأنا – معرّضون أيضًا لارتكاب جريمةٍ كهذه، نعتقد ونحن نمارسها بأنّنا غير مسؤولين عمّا يحدث للضحيّة فما نحن إلاّ موظّفون/ أتباع/ مسيّرون قدرًا لكنّنا لسنا بمجرمين، إنّه شيء يشبه التّنويم المغناطيسيّ، ربّما نقع فيه على مستوياتٍ أقلّ في حياتنا العامّة ووظائفنا، فكم آذينا من بريء بينما نعتقد أن لا ذنب لنا في ما نفعله فاللّوم يقع على من يصدر علينا الأوامر؟

إنّ الطبيب الّذي يستجيب لأوامر مدير المستشفى أو أنظمتها الجائرة ويمتنع عن علاج مريض لأسباب قانونيّة أو مادّيّة يرتكب جريمة على النّمط الّذي كشف عنه ميلغرام، وكذلك المعلّم الّذي يكلّف التّلاميذ الصّغار ما لا طاقة لهم به فيحمّل أكتافهم الغضّة حقائب ثقيلة استجابةً لبيروقراطيّة التّعليم، والفرق بين هؤلاء وبين قاتل تابع أو رجل مشتركٍ في تجربة ميلغرام هو اختلاف الظّروف والمناخ فقط.

 وفي سياق متسق فإنّ أقبح الجرائم الّتي حدثت تاريخيًا تلك الّتي ارتكبتها الجماهير تحت التأثير الطاغي لقادتها أو لعقائدها – ليس شرطًا أن تكون عقيدة دينيّة ولكنّها الأقوى تأثيرًا – وقد كان الباحثون النفسيّون في أوروبّا خلال فترة طويلة ينظرون بسلبيّة مطلقة إلى أيّ جمهور من النّاس، فوصفوا الجماهير بالمجانين تارة (سواء أكانوا جماهير كرة قدم أم جماهير تابعين لقائد عسكريّ) ووصفوهم بالرّعاع الهمجيين تارة أخرى، وأخيرًا أصبغوا على الجماهير صفة الإجرام، وأصبحت أيّ مجموعة من النّاس تكوّن جمهورًا – في نظر الكثير من الباحثين – قادرة على ارتكاب أبشع الجرائم.

ونحن نستغرب هذه الفكرة الّتي تتناسى وجود الجماهير الصالحة في الحضارات الإنسانيّة، لكنّنا إذا تأمّلنا في الجرائم الّتي ارتكبتها الجماهير الأوروبّية في العصور الوسطى أو حتّى خلال الثورة الفرنسيّة فسنفهم لماذا فكّر الباحثون بهذه الطّريقة، وسأتحدّث عن جريمة جماهيريّة بشعة حدثت أثناء الثورة الفرنسيّة وذكرها أحد مؤسّسي علم النّفس الاجتماعيّ غوستاف لوبون في كتاب سيكيولوجية الجماهير.

تُعرف الجريمة باسم «مذبحة سبتمبر في باريس» وقد بدأت في تاريخ 2 سبتمبر من عام 1792 واستمرّت خمسة أيّام متتالية، حدث الهجوم الأوّل حين تمّ نقل 24 من الكهنة إلى سجنٍ يُدعى L’Abbaye ، فهجم عليهم جمهور من الثوّار الفرنسيين النّاقمين على الكنيسة الرومانيّة الكاثولوكيّة – 300 من الرّجال الحرفيين والحدّادين والإسكافيين والوسطاء التجاريين وقليل من الأوغاد – فقتلوا جميع الكهنة، ثمّ استمرّت المذبحة لتطال 1200 من المسجونين من بينهم نساء أرستقراطيّات وما يُقارب مئة طفل.

المشاهد الّتي نقلها شهود المذبحة مروّعة جدًا، ولا تزال فرنسا تتحدّث عنها بحزنٍ حتّى الآن، وُجدت إحدى السيّدات من طبقة النّبلاء وتُدعى الأميرة ممّي دي لامبلي مُغتصبة ومشوّهة ومنتهكة، وقد انتزع أحد الرّجال قلبها وقام بأكله، وأُجبرت سيّدة صغيرة على شرب دم أحد الضّحايا نظير الحفاظ على حياة والدها.

لكنّ شيئًا آخر بعيدًا عن هذه الوحشيّة هو ما أثار اهتمام غوستاف لوبون في المذبحة، بعض الأخلاق الغريبة الّتي أظهرها مرتكبو الجريمة، يقول لوبون: هم مقتنعون بأنّهم ينجزون واجبًا وطنيًا، إنّهم يقومون بوظيفة مزدوجة، فهم في آنٍ معًا القضاة والجلاّدون ولا يعتبرون أنفسهم مجرمين إطلاقًا، ثمّ يصف تلك الأخلاق فيقول: كانوا مثلًا ينقلون إلى طاولة اللجان كلّ المال والجواهر الّتي وجدوها في جيوب الضّحايا، أثناء القيام بالمجزرة يُخيّم على الجميع نوع من الفرح اللطيف والجميل، فهم يغنّون ويرقصون حول الجثث ثمّ يصفّون المقاعد للسيّدات السّعيدات بمقتل الأرستقراطيين، كانوا مقتنعين بأنّهم قد استحقّوا منّة الوطن، فتوجّهوا إلى السلطات طلبًا للمكافأة، بل وإنّ أكثرهم حماسًا راحوا يطالبون بالميداليّات.

ختامًا فإن من المفزع أن نرى إلى أي مدى يمكن للإنسان أن يلغي عقله وضميره فينصاع للوحشية تحت ضغط أيّ من المسميات (الطاعة للسلطة، تطبيق القانون…)، دون أي محاولة لاعتراض أو احتجاج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد